ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

هوية المكان بين التدمير والتجريف وإعادة الإعمار

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
فاطمة بري
فاطمة بري
السبت 16 أيار 2026
(مروان بو حيدر)
(مروان بو حيدر)
الخط

المكان كجزء من الهوية الشخصية والجماعية

لا يأتي الألم الناجم عن فقدان المكان ومعالمه من اللَّاشيء، بل هو إحساس عارم بالخسارة والفقد وصعوبة التكيّف مع الواقع الجديد/البديل، ذلك أن المكان هوية بحدّ ذاتها، تنصهر مع هوية أبنائه فيصبح ساكن البيت جزءاً منها كما يصبح أبناء البلدة عناصر مكوّناتها، فينتج من ذلك تشكيل متبادل بين المكان والفرد والجماعة، يمكن تلخيصه في العبارة التالية: الفرد والجماعة نتاج المكان والمكان نتاج الفرد والجماعة.

تُعرَّف هوية المكان بأنّها: ارتباط عاطفي وتماهٍ نفسي ينشأ بين الفرد وبيئته المادية، ما يشكّل جزءاً أساسياً من هويته الشخصية والاجتماعية وشعوره بالانتماء. يتأثّر هذا الارتباط بالإقامة والذاكرة، ويشمل عناصر مادية ملموسة مثل المنازل والحدائق والشجر والطرقات والمتاجر والأبنية، كما يشتمل على عناصر معنوية محسوسة مثل: الثقافة والحضارة والتاريخ والذكريات والمشاعر والروائح التي تميّز أيّ مكان يسهم في تكوين الذات والانتماء والذاكرة الفردية والجماعية.
وتعني الهوية المكانية كل الأفكار المرتبطة بالمكان وهويته، على مستوى التاريخ والجغرافيا والبناء والعمران والتضاريس الطبيعية وعلم النفس البيئي والاجتماع العمراني، وأهمية كل مكان بالنسبة إلى القاطنين فيه.

مثال على ذلك: لا يستطيع أبناء بنت جبيل استحضار علاقتهم بالمدينة إلا من خلال حاراتها وشوارعها وبيوتها وسوق الخميس فيها ومدرستها وملعب الكرة، وهي مساحات موجودة في كل بلدة، تضاف إليها ذكريات بعض الناس والأشخاص والشهداء والمرويّات الخاصة بتاريخ المدينة، حيث يختصّ كل مكان بمعانيه الرمزية التي تهمّ أهله وأبناءه فقط.

المثال نفسه يسري على أبناء كفركلا وعيتا الشعب ويارون وبليدا والعديسة وجبشيت، وكل مكان آخر، بحيث إننا لو طلبنا من أهل بلدة عيتا الشعب مثلاً استبدالها بالناقورة، لما رضي الطرفان بشكل قاطع، حتى لو اشتمل الأمر على عروض مغرية، فهو يبقى مستحيلاً في عرف الكثيرين.

يُبنى سوق اللحم بشكل رمزي في كل بلدة، وهو متشابه على مستوى الشكل الخارجي، لكن أهل كل بلدة يقسمون أن رائحة اللحم والشواء والفراكة في بلدتهم لا يوجد لها مثيل! وهذا إحساس نفسي قبل أي اعتبار آخر، وهذا جزء مهم من المشاعر النفسية التي تمنحها الهوية المكانية، بحيث تتجاوز الحقائق العقلية إلى المشاعر الحسّية مثل الطَّعم والنكهة والرائحة والملمس، وهنا جوهر الانتماء وعمقه الذي يصل إلى حدّ الخيال.

هوية المكان هي التي تجعل شخصاً من جنوب لبنان، يعيش في الاغتراب منذ سبعين سنة، ويملك ثروات مادية هائلة، يوصي عائلته بحتمية دفنه في مقبرة الضيعة، تحت الشجرات، حيث تتجمّع النسوة كل عصر لقراءة الفاتحة والدعاء. وهذه عيّنة بسيطة جداً وقليلة من دلائل الارتباط بالمكان الجغرافي «الجنوبي» بالتحديد.

أجريتُ مقابلة منذ عدة سنوات مع أديب لبناني جنوبي في الثمانين من عمره، يعيش في أميركا منذ أكثر من خمسين عاماً، ويحاول العودة كل صيف إلى بلدته، كان موضوع الحوار هو التعلّق بالأرض والحنين إليها، فقال إن أخاه الذي يكبره ولا يستطيع العودة لزيارة القرية في كل عام، يتصل به عبر الهاتف كل ليلة، تقريباً بعد منتصف الليل وقبيل الفجر بحيث يوقظه ليسأله: أخي، هل ما زال صوت «الواوي» يُسمع كل ليلة في هذا الوقت؟ أخبرني بصدق، هل يوجد الكثير من «الواوية» حول البيت؟ أم هي انقرضت؟

يشكّل المكان اللغة والصورة والخيال والرموز في قلب أبنائه، ويمنحهم هوية فكرية خاصة بسبب الارتباط بمعالمه الخاصة التي قد تكون نهراً أو وادياً أو سوقاً شعبياً أو مقاماً دينياً أو مشاتل للزرع أو أمكنة للرعي والقطعان، أو مدرسة ومعملاً وحوزة وملاعب، أو جبّانة للشهداء تسرد حكايات الراحلين، فيتحوّل برموزه إلى لقاء مع الذاكرة واللغة والطقوس. فلكل إنسان ذاكرة شخصية تربطه بالمكان الذي ينتمي إليه، وكذلك حال الجماعة التي تتحوّل إلى مالكة للذاكرة الجماعية التي تختزل تاريخ المكان وتجاربه وحكاياته وأفراحه ومآسيه، بحيث يمنح المكان خصوصية تميّز سكانه وأهله عن غيرهم.

الأثر المعنوي والنفسي لتدمير البيوت والبلدات

لا يوجد ألم نفسي يُضاهي أو يماثل الشعور بالفقد والخسارة والضياع عند رؤية ما آلت إليه أحوال البلدات الحدودية، إذ يرى الإنسان نفسه وهو يواجه مشهد الإبادة العمرانية لكل مقوّمات الحياة أمام تساؤلات فلسفية كبيرة، ما العدم وما الفناء؟ ما لم يكونا ذلك الدمار الذي يستغرق لحظات ليُنهي معالم استغرق بناؤها سنوات كاملة وأعماراً طويلة؟ وسواء كان المرء مع المقاومة أو ضدها، ومهما كان انتماؤه وولاؤه السياسيان ومقدار تفكيره، فإن حجم الدمار الذي غيّب المكان بشكل دائم، يستدعي الكثير من المشاعر والأفكار.

في محاولةٍ لحصر المشاعر والانفعالات النفسية يمكن عدّ الانفعالات التالية: بين محاولة التمسّك بالواقع وعدم التصديق لهذا الواقع الفظيع يقع الإنسان في العجز عن التفكير التلقائي/ عدم التقبّل/ تشوّش ذهني حادّ/غضب مكبوت/ تفكير بمدى قدرة العدو على الأذى (استراتيجية تدفيع الثمن الباهظ جداً)/ التفكير بجدوى الحياة وتفاهتها/ الشعور بالخسارة الموجعة/ خلط الأفكار العقلانية مع غير العقلانية أو تناقضها، مثل سأعود وأبنيها من جديد أو سأهجرها وأرحل للأبد/...

إعادة البناء شبيهة بدور العلاج النفسي، لأنها تساعد في استعادة الشعور بالانتماء من خلال عودة الإنسان إلى حيّه ومعالمه المألوفة، ويشعر أن جزءاً من ماضيه لم يُمحَ، بل لا يزال موجوداً

كلّما كان البنيان المعرفي والإدراكي لدى الإنسان عميقاً وثابتاً أمكنه التقبّل ثم التكيّف، فالإنسان صاحب العقيدة الإيمانية والدينية يداوي مشاعره بالتسليم المطلق للإرادة الإلهية التي شاءت وقدّرت ثم قضت بما حصل. والشخص غير المتديّن مثلاً ولكنه محبّ للتحدّي، يتفاعل بامتلاك الإصرار والعزيمة على إعادة ما خسره. أمّا الأشخاص من ذوي الهشاشة الفكرية، فهؤلاء عرضة للضرر النفسي الأكبر لأنهم يتفاعلون مع الوقائع انطلاقاً من زوايا ضيّقة.

ولا بد من الإشارة إلى مسألة أخرى يجب التفكير بها، وهي أن حجم التدمير الإسرائيلي (الخيالي) يعكس ما تعنيه هذه البلدات للعدو، وما تسبّب له من ألم وإزعاج وتحدّيات، بالمقارنة مع وضع الإسرائيليين المحتلّين للشمال الفلسطيني، الذين لا يتجرّؤون على التقدم ناحية الخط الفاصل مع لبنان. ففي الوقت الذي اعتاد فيه اللبنانيون منذ التحرير عامَ 2000 على الجلوس والعيش والبقاء بملاصقة الحدود، لا يتجرّأ الصهاينة على الاقتراب من مسافة كيلومتر تقريباً. لذلك، فإن هذه القرى والبلدات المعمورة بما كانت تحويه من صور الحياة والإعمار والإنفاق والعمل، أرّقت حياة الإسرائيليين طيلة ربع قرن، وعزّزت في داخلهم الشعور بالخوف والجبن.
لقد شيّد المواطن الجنوبي منزله وحدائقه على بعد أمتار قليلة من الحدود، بل هناك مَن بنى الشرفة وحبال الغسيل فوق أرض فلسطين مباشرة، لذلك، على قدر الخوف والجبن الإسرائيليَّيْن جاء الرد.

