ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

في خطاب خصوم حزب الله

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
سامر توفيق عجمي
سامر توفيق عجمي
السبت 16 أيار 2026
الخط

يُعدّ لبنان حالة مميّزة في سياقه الإقليمي، لا بسبب تعدّديته الدينية والمذهبية فحسب، بل لأن هذه التعدّدية أُدرجت في بنية النظام السياسي نفسه، بحيث لم تعد الهوية الدينية مجرّد مكوّن اجتماعي، بل أصبحت عنصرًا مؤسِّسًا في تنظيم السلطة، بنحو ينتج ازدواجية تسييس الهوية وهَوْيَنة السياسة؛ ويفضي إلى استدعاء الهوية الدينية عند كل خلاف سياسي، ما يجعل الفصل بين نقد الفاعلين السياسيين أو الإعلاميين، وبين استهداف الجماعات التي يُنظر إليها بوصفها امتدادًا لهم، أمرًا بالغ الصعوبة.

ضمن هذا الإطار، تبرز ملاحظة أساسية تتمثّل في التحوّل التدريجي في طبيعة الخطاب الموجَّه إلى حزب الله. فالنقد، الذي يُفترض أن يبقى ضمن حدود تقييم الأداء السياسي للحزب وخياراته الاستراتيجية، أخذ في بعض السياقات يتوسّع ليطاول مستويات ترتبط بالهوية الدينية للطائفة الشيعية نفسها.

ومن هنا، يصبح التمييز بين الحزب ككيان سياسي والطائفة كهوية دينية–اجتماعية مدخلًا ضروريًّا لأي مقاربة موضوعية تحدّ من تشويش الفهم العام وانزلاق الخطاب إلى الخلط والالتباس. فالحزب السياسي تنظيم نشأ في سياق تاريخي محدّد، يتأثر في نشأته وتطوره وخياراته بعوامل اجتماعية واقتصادية وأمنية مرتبطة بالواقع الوطني والإقليمي. في المقابل، الطائفة الدينية تمثّل بنية حضارية-ثقافية تضم شبكة واسعة من الأدبيات الفلسفية والفقهية والتقاليد الاجتماعية التي تشكّلت عبر مسار تاريخي طويل. ومن ثمّ، يصعب اختزالها في تنظيم سياسي أو مرحلة زمنية محدّدة.

لذا، تبرز ضرورة الحفاظ على هذا التمييز المفاهيمي بوصفه مدخلًا يسمح بنقد الفاعل السياسي من دون التحامل على الهوية الدينية بحدّ ذاتها حتى في الحالات التي قد يتقاطع فيها الاثنان. لأن تجاوز هذا الحدّ ينقل النقاش من المجال السياسي إلى الصراع الديني، بما يحمله من تعميق للانقسامات وتهديد للسلم الأهلي.
الخطاب حول حزب الله يتشكّل ضمن سياق سياسي متعدّد المستويات، يسمح بقدر واسع من النقد المشروع، سواء ارتبط بعلاقته مع الدولة، أو بدوره العسكري، أو بتحالفاته وتدخّلاته الإقليمية. ويندرج هذا النقد، بغضّ النظر عن حدّته، ضمن المجال الطبيعي للعمل السياسي وآليات المُساءلة العامة.

غير أنّ الإشكالية تبدأ حين لا يقتصر الخطاب على نقد السياسات والقرارات، بل ينزلق إلى توظيف بعض مفاهيم الهوية الدينية الشيعية بوصفها أدوات للسخرية والإهانة، كالمتعة والتقية والشعائر الحسينية والمهدوية وولاية الفقيه، رغم أنّها تنتمي إلى الحقل العقدي والفقهي الأوسع للتراث الشيعي، لا إلى البرنامج السياسي للحزب.
وفي بعض مستويات الخطاب المعارض، برزت عبارات ذات طابع إقصائي أشدّ حدّة، وصلت إلى مُساءلة شرعية الوجود الوطني نفسه، عبر دعوات ضمنية أو صريحة لترحيل بعض أبناء الطائفة الشيعية أو سحب الجنسية منهم. كما اتجهت بعض الأصوات إلى توسيع المواجهة نحو البنية العقائدية–الدينية التي يستند إليها حزب الله، بوصفها منظومة غير قابلة للتعايش أو موضوعًا للصراع بحدّ ذاته.

