ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كسر النموذج التفاوضي الإسرائيلي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الجمعة 15 أيار 2026
الخط

لا تبدأ قوة المفاوض من جمال خطابه، ولا من عدالة قضيته وحدها، بل من سؤال حاسم: ماذا يملك إذا فشل التفاوض؟
المفاوض الذي يدخل الطاولة بلا بدائل يدخلها مكشوفاً، مهما امتلك من حجج قانونية أو أخلاقية. أمّا المفاوض الذي يملك أوراق قوة خارج الطاولة، فيدخلها بوصفها مساحة اختبار لا قدراً محتوماً. ومن هذه الزاوية ينبغي فهم النموذج التفاوضي الإسرائيلي: إنه نموذج لا يقوم فقط على المساومة، بل على تحويل حاجة الطرف الآخر إلى اتفاق إلى أداة ابتزاز.

لقد أتقنت إسرائيل، عبر تاريخ طويل من الحروب والتسويات والوساطات، استخدام التفاوض لا بوصفه بديلاً عن القوة، بل امتداداً لها. تدخل التفاوض وهي تملك خيارات متعدّدة: التصعيد العسكري، فرض الوقائع الميدانية، كسب الوقت، استدعاء الغطاء الأميركي، تجزئة الملفات، وإدارة الأزمة بدل حلّها. في المقابل، تريد من الطرف العربي أو الفلسطيني أو اللبناني أن يدخل التفاوض وهو مقتنع بأن فشل الطاولة يعني الكارثة. هنا يصبح التفاوض غير متكافئ منذ البداية، لأن أحد الطرفين يفاوض وفي يده بدائل، بينما يُدفع الطرف الآخر إلى التفاوض كما لو أنه لا يملك إلا القبول أو الانهيار.

لذلك لا يكفي القول إن إسرائيل تماطل أو تراوغ أو لا تلتزم بالاتفاقات. هذا صحيح، لكنه لا يفسّر لماذا تنجح المماطلة. تنجح لأنها لا تكون بلا كلفة على إسرائيل، بل غالباً تكون مُربِحة لها. فالزمن، في النموذج الإسرائيلي، ليس حيادياً. كل يوم إضافي قد يعني تثبيت أمر واقع، أو استنزاف خصم، أو تبدّل ظروف دولية، أو تحويل الاستثناء إلى قاعدة. وحين يكون الطرف المقابل عاجزاً عن فرض كلفة على مرور الوقت، تصبح المفاوضات المفتوحة فخاً لا مساراً للحل.

من هنا يبدأ كسر النموذج التفاوضي الإسرائيلي: لا بالتسرّع إلى الطاولة، ولا بالاستسلام لفكرة التفاوض المباشر، بل ببناء شروط القوة قبل التفاوض. التفاوض المباشر مع إسرائيل، خصوصاً في ظل اختلال القوة، يمنحها فرصة لتحويل اللقاء نفسه إلى اعتراف سياسي ونفسي، وإلى مناسبة لعزل الملف عن مرجعياته القانونية والدولية.

لذلك ينبغي للبنان أن يبتعد عن التفاوض المباشر، وأن يتمسّك بالمسارات غير المباشرة، وبمرجعية الأمم المتحدة، وبالقانون الدولي، وبالقرارات ذات الصلة، لا لأن القانون الدولي وحده يكفي، بل لأنه يمنع إسرائيل من تحويل التفاوض إلى بازار ثنائي تُفرَض فيه موازين القوة العارية.

في الحالة اللبنانية، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية. فلبنان ليس دولة كبرى قادرة على فرض شروطها بوسائل القوة التقليدية، ولا يستطيع أن يفاوض إسرائيل كطرفين متكافئين في الحجم والقدرة والدعم الدولي. لذلك فإن أي تفاوض لبناني لا يستند إلى ثلاثة عناصر يصبح هشاً: المقاومة بوصفها قدرة ردع، ووحدة الموقف الداخلي بوصفها غطاء سياسياً، والقانون الدولي بوصفه مرجعية تمنع تحويل التفاوض إلى صفقة أمنية جزئية. من دون هذه العناصر، يصبح المفاوض اللبناني مجرّد طرف يطلب تخفيف الضغط لا طرفاً يفرض احترام الحقوق.

ليست المقاومة هنا شعاراً تعبوياً ولا بديلاً عن الدولة، بل ضرورة استراتيجية لتقوية موقع المفاوض اللبناني. فالتجربة تثبت أن إسرائيل لا تمنح التنازلات لأنها اقتنعت فجأة بالعدالة، بل لأنها تحسب الكلفة.

والمقاومة، بمعناها الردعي والسياسي، تجعل العدوان مكلفاً، وتمنع إسرائيل من الاعتقاد بأن بإمكانها فرض الشروط بالقوة ثم دعوة لبنان إلى التفاوض على نتائج تلك القوة. حين تكون المقاومة حاضرة كقدرة ردع، لا يدخل المفاوض اللبناني الطاولة أعزل. وحين تغيب هذه القدرة، يصبح التفاوض أقرب إلى إدارة نتائج الضغط الإسرائيلي لا إلى الدفاع عن السيادة.

