هل تُعتِّم إسرائيل على خسائرها البشرية في الحرب؟

تُشكّل إدارة الخسائر البشرية مكوّناً بالغ الحساسية في بنية القرار العسكري والإعلامي، لما تنطوي عليه من تأثيرات مباشرة على تماسك الجبهة الداخلية، واستمرارية الدعم الشعبي، واتساع أو انكماش هوامش المناورة المتاحة أمام القيادتين السياسية والعسكرية في عملية اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، تبرز الحال الإسرائيلية بوصفها نموذجاً دالاً؛ إذ لا تقتصر معالجة الخسائر على بعدها العملياتي المباشر، بل تُدرج ضمن مقاربة أشمل تُعرف بـ"إدارة الوعي"، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأبعاد النفسية والاجتماعية والإعلامية في إطار منظومة مؤسساتية متكاملة. ضمن هذه المنظومة، تتقاسم الرقابة العسكرية والناطق باسم جيش الاحتلال ووسائل الإعلام أدواراً متشابكة في ضبط تدفّق المعلومات المرتبطة بالخسائر، بما يتيح التحكم ليس فقط في توقيت نشرها، بل أيضاً في كيفية صياغتها وتأطيرها، والسياق الذي تُقدَّم عبره في المجال العام.
تكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة في سياق "جبهة الشمال"، أي الجبهة اللبنانية، ولا سيما في أعقاب إعلان الهدنة، حيث يُفترض نظرياً أن تنحسر وتيرة العمليات العسكرية وتتراجع معها الخسائر البشرية. إلا أن المعطيات الميدانية اللاحقة تكشف مساراً مغايراً، إذ يستمر تسجيل قتلى وإصابات، نتيجة تواصل العمليات التي تنفّذها المقاومة، بالتوازي مع تباين ملحوظ في آليات الإعلان عنها. وفي هذا الإطار، يُظهر تقرير رصد ميداني يغطي المدة الممتدة من 17 نيسان حتى مطلع أيار، أعدّه مركز "يوفيد"، أن تتبّع هذه الخسائر يواجه جملة من القيود المنهجية، في مقدّمها التفاوت في أنماط الإعلان؛ إذ غالباً ما تُدرج الأرقام المرتفعة ضمن نطاقات زمنية عامة أو بصيغة تراكمية، في حين يُصار إلى الإعلان عن الحوادث المحدودة بصورة فورية ومقترنة بحدث محدّد، بما يعكس تبايناً في منطق العرض وتوقيت الكشف.
وينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن التلاعب بالخسائر في الحال الإسرائيلية لم يعد يرتكز على الإخفاء الكامل، بقدر ما يقوم على إدارة انتقائية لتدفّق المعلومات، تُمارَس عبر آليات التأخير والتجزئة وإعادة التوزيع الزمني والإدراكي للبيانات، بما يحدّ من أثرها التراكمي في الوعي العام الإسرائيلي. ويستند هذا الطرح إلى تحليل المعلومات الميدانية الموثّقة خلال الأسبوعين الماضيين، مقروناً بقراءة التفاعلات الرقمية في الفضاء العبري، بوصفها مؤشّراً على تشكّل الإدراكات الفورية داخل بيئة معلوماتية مفتوحة.
أولًا: آليات التعتيم
يكشف تتبّع المعطيات الميدانية والإعلامية خلال المدة الممتدة من 17 نيسان إلى مطلع أيار، عن نمط غير متّسق في عرض الخسائر البشرية في صفوف جيش الاحتلال، سواء على مستوى الأرقام أو توقيت نشرها، بما يشير إلى إعادة صياغة إدراكها عبر توزيعها زمنياً ومؤسسياً. ففي 17 نيسان، جرى الإعلان عن إصابة 6 جنود في حادثة محددة، بالتوازي مع الإشارة إلى 67 إصابة خلال 48 ساعة، و653 إصابة تراكمية منذ بداية آذار، دون تقديم ترابط تفسيري بين هذه المستويات. وفي اليوم ذاته، سُجّل مقتل جندي وإصابة أربعة آخرين في حوادث منفصلة، لترتفع الحصيلة اليومية إلى قتيل ونحو 10 جرحى، بينما بقيت الأرقام التراكمية منفصلة عن سياقها الزمني المباشر.
يتكرّر النمط ذاته بين 18 و19 نيسان، حيث سُجّلت خسائر موضعية (قتيل وعدة جرحى) بالتوازي مع بيانات أوسع مثل 37 إصابة خلال 24 ساعة وارتفاع الإجمالي إلى 690 إصابة منذ بداية العملية. ويُلاحظ أن التفصيل يُمنح للحوادث الفردية، بينما تُعرض الأرقام الكلية ضمن صيغ إجمالية لا تُفكك زمنياً، كما في حادثة كفركلا، التي أُعلن عنها لاحقًا بعد "السماح بالنشر"، ما يعكس فجوة بين وقوع الحدث وإدراجه في التداول الإعلامي.
يبرز بين 21 و24 نيسان نمط أكثر وضوحاً من التأجيل في عرض المعطيات، حيث يُشار إلى "حدث أمني صعب" دون تفاصيل فورية، قبل أن تُعلن لاحقاً تقديرات تُفيد بتسجيل 45 إصابة خلال 48 ساعة، مع الإقرار بوقوع ما لا يقلّ عن خمسة حوادث متفرقة خلال مدة قصيرة. ويُستنتج من ذلك اعتماد آلية تجميع لاحق للأرقام بدل عرضها المتزامن مع الحدث.
التلاعب بالخسائر البشرية انتقل من نموذج "الإخفاء الكامل" إلى نموذج "الإدارة الانتقائية للتدفّق المعلوماتي"
بعد 26 نيسان، اتّخذت المؤشرات منحى تصاعدياً، مع تسجيل قتيل وعدد من الإصابات الخطيرة في أكثر من حادثة، و30 إصابة خلال 24 ساعة، إلى جانب استمرار الإعلان المتأخر عن إصابات مرتبطة بالطائرات المسيّرة. ومع نهاية نيسان وبداية أيار، تتكثّف الحوادث المرتبطة بالمسيّرات المفخخة (الـ FPV)، والتي باتت تُصنَّف كأحد أكثر التهديدات تعقيداً بالنسبة إلى الكيان، باعتراف قادته السياسيين والعسكريين. ففي 30 نيسان، يُعلن عن مقتل جندي وإصابة ما يصل إلى 15 آخرين في حادثة واحدة، فيما تُعرض حوادث أخرى بشكل مجزّأ (إصابتان هنا، وضابطان هناك)، دون دمجها في حصيلة موحدة (في السياق الإحصائي العام، أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية، مطلع أيار، عن تسجيل 245 إصابة منذ سريان الهدنة مع لبنان، و663 إصابة في الجبهة الشمالية بعد مرحلة التصعيد الأوسع، ضمن إجمالي بلغ 8564 إصابة منذ بداية الحرب).
يبرز عامل التوقيت بوصفه محوراً مركزياً في تشكيل هذه الصورة، إذ لا تُنشر بعض الحوادث، بما فيها استهداف مباشر لقوات الاحتلال وسقوط قتلى وجرحى، إلا بعد رفع الرقابة العسكرية تحت صيغة "سُمح بالنشر"، كما في حادثة استهداف قوة من لواء غولاني بشكل مباشر بصواريخ وقذائف من قبل المقاومة (4 أيار)، ما يفصل الحدث عن لحظة وقوعه ويعيد تقديمه كمعطى مؤجّل خارج سياقه الزمني. ويتكامل ذلك مع منظومة ضبط مؤسسية تربط النشر بإجراءات إلزامية تتعلق بإبلاغ العائلات، وتفرض قيوداً على التسريب خارج القنوات الرسمية، وهو ما تجلّى في التعامل مع تسريب معلومات من ضابط احتياط في قيادة الجبهة الداخلية، حيث أُعلن عن إنهاء مهامه. ويعكس ذلك وجود آلية ردع داخلية لضبط تدفق المعلومات داخل البُنيتين العسكرية والإعلامية معاً.
وعليه، لا يقتصر النمط على تقليل حجم المعلومات المعلنة، بل يقوم على إعادة توزيعها زمنياً بين المستويات الحدثية والتجميعية والتراكمية، بما يؤدي إلى تفكيك الصورة الكلية للخسائر. وضمن هذا الإطار، تُعاد صياغة الأرقام بوصفها أداة لإدارة الإدراك أكثر من كونها مجرد توصيف كمّي للواقع، بما يحد من ظهور الأثر التراكمي في الوعي العام الإسرائيلي.
ثانيًا: انكشاف الميدان
تشهد سياسة التعتيم، رغم إحكامها المؤسسي، تراجعاً تدريجياً في فاعليتها بفعل التحولات البنيوية التي طاولت البيئة المعلوماتية. فقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تفكيك احتكار المؤسسة العسكرية للمعلومة، لتتحوّل الوقائع الميدانية إلى محتوى يُنقل بشكل شبه فوري عبر منصات رقمية متعددة، تتضمن صوراً ومقاطع فيديو ومعطيات أولية عن تحركات القوات وعمليات الإخلاء. في هذا السياق، تبرز قنوات "تلغرام" وغيرها من المنصات بوصفها مسارات موازية لإنتاج ونقل المعلومات قبل صدور البيانات الرسمية، بما يشمل مؤشرات مرتبطة بحركة المروحيات العسكرية، ونقل الجرحى، وتقديرات أولية لحجم الخسائر البشرية. ويعكس ذلك انتقال البيئة العملياتية إلى فضاء بصري مكشوف، تتآكل فيه قدرة الضبط المركزي، بما يجعل احتواء تدفق المعلومات بالكامل عبر الأدوات التقليدية أمراً متعذراً.
ويتعزّز هذا التحول مع بروز المستوطنين في المستوطنات الشمالية كمصدر معلومات غير رسمي، نتيجة مشاهدتهم المباشرة للأحداث، وما ينشرونه لاحقاً عبر الوسائط الرقمية. ويؤدي هذا المسار إلى تقويض إضافي لاحتكار المؤسسة العسكرية للرواية، وإلى تعميق الفجوة بين ما يُرصد ميدانياً وما يُعلن رسمياً. ويتقاطع ذلك مع حال من الانقسام داخل المجالين الإعلامي والجمهوري؛ إذ يتبلور اتجاه يبرر التعتيم باعتبارات أمنية وإجرائية مرتبطة بإدارة العمليات، مقابل اتجاه آخر يرى فيه مؤشراً على تراجع الشفافية وتآكل الانضباط المعلوماتي. ويعكس هذا التباين تصاعد أزمة الثقة وتراجع مشروعية الخطاب الرسمي في إدارة المعلومة. وفي هذا الإطار، تتجلّى مفارقة أساسية مفادها أن التعتيم لم يعد قادراً على كبح تدفّق المعلومات، بل قد يسهم في تغذية "الشائعات" وتوسيع هامش المعلومات غير الدقيقة، نتيجة غياب البدائل الرسمية في الوقت المناسب، بما يؤدي إلى تضخيم إدراك الخسائر بدل ضبطه.
وعليه، يمكن القول إنّ التلاعب بالخسائر البشرية انتقل من نموذج "الإخفاء الكامل" إلى نموذج "الإدارة الانتقائية للتدفّق المعلوماتي"، القائم على التأخير والتجزئة وإعادة الصياغة. غير أن هذا النموذج يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل اتساع الفجوة بين الواقع الميداني والخطاب الرسمي، وتنامي قدرة حزب الله على إنتاج ونشر المعلومات والصور. وفي ظل هذه الديناميات، تتراجع فعالية أدوات التعتيم التقليدية، ما يضع المؤسسة العسكرية أمام معضلة التكيّف مع بيئة تتّسم بانكشاف نسبي، دون فقدان القدرة على ضبط الانعكاسات النفسية والسياسية للخسائر. وبذلك، لم تعد إدارة الرواية مجرّد أداة إعلامية، بل غدت ساحة صراع قائمة بذاتها تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية.