قرّرت إسرائيل اقتلاع كل أسس الحياة من هذه القرى بحثاً عن طمأنينة وأمان مرجوَّيْن في الوعي واللاوعي الإسرائيليَّيْن، ولم يكن هناك سبيل لإبعاد الخوف والقلق سوى التدمير الكامل لهذا العمران البشري والحضاري الذي حطّم جزءاً من الشخصية الإسرائيلية. هذا هو المقلب الآخر من الواقع الذي يتطلّب من الجميع اهتماماً ومعرفة، ولذلك تصبح إعادة الإعمار والعودة هدفاً أساسياً وأولوية بالنسبة إلى السكان.

البُعد النفسي والاجتماعي في إعادة الإعمار

إعادة البناء شبيهة بدور العلاج النفسي، لأنها تساعد في استعادة الشعور بالانتماء من خلال عودة الإنسان إلى حيّه ومعالمه المألوفة، ويشعر أن جزءاً من ماضيه لم يُمحَ، بل لا يزال موجوداً. تساعد إعادة المكان أيضاً، في إعادة بناء الإحساس بالزمن، لأن الدمار يجمّد الزمن (أو ينهيه)، لكن ترميم المكان الذي يحمل ذكريات، يعيد تفعيل الزمن الداخلي للناس، وكأنّ إعادة البناء تقول لهم: الحياة مستمرة وستستمر، مهما حصل.

إعادة الإعمار ليست حدثاً معمارياً فقط، بل هي عملية اجتماعية، ثقافية، نفسية جماعية، تقوم بكسر حالة التيه والضياع التي حصلت بفعل النزوح القسري، فالعودة إلى أماكن الذاكرة (حتى بصورتها المتغيّرة) بمثابة استرجاع للهوية الضائعة، وتقوم بمهمة ترميم النفس المُشظّاة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الذكريات القديمة الجميلة والغالية والذكريات المستجدّة والطارئة بكل سلبياتها.

ما تنبغي مراعاته في عملية إعادة الإعمار

1. إشراك المجتمع المحلي لكل قرية أو مدينة في تحديد أولويات إعادة الإعمار، من خلال اللقاء أو الاستبيان.
2. وضع خطة طويلة المدى لإعادة الإعمار، وخطة قصيرة المدى لإنجاز العودة.
3. إقامة لجنة خاصة بكل بلدة، لأرشفة المكوّنات البشرية والعمرانية والزراعية والتراثية والتاريخية والدينية وغيرها.
4. إقامة لجنة قانونية في كل بلدة أو مدينة لإحصاء الأضرار وأرشفة وقائع العدوان من خلال الصور والفيديوات وتصريحات العدو وقياداته وكل ما يتعلق بيوميات المواجهة والتدمير.
5. مطالبة كل أبناء البلدة المقيمين والمغتربين بتجميع كل الصور والأفلام وداتا المعلومات مهما كانت قيمتها، بهدف إنشاء بنك معلومات وتوثيق تاريخي للمكان.
6. عدم تهميش المخطّطات القديمة للحارات الضيقة والأفنية الداخلية، بهدف تعزيز الإحساس بالانتماء.
7. المحافظة على ما يمكن الإبقاء عليه من آثار التدمير كجزء من سردية الذاكرة وأدلّة التوثيق لمنع تزييف ما جرى وتحويل بعض الدمار إلى متاحف للذاكرة، أو إبقاء آثار الدمار كشهادات بصرية شاهدة تقاوم النسيان.
8. إعادة تسمية الأماكن أو الشوارع بتواريخ معيّنة أو أسماء الشهداء لحفظ الحكاية.
9. بناء نقوش وجداريات حجرية تقدّم كل رموز الأحداث والمعالم التاريخية التي حصلت كالمواجهات والصمود والاستهدافات.
10. إعادة تفعيل الفضاءات العامة للتفاعل المجتمعي عبر إحياء الساحات والفراغات بين الأبنية كمراكز حياة وتجمّع ولقاءات للناس وليس كمساحات معمارية فقط.
11. إدخال أنشطة ثقافية وفنية بشكل دائم لتعزيز استعادة الحياة، (عروض/معارض/سهرات/فعّاليات وسرد حكايات).

* كاتبة
Package Items - 1


الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك