بين التحرير والتغيير الداخلي [1]: السلطة التي لم تفهم مقاومتها والمقاومة التي لم تشرح موقفها

لم تكن علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية (السلطة والحكم) علاقة عداء أصلي، كما يحبّ خصومه أن يختصروها، ولا كانت علاقة ذوبان كامل في مؤسساتها، كما يتمنّى بعض أنصاره أن يصوّروها.
هي علاقة أكثر تعقيداً من الشعارين معاً: علاقة حركة تحرّر نشأت في زمن انهيار الدولة، ثم وجدت نفسها، بعد كل محطة تاريخية، مضطرة إلى إعادة تعريف موقعها من دولة لا تكتمل، وسلطة لا تستقر، ونظام سياسي لا يتصرّف غالباً كدولة وطنية جامعة بل كساحة تقاسم بين قوى داخلية وخارجية. لذلك تبدو المقولة الشائعة إنّ «حزب الله ضد الدولة»، مقولة فقيرة، لا لأنها بريئة سياسياً، بل لأنها تمحو تاريخاً طويلاً من التفاعل، والتوتر، والتنسيق، والتكيّف، وسوء الفهم المتبادل.
في المرحلة التأسيسية، لم تظهر المقاومة بوصفها مشروعاً مضاداً للدولة، بل بوصفها استجابة لفراغ الدولة. الجنوب كان محتلاً، والسلطة المركزية مُمزّقة، والحرب الأهلية جعلت مفهوم الدولة نفسه مفهوماً معطوباً. لم تكن الدولة في تلك اللحظة طرفاً مكتمل السيادة حتى يُقال إن المقاومة خرجت عليها. كانت الدولة غائبة عن وظيفة أساسية من وظائفها: حماية الأرض والناس. هنا نشأت المقاومة كحركة تحرير لا كحزب سلطة. وهذا التمييز أساسي. فالحزب الذي يولد داخل مؤسسات الدولة يعرّف نفسه بمنطق المشاركة في الحكم، أمّا حركة التحرير فتعرّف نفسها أولًا بمنطق إزالة الاحتلال. لذلك لم يكن استقلال المقاومة عن الدولة في بداياتها تعبيراً عن رفض الدولة، بل عن أن الدولة لم تكن قادرة على أداء المهمة التي نشأت المقاومة من أجلها.
اتفاق الطائف نفسه، على الرغم من نصّه على حلّ الميليشيات وتسليم السلاح إلى الدولة، نشأ في سياق يعترف ضمنياً بخصوصية الجنوب والاحتلال. فالمعضلة لم تكن قانونية فقط، للتحوّل إلى سؤال كيدي: هل يوجد سلاح خارج الدولة؟
المعضلة هنا، سياسية ووطنية، لأن السؤال يصبح عمّا تفعله دولة خارجة من حرب أهلية طويلة أمام احتلال قائم، وماذا بمقدور جيش لم يستعد كامل قدرته، ونظام إقليمي وصايةً وتدخلاً؟
نصّ الطائف على حلّ الميليشيات ضمن مشروع إعادة بناء الدولة، لكن واقع الاحتلال أبقى سؤال المقاومة مفتوحاً، بل جعله جزءاً من معادلة لبنانية وإقليمية أوسع. وتشير الصياغات المتداولة في وثيقة الطائف إلى تسليم أسلحة الميليشيات إلى الدولة خلال ستة أشهر بعد إقرار الوفاق الوطني وتشكيل حكومة وفاق وتنفيذ الإصلاحات الدستورية، أي إن المسألة كانت مرتبطة أيضاً بإعادة بناء الدولة لا بمجرّد إجراء أمني منعزل.
منذ اليوم الأول، لم تَبْنِ المقاومة شرعيتها من الحرب الأهلية ما خلا صراعاً قام مع حركة «أمل»، وكانت له ظروفه التي يمكن أن تشرح ذلك. لكنّ المقاومة خرجت سريعاً من تلك الدوائر، واعتمدت بعد إقرار الطائف، استراتيجية تقوم على أولوية المقاومة ضد الاحتلال. فلم تسعَ إلى وراثة الدولة، ولا إلى احتلال مركز القرار الداخلي، بل إلى حماية هامش استقلالها في مواجهة الاحتلال.
هذه الاستراتيجية قامت على علاقة مركّبة بين المقاومة وسوريا، باعتبارها الوصيّ الأكبر على لبنان في تلك المرحلة. بنى حزب الله علاقة خاصة بسوريا، لم تشبه علاقات القوى اللبنانية الأخرى.
كثيرون دخلوا إلى العلاقة السورية من باب السلطة، أو الحماية، أو التمثيل الطائفي، أو الحصة في الدولة. أمّا المقاومة فدخلت من باب وظيفة تحريرية محدّدة: حماية خطوط الإمداد السياسي والعسكري، وتثبيت موقعها في مواجهة إسرائيل. لذلك حافظت على مسافة داخل العلاقة نفسها؛ احتاجت إلى سوريا، لكنها لم ترد أن تتحوّل إلى مجرّد جهاز من أجهزة إدارتها اللبنانية. وهذه الاستقلالية سبّبت احتكاكات فعلية مع الفريق السوري الذي كان يدير ملفات لبنان، لأن منطق الوصاية يريد قوى قابلة للضبط، بينما منطق المقاومة يريد هامش قرار خاصاً به.
في محطتي 1993 و1996، برز أن المقاومة لم تكن خارج منطق الدولة كما يُقال. وفي المحطتين، لم يتصرّف حزب الله كجماعة منفصلة عن لبنان، بل كقوة مقاومة تتفاعل مع الحكومة اللبنانية ومع المعادلة السورية القائمة يومها. فكان تفاهم نيسان 1996، واحدة من ذروات العلاقة، إذ لم يكن مجرّد تفاهم ميداني بين إسرائيل والمقاومة؛ بل هو صيغة أُقرّت عبر قنوات دولية وإقليمية شملت لبنان وسوريا وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا، وأنشئت لجنة مراقبة تضمّ ممثّلين عن هذه الأطراف. هذا يعني أن المقاومة، وهي تقاتل، كانت تنتج في الوقت نفسه صيغة سياسية تعترف بدور الدولة وتستفيد منه، وتحوّل صمودها الميداني إلى مكسب تفاوضي لبناني.
الأمر نفسه تكرّر سنة 2000 عند التحرير ورسم الخط الأزرق الذي تحوّل إلى خط انسحاب حدّدته الأمم المتحدة للتحقّق من انسحاب إسرائيل من لبنان. وتولّت الأمم المتحدة، العمل التقني على الأرض، وأُبلِغ لبنان وكيان الاحتلال بالخط، مع تأكيد أنه ليس حدوداً دولية نهائية. في تلك اللحظة، لم يكن ممكناً فصل إنجاز المقاومة عن الدولة اللبنانية. المقاومة صنعت الوقائع التي فرضت الانسحاب، لكنّ الدولة كانت الجهة التي تتلقّى الاعتراف الدولي وتدير الاعتراضات والخرائط والتحفّظات. هكذا ظهر التكامل الممكن: مقاومة تفرض ميزان قوة، ودولة تحوّل هذا الميزان إلى موقع قانوني ودبلوماسي.
بعد التحرير، ارتفع مستوى التنسيق بين المقاومة ورفيق الحريري، الذي كان يُقدّم على أنه أبرز خصوم المقاومة داخل الدولة. وهذه محطة لا تُقرأ بما يكفي. فقد كان الحريري يمثّل مشروعاً اقتصادياً وسياسياً شديد الاختلاف عن حزب الله: انفتاح مالي، علاقات دولية واسعة، إعادة إعمار بيروت بمنطق النيوليبرالية، وارتباط وثيق بالمحاور العربية والغربية. ومع ذلك، قامت تسوية بين الطرفين على أساس عدم تدخّل المقاومة في قلب مشروع السلطة الاقتصادية والإدارية، مقابل امتناع الحريري عن خوض معركة كسر المقاومة. كان هناك تفاهم غير مكتوب على إدارة التناقض بدل تفجيره. ووصل الأمر إلى حدّ إبرام اتفاق بين الحريري والسيد حسن نصرالله على التعاون السياسي بدءاً من الانتخابات النيابية.
أدّى اغتيال الحريري سنة 2005 إلى نقل المقاومة إلى قلب الصراع الداخلي. خروج سوريا أسقط مظلة التوازن السابقة، وفتح لبنان على انقسام حادّ بين مشروعين. هنا وُضع حزب الله أمام مأزق جديد: كيف يحافظ على مقاومته في لحظة يتحوّل فيها سلاحه إلى عنوان للصراع الداخلي؟ وكيف يمنع خصومه من تحويل الدولة إلى أداة ضغط عليه، من دون أن يظهر هو كقوة فوق الدولة؟
في هذه المرحلة، ظلّ الحزب شديد الحذر في الانخراط الكامل في مشروع تغيير داخلي. أخذ عليه بعض حلفائه أنه لا يريد إصلاح النظام بعمق، ولا يريد إسقاط البنية الطائفية، ولا يريد خوض معركة الدولة المدنية أو العدالة الاجتماعية كما يخوض معركة المقاومة. لكنّ هذا النقد يكشف شيئاً مهماً: المشكلة لم تكن أن المقاومة تريد ابتلاع الدولة، بل ربّما أنها لم ترغب بما يكفي في دخول الدولة من باب إصلاحي شامل، كونها فضّلت، مجدّداً أولوية المقاومة على أولوية السلطة.