هذا لا يعني تحويل المقاومة إلى لغة تفاوضية فوضوية أو إلى بديل عن المؤسسات. على العكس، المطلوب هو دمج عناصر القوة ضمن استراتيجية وطنية واضحة: الدولة تفاوض، القانون الدولي يحدّد المرجعية، والمقاومة تمنع تحويل الضعف اللبناني إلى فرصة إسرائيلية. هنا يصبح التوازن ممكناً: لا تفاوض مباشراً يمنح إسرائيل ما تريده من تطبيع سياسي مجاني، ولا حرب مفتوحة بلا أفق سياسي، بل إدارة مركبة للقوة والشرعية والوساطة. فالمشكلة لا تكمن في التفاوض بذاته، بل في التفاوض عندما يصبح تعويضاً عن غياب القوة.

كذلك ينبغي الحذر من تفتيت الملفات. إسرائيل تميل إلى تجزئة القضايا: الحدود وحدها، الأمن وحده، الانسحاب وحده، الأسرى وحدهم، الترتيبات التقنية وحدها. هذا التفتيت يسمح لها بأن تنتزع تنازلاً في ملف، ثم تعيد فتح ملف آخر من موقع أفضل.

في المقابل، يحتاج لبنان إلى منطق الربط: لا أمن من دون سيادة، ولا ترتيبات حدودية من دون احترام القانون الدولي، ولا أي نقاش تقني خارج إطار الحقوق اللبنانية الكاملة. فالملف التقني لا يكون تقنياً حين يتعلّق بالسيادة، والخرائط لا تكون مجرّد خطوط حين تكون خلفها قوة احتلال.
ومن شروط كسر النموذج الإسرائيلي أيضاً رفض التفاوض تحت النار.

حين تفاوض إسرائيل بينما تواصل الضغط العسكري أو التهديد أو الخرق، فهي لا تفاوض فعلاً، بل تستخدم الطاولة كجزء من آلة الضغط. لذلك ينبغي أن تكون القاعدة واضحة: لا يجوز مكافأة التصعيد بمزيد من المرونة. أي مسار تفاوضي يجب أن يرتبط بوقف الخروقات، واحترام السيادة، ووجود ضمانات واضحة، لا بمجرّد وعود أو صيغ غامضة. فالغموض في الاتفاقات لا يعمل لمصلحة الطرف الأضعف. الكلمات الفضفاضة تصبح لاحقاً ثغرات، والثغرات تتحوّل إلى ذرائع، والذرائع إلى خروقات جديدة.

لهذا السبب يجب أن تكون مرجعية القانون الدولي مركزية لا هامشية. القانون الدولي لا يُستخدم فقط لإصدار بيانات الإدانة، بل لتثبيت الإطار الذي يمنع إسرائيل من إعادة تعريف النزاع وفق مصالحها. حين يكون المرجع هو القانون، تصبح المسألة مسألة احتلال وخرق وسيادة وحقوق، لا مجرد «ترتيبات أمنية» بين طرفين متخاصمين. وحين تُحصر القضية في التفاوض الثنائي، تستطيع إسرائيل أن تمحو السياق، وأن تجعل مطالبها الأمنية مساوية لحقوق لبنان السيادية. أمّا التمسك بالمرجعية الدولية فيعيد ترتيب اللغة: الأمن لا يسبق السيادة، والوساطة لا تلغي القانون، والاتفاق لا يصنع الحق بل يجب أن يحترمه.

يبقى أن إدارة الوسطاء مسألة حاسمة. فالوسيط ليس كائناً محايداً فوق السياسة. لكل وسيط مصالحه وضغوطه وحساباته. لذلك على لبنان ألَّا يرتهن لوسيط واحد، وألَّا يتعامل مع الوساطة بوصفها بديلاً عن بناء القوة الذاتية. الوسيط مفيد حين يكون قناة لنقل الشروط وضبط الإيقاع وتثبيت الضمانات، لكنه يصبح خطراً حين يتحوّل إلى صاحب النص وصانع السقف. ومن يذهب إلى الوسيط بلا أوراق قوة يعود غالباً باتفاق يجمّل الضعف بدل أن يعالجه.

إن كسر النموذج التفاوضي الإسرائيلي يتطلّب عقلاً سياسياً لا يخاف من التفاوض، لكنه يرفض عبادته. فالتفاوض ليس فضيلة بحدّ ذاته. قيمته تأتي من الشروط التي تحكمه، ومن ميزان القوة الذي يسبقه، ومن النصوص التي تضبطه، ومن البدائل التي تحمي المفاوض من الابتزاز. أمّا التفاوض المباشر، المفتوح، الغامض، المنفصل عن القانون الدولي، والعارِي من قوة الردع، فهو الطريق الأقصر إلى تحويل الحقوق إلى مطالب قابلة للتخفيض.

الخلاصة أن لبنان لا يستطيع أن يواجه إسرائيل بمنطق النوايا الحسنة. عليه أن يواجهها بمنطق القوة الشرعية: مقاومة تردع، دولة تفاوض، قانون دولي يضبط المرجعية، وموقف وطني يمنع التفتيت والابتزاز. عندها فقط لا يعود فشل التفاوض كارثة لبنانية، بل يصبح أيضاً كلفة إسرائيلية. وعندها فقط ينتقل لبنان من موقع من يطلب اتفاقاً بأي ثمن، إلى موقع من يقول: نريد حلاً، لكننا لا نقبل أن يكون الحل اسماً آخر للتنازل عن السيادة.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك