المقاومة تستمرّ بلا الممرّ السوري؟

ثمّة مقولة تكتسب رواجاً متزايداً في الأوساط التي تُعنى بمستقبل لبنان وموازين القوى الإقليمية، مفادها أن خروج سوريا من معادلة محور المقاومة، تسبّب بقطع الشريان الذي تتغذّى منه المقاومة في لبنان، وأن ما بقي منها بعد هذا الانتزاع لا يعدو كونه جسداً بلا روح. وهو مُحاصر جغرافياً ولوجستياً، يترقّب انهياره الذاتي ما لم يُسلّم طوعاً أو يُدجَّن تدريجياً.
وتُبنى على هذه المقولة استنتاجات سياسية تذهب إلى حدّ القول بضرورة التخلص من سلاح المقاومة بوصفه عبئاً لا رافعة، وعائقاً أمام الاندماج في منظومة إقليمية ودولية لا مكان فيها لمن يخرج على توافقاتها. غير أن هذه المقولة، رغم تماسكها الظاهر وانتشارها في فضاءات الرأي الرسمية وشبه الرسمية، تقوم على جملة من المُفترضات الهشّة التي لا تصمد أمام قراءة جادّة في طبيعة المقاومة وتاريخها وشروط استمرارها.
أولاً: مغالطة الاعتماد المُطلق على الممرّ الخارجي
يفترض هذا الطرح أن المقاومة في لبنان كيانٌ طفيلي يستمدّ حياته من مصادر خارجية، وأن انقطاع هذه المصادر يُفضي حتماً إلى جفاف لا رجعة منه. وهذا الافتراض يُسيء إلى قراءة طبيعة المقاومات الحية عبر التاريخ. المقاومات التي تعتمد اعتماداً كلياً على الإمداد الخارجي تبقى رهينة لذلك الإمداد، وحين ينقطع تنهار. أمّا المقاومات التي أثبتت ديمومتها وقدرتها على الإنجاز فإنها تتميز بخاصية جوهرية واحدة: قدرتها على إعادة إنتاج شروط استمرارها من داخلها، وإن استفادت في الوقت ذاته من الدعم الخارجي حين يتوفّر.
المقاومة اللبنانية لم تنتظر الأزمة الراهنة لتكتشف هذه الحاجة. فهي دخلت مسار التصنيع الذاتي منذ سنوات طويلة، وراكمت خبرة تقنية وهندسية وتنظيمية لا تُقاس بحجم ما يمكن نقله عبر حدود. الكوادر البشرية المُدرّبة، والمعرفة المتراكمة، والتجربة الميدانية في مواجهة جيش من أكثر جيوش العالم تسلّحاً وتطوراً، كلّ هذا لا يُخزّن في مستودعات يمكن قصفها، ولا يمر عبر ممرات يمكن إغلاقها.
ثانياً: الجغرافيا اللبنانية حليف لا عائق
ما يكشف قصور هذا الطرح، أنه يتجاهل تماماً ما تمنحه جغرافيا لبنان لمن يُحسِن الانتفاع بها. لبنان بلد جبلي بامتياز؛ سلاسل جبلية متداخلة، ووديان عميقة، وتضاريس وعرة تمتدّ من أقصى جنوبه إلى البقاع الشرقي وجبال لبنان الشمالية. هذه الجغرافيا ليست مجرّد ديكور طبيعي؛ إنها معطى عسكري واستحكامي حاسم في تاريخ كل حركات المقاومة والدفاع الشعبي. ما من جيش احتلال نجح في السيطرة الكاملة على بيئة جبلية يمتلك سكانها إرادة المقاومة وخبرتها، وتاريخ لبنان ذاته شاهد على ذلك في مراحل متعاقبة.
الجغرافيا الصديقة لا تعني الاعتصام السلبي في المواقع الحصينة. بل تعني القدرة على التنقّل والإخفاء والتصنيع والتموضع، وتعني رفع الكُلفة على أي قوة غازية أو ضاغطة. وهذه هي بالضبط المزايا التي أفقد غيابها مقاومات أخرى عُزلت عن شعبها وعن أرضها، في حين أن المقاومة اللبنانية تتجذّر في أرض تمنحها أفضلية هيكلية لا يُلغيها تغيّر النفوذ الإقليمي.
ثالثاً: التفاوض وخرافة الحل الدبلوماسي
ثمة موقف آخر يتراءى أقل حدّةً في صياغته، وأكثر قبولاً في الفضاء العام اللبناني والعربي المعتدل: يقول إن الحل هو التفاوض، وإن المقاومة وسلاحها يُعقِّدان مسار الوصول إليه، وربما يوفّران ذريعة للعدوان. وهذا الموقف، مهما حسنت نية أصحابه أو ساءت، ينطوي على خلط بين التفاوض بوصفه أداة والتفاوض بوصفه غاية، وبين الحل الحقيقي والاستسلام المُقنّن.
التفاوض في منطق العلاقات الدولية، بل وفي أبسط مقتضيات الفلسفة السياسية، عملية تبادلية لا يُقدِّم فيها كل طرف إلا بقدر ما يملك من رصيد يستند إليه. المفاوض الذي يجلس إلى الطاولة خالي اليدين لا يُفاوض؛ هو يوقّع على شروط مُملاة ويعود إلى قومه بوثيقة تُسمى اتفاقاً وهي في حقيقتها إذعان. التاريخ العربي الحديث يزخر بالشواهد على ذلك: كل مرة انتُزعت فيها أوراق الضغط المادية والميدانية من يد الطرف العربي قبيل التفاوض أو خلاله، كانت النتيجة اتفاقيات تُكرِّس الخسارة وتمنحها شرعية قانونية.
كامب ديفيد لم تُعِد سيناء ملكاً حقيقياً، ووادي عربة لم تُسوّ ملف اللاجئين، وأوسلو لم تُوقِف الاستيطان. لأن في كل هذه الحالات جلس الطرف العربي إلى الطاولة وقد تخلّى عن رصيده أو جُرِّد منه.
دخلت المقاومة في مسار التصنيع الذاتي منذ سنوات طويلة، وراكمت خبرات تقنية وهندسية وتنظيمية لا تُقاس بحجم ما يمكن نقله عبر الحدود
في حالة لبنان تحديداً، ما الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب الكامل عام 2000 بعد اثنين وعشرين عاماً من الاحتلال؟
لم تكن قرارات مجلس الأمن التي تراكمت دون تطبيق، ولم تكن المطالبات الدبلوماسية التي تكرّرت دون أثر، ولم تكن المناشدات الأممية التي حفظها الأرشيف دون أن يُحفظ معها شيء على الأرض. كان الحضور الميداني المتواصل للمقاومة وتصاعد الكُلفة البشرية والعسكرية لجيش الاحتلال إلى حدّ لم يعد محتملاً.
ما الذي أوقف الحرب عام 2006 رغم الآلة العسكرية الهائلة والدعم الغربي غير المحدود الذي حظي به العدو؟
كانت المقاومة التي حوّلت الاعتداء إلى مستنقع ورفعت ثمنه فوق حسابات المنتصرين.
من يريد إذاً لبنان أن يفاوض، فليكن صريحاً: يريده أن يفاوض بأي رصيد؟ وعلى أي أساس؟ وفي مواجهة دولة تُعلِن صراحةً وجهاراً أنها لا ترى قانوناً دولياً يُلزِمها ولا شرعية أممية تردعها، التفاوض العاري من الرصيد ليس دبلوماسية؛ هو إضفاء شرعية على الاستسلام وتوثيقه.
رابعاً: المقاومة ليست فصيلاً بل ضرورة وطنية
يُضاف إلى ما سبق أن النقاش حول المقاومة في لبنان يُصاغ في الغالب على نحو يُقلِّص السؤال ويُشوِّه طبيعته. فيُقدَّم على أنه خلاف بين فريق «يريد الدولة» وفريق «يريد السلاح»، أو بين «الانفتاح على المجتمع الدولي» و«الانغلاق في المحور»، أو بين «المشروع الوطني» و«المشروع الإقليمي». وكل هذه الثنائيات مصطنعة في جوهرها لأنها تتهرّب من السؤال الفعلي: ماذا يفعل لبنان في مواجهة عدو يُعلِن يومياً حقه في ضرب أراضيه، ويغتال مسؤوليه، وينتهك أجواءه وبحره، ويُرسي وقائع ميدانية في الجنوب بلا أفق للانسحاب الطوعي؟
هذا السؤال ليس سؤالاً حزبياً ولا طائفياً؛ هو سؤال يخصّ الكيان اللبناني بكامله. والإجابة عنه بالاستناد إلى الدولة وحدها ومؤسساتها العسكرية الراهنة تُصطدم بإشكالية موضوعية: الجيش اللبناني، مهما أُحسنت النية في تعزيزه، لا يُشكّل في وضعه الراهن رادعاً كافياً في مواجهة عدو يمتلك ترسانة نووية ويحظى بدعم استراتيجي غربي مفتوح. بناء رادع حقيقي يتطلّب سنوات إن لم يكن عقوداً، وطوال هذه المرحلة الانتقالية لا يمكن لأي عقلاني أن يدعو إلى تفكيك ما هو قائم من قوة رادعة قبل أن يُبنى بديلها.
خامساً: نفس البقاء هو على المحك
ثمة بُعد أخير لا يُذكر في الغالب في هذا النقاش، ربما لأنه يُقلِق كل الأطراف بمن فيهم من يظنون أنفسهم في أمان من مآلاته: البقاء. ليس بقاء المقاومة فحسب، بل بقاء لبنان كياناً ذا سيادة فعلية لا صورية.
العدو الذي يتحدّث اليوم عن «لبنان جديد» يعني بذلك، صراحةً أو ضمناً، لبنان منزوع الإرادة، تابعاً في قراراته الأمنية والسياسية، عاجزاً عن تحرير أرضه المحتلة وغير المُجلى عنها بعد، مُستكيناً لانتهاكاته المتواصلة. هذا اللبنان الذي يُروَّج له بوصفه «لبنان الدولة والمؤسسات» هو في الواقع لبنان بلا مناعة ذاتية، ولبنان بلا مناعة ذاتية ليس دولة كاملة بل هو إدارة تحت سقف مفروض.
في هذا السياق، المقاومة ليست خياراً أيديولوجياً يتعلّق بصواب قضية أو بصحة موقف سياسي؛ هي الشرط الذي تُصبِح به السيادة ممكنة، والتفاوض مجدياً، والبقاء الكريم متاحاً. من يتفاوض من موقع قوة قد يحصل على جزء من حقه؛ ومن يتفاوض من موقع عجز يحصل على وثيقة تُوثِّق تنازله.
خاتمة: الضرورة الوجودية
في المحصّلة، المقاومة في لبنان ليست ترفاً أيديولوجياً يتسلّى به أصحابه، ولا عبئاً طارئاً يمكن التخفّف منه حين تتحسّن الأجواء الإقليمية. إنها استجابة عقلانية لمعادلة أمنية راسخة تفترض وجود طرف لا يردعه إلا الثمن. وإزالة ما يُشكِّل هذا الثمن لا تُنتِج السلام؛ تُنتِج انكشافاً يُحيل كل مفاوضة ممكنة إلى إدارة مديدة لشروط الاستسلام.
لبنان يملك من عناصر الصمود ما يكفي لبناء معادلة رادعة حقيقية: الجغرافيا الصديقة، والتصنيع الذاتي الراسخ، والتجربة الميدانية المتراكمة، والشعب الذي لم تنطفئ فيه إرادة التحرر. هذه العناصر لا تنتظر إذناً إقليمياً ولا تستأجر شرعيتها من أحد. وعلى كل من يتحدّث عن مستقبل لبنان أن يجيب عن سؤال بسيط قبل أي شيء آخر: بأي شيء يريده أن يُفاوض؟ وبأي شيء يريده أن يبقى؟