جاءت الحرب السورية، فازدادت العلاقة بالدولة اللبنانية التباساً. دخل الحزب الحرب السورية من باب حماية ظهر المقاومة ومنع تحوّل سوريا إلى ساحة معادية، لكنه دفع ثمناً داخلياً كبيراً، حيث ازداد الانقسام حوله، واتّسعت الفجوة بين من يراه حامياً للبنان من تمدّد التنظيمات المسلّحة، ومن يراه متورّطاً في حرب إقليمية تتجاوز الدولة. غير أنّ هذه المرحلة أيضاً لا تُثبِت أن الحزب ضد الدولة.
إنها تُثبِت أن الحزب كان يعتبر أن الدولة اللبنانية أعجز من أن تحمي شروط بقائه الاستراتيجي، فتصرّف من خارجها دفاعاً عن معادلة يراها شرطاً لبقاء البلد نفسه. هنا بالضبط تظهر المعضلة: المقاومة لا تلغي الدولة نظرياً، لكنها عندما لا تثق بقدرتها، تتصرّف كأنها مضطرة إلى تعويض عجزها.
انتخاب ميشال عون ثم تشكيل الحكومات أعطيا الحزب حضوراً واسعاً داخل المعادلة الرسمية، لكنه كان حضوراً ملتبساً، إذ كان قوياً في السياسة، محدوداً في الإدارة؛ قادراً على منع قرارات كبرى ضده، لكنه لم يكن قادراً أو راغباً في بناء دولة بديلة؛ كان حاضراً في التحالفات، لكنه كان غائباً نسبياً عن ملفات الاقتصاد والرقابة والإصلاح والبنية الإدارية. لذلك حين انفجر حراك 17 تشرين، بدا الحزب في موقع دفاعي. لم يستطع أن يتماهى مع الغضب الاجتماعي لأنه خشي توظيفه ضده، ولم يستطع أن يعاديه بالكامل لأنه يعرف أن كثيراً من أسبابه حقيقية. وقف في منطقة وسطى مُحرِجة: ضد الفوضى والتدخّل الخارجي، لكنه غير قادر على تقديم مشروع داخلي يُقنِع الناس بأن حماية المقاومة لا تعني حماية النظام كما هو.
بعد الحرب الإسرائيلية في خريف عام 2024، ظهر بوضوح أن المقاومة لم تكن ممسكة فعلياً بالدولة كما يقال. لو كانت ممسكة بها، لما ظهر هذا القدر من الارتباك المؤسساتي، ولا هذا القدر من العجز في الإغاثة، والتخطيط، والتفاوض، وإدارة الخسائر، وحماية المجتمع. أمّا تهمة «فائض القوة» فتحتاج هنا إلى تفكيك.
لقد امتلك الحزب فائض قوة عسكرية وأمنية وسياسية استخدمه غالباً لمنع التآمر عليه أو كسر معادلته، لكنه لم يحوّله إلى فائض دولة. لم يبنِ إدارة عامة فعّالة، ولا اقتصاد مقاومة وطنياً عابراً لجمهوره، ولا مؤسسات قادرة على الصمود الاجتماعي الشامل. لذلك يمكن القول إن المشكلة ليست أن الحزب كان ضد الدولة، بل إنه لم يأخذ الدولة بما يكفي على محمل الجدّ. حماها حين كانت تفيده كغطاء وطني، وخشيها حين بدت أداة بيد خصومه، لكنه لم يجعل بناءها جزءاً عضوياً من مشروع المقاومة.
وهنا نصل إلى الخلاصة الأولى: حزب الله ليس ضد الدولة بمعنى العداء المبدئي لفكرة الدولة، لكنه لم ينجح دائماً في صياغة نظرية متماسكة لعلاقة المقاومة بالدولة. هو ضد الدولة حين تتحوّل إلى أداة نزع قوة لبنان لمصلحة الخارج، لكنه يحتاج إلى الدولة حين تكون إطاراً للسيادة والقانون والشرعية الدولية والحماية الاجتماعية.
هو لا يريد دولة تنافس المقاومة، ولا يريد مقاومة تلغي الدولة. غير أن هذه المعادلة بقيت غالباً محكومة بالضرورة لا بالنظرية، وبإدارة الأزمات لا ببناء المؤسسات. لذلك فإن النقاش المقبل لا يجب أن يبدأ من سؤال: هل المقاومة ضد الدولة؟ بل من سؤال أدقّ: كيف تصير الدولة جزءاً من عقل المقاومة، لا مجرّد ساحة يجب الحذر منها أو غطاء يجب استخدامه عند الحاجة؟ هذا هو السؤال الذي سيحكم المرحلة الآتية.
* غداً: كيف يستعدّ حزب الله للمرحلة المقبلة؟