عند هذا المستوى، لا يعود الخطاب مجرّد خلاف سياسي حادّ، بل يتحوّل إلى محاولة لفرض معيار هوياتي من جماعة على أخرى، وممارسة شكل من الوصاية على تعريف هوية جماعة دينية وحدود انتمائها المشروع داخل الكيان الوطني. وهنا يبرز السؤال: من يملك أصلًا حق تحديد شرعية الهوية الوطنية أو الشكل المقبول دينيًّا وسياسيًّا لانتماء جماعة أخرى؟ وعلى أي أساس تمنح جماعة نفسها سلطة تقرير من ينتمي إلى الوطن بصورة مشروعة ومن يُقصى إلى الهامش؟ هنا تزداد خطورة هذا التحوّل في مجتمع مُركّب كلبنان، بما قد ينتج علاقة تفاضلية داخل المجال الوطني، تصبح فيها بعض الجماعات في موقع تقرير شرعية انتماء غيرها بدل الشراكة المتساوية معها.

وتتضاعف حساسية هذا الخطاب حين يتعلق بالطائفة الشيعية، لا باعتبارها مجرّد بيئة سياسية لحزب معيّن، بل بوصفها إحدى الجماعات التأسيسية الكبرى ذات الامتداد التاريخي العميق داخل التكوين الاجتماعي والثقافي والسياسي للبنان، بما يسبق الاصطفافات السياسية المعاصرة. فهي ليست جماعة طارئة على الكيان حتى يُعاد التفاوض على شرعية وجودها الوطني تبعاً للتحوّلات السياسية.
ومن هنا تظهر خطورة نقل الصراع من مستوى السياسة إلى مستوى الهوية؛ لأنّ السياسة مجال متحوّل وقابل للتفاوض، بينما ترتبط الهوية الدينية–الثقافية ببنية وجودية تمسّ إدراك الجماعة لذاتها، ما يجعلها أقل قابلية للمساومة والتفاوض.

وينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بالأثر العكسي، إذ يدفع هذا النوع من الخطابات كثيرًا من الأفراد إلى إعادة التموضع دفاعيًّا داخل انتمائهم الطائفي، حتى من كانوا يختلفون أصلاً مع حزب الله أو يتحفّظون على سياساته. فالفرد قد يقبل النقاش في الخيارات السياسية، لكنه حين يشعر بأنّ طائفته وشرعية انتمائها الوطني أصبحتا موضع استهداف، يتحوّل ردّ فعله من مراجعة سياسية إلى دفاع هوياتي وجودي، بما يؤدّي تدريجيًّا إلى تقلّص المساحات الرمادية داخل الجماعة لمصلحة انقسام أكثر حدّة بين «نحن» و«هم».

لفهم هذه الآلية، يمكن الاستفادة من مفهوم بلاغي يُعاد توظيفه هنا بوصفه أداة تفسير سيكولوجية، وهو «سراية الحكم». ويُقصد به انتقال الحكم داخل الخطاب من عنصر محدّد إلى عنصر آخر عبر المجاورة الرمزية داخل البنية الدلالية الواحدة، كسراية إسناد الغليان من الماء إلى الإبريق في قولنا: الإبريق يغلي، للاتحاد بينهما.

في هذا المستوى، لا يحدث التعميم بوصفه خطأ استنتاجيًّا واعيًا، بل كأثر بنيوي داخل علاقة خطابية مزدوجة بين المُنتِج والمتلقّي. فالمُنتِج قد ينزلق عبر التكرار والمجاورة الرمزية إلى الخلط بين الفاعل السياسي والجماعة الدينية التي يُنسب إليها، بينما يعيد المتلقّي تأويل الخطاب في ضوء هذا الربط، بما يعزّز انتقال الحكم من الفاعل السياسي إلى الهوية الجماعية.
وبذلك تُفهم «سراية الحكم» لا كانتقال منطقي للمعنى، بل كآلية توليد داخل الخطاب نفسه تخلط بين المجاز والحقيقة، وتعيد إنتاج العلاقة بين السياسي والهوياتي بما يؤدّي تدريجيًّا إلى تآكل الفصل بينهما، حتى يصبح الحكم على الفاعل السياسي قابلًا للامتداد إلى الحقل الديني المرتبط به.

تتمثّل إحدى الأزمات الأكثر تعقيدًا في بعض الخطابات في انتقال التعميم من الفاعل السياسي إلى الجماعة الدينية، تحت تبرير أن هذه الجماعة تتحمّل قدرًا من المسؤولية نتيجة تأييدها لسلوكه أو صمتها عنه أو عدم معارضتها له بالشكل الكافي. غير أن هذا المنطق يشوّه حدود المسؤوليّة السياسية، بنقل مركز ثقلها من مستوى الدولة والنظام السياسي إلى مستوى الانتماء الهوياتي، كما يعيد إنتاج التوتر داخل بنية الطائفة نفسها، بما يضعها في حالة استنزاف داخلي مستمر بدل معالجة الفاعل السياسي في مستواه الطبيعي.

هنا، مع أنّ حرية التعبير تُعتبر ركيزة أساسية في المجتمع اللبناني، يطرح سؤال محوريّ حول حدودها حين يمتد النقد من الفاعل السياسي إلى استهداف الهويات الدينية أو الجماعية بما يعمّق الانقسام أو يقترب من خطاب الكراهية. ولا يُقاس التمييز بين النقد وتغذية الانقسام بالنوايا فقط، بل بالأثر الذي يحدثه في السياق الاجتماعي. لذلك لا يعني ضبط هذا التمييز تقييد حرية التعبير، بل تنظيمها، خصوصاً في المجتمعات ذات الحساسية الطائفية العالية، حيث ترتبط مسؤولية الخطاب لا بما يقال فحسب بل بكيفية تلقّيه وتأويله في الفضاء العام.

وعليه، فإن أي مقاربة بديلة لا تهدف إلى إلغاء التعدّد أو تقليص حرية التعبير، بل إلى إعادة تنظيم العلاقة بين مستويي السياسة والهوية، والفصل المفاهيمي بين الفاعل السياسي والجماعة الدينية–الاجتماعية، وتعزيز منطق المواطنة بوصفه إطارًا جامعًا فوق–هوياتي، إلى جانب توجيه الخطاب نحو البرامج والسياسات بدل الرموز والهويات.
وفي المحصّلة، لا يمكن إدارة التعدّد في المجتمعات المركّبة عبر إلغاء الاختلاف أو فرض التجانس، بل عبر التعامل مع الاختلاف كمجال للنقاش العقلاني بدل أن يتحوّل إلى صراع هوياتي مفتوح.

وعلى هذا الأساس، حين يُنتقل من نقد السياسات إلى مُساءلة العقائد، ومن محاسبة الفاعل السياسي إلى التشكيك في شرعية الانتماء الوطني للجماعة، يصبح ما هو على المحك ليس مجرّد تقييم تجربة سياسية، بل إمكان التعايش بوصفه علاقة اعتراف متبادل بين جماعات مختلفة داخل كيان واحد. هنا، يتجاوز السؤال البعد السياسي إلى مستوى أعمق، وهو كيف يمكن لمجتمع متعدّد أن يحافظ على وحدته دون أن يحتكر أحد مكوّناته حق رسم حدود شرعية الآخرين عقائديًّا ووطنيًّا.

* كاتب وأكاديمي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك