ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بين أيّار وأيّار

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد مواس
محمد مواس
الإثنين 18 أيار 2026
الخط

"هذه الأمة على موعد مع الدم، دمٌ يلوّن الأرض، دمٌ يلوّن الأفق، دمٌ يلوّن التاريخ، دمٌ يلوّن الدم. ونهر الدم لا يتوقف، دفاعاً عن العقيدة والأرض والأفق والتاريخ. دفاعاً عن الحق والعدل والحرية والكرامة" ـــــــ الشهيد فتحي الشقاقي

بين أيار وأيار، تمتد حبال المشنقة في ساحة البرج، وتنطلق الرصاصات في المالكية، وتتساقط الطائرات المسيّرة على طريق القدس. ليس الموت هو ما يجمع هذه المحطات، بل الإصرار على الحياة. في كل مرة حاول فيها أحدهم طمس لبنان، وجد أن ترابه يلفظ الأكفان لتنمو أشجار جديدة. من عكار شمالاً إلى جبل عامل جنوباً، بقي دم واحد يجري في العروق، وقصة واحدة ترويها الأمهات لأبنائهن: لبنان لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُحتَل.

6 أيار 1916... ساحة البرج تشهد

في صبيحة 6 أيار، خرج أهالي بيروت إلى ساحة البرج ليجدوا مشانق نُصبت في العراء. جمال باشا أراد أن يقطع صوت العرب الذين طالبوا بالحرية، فاختار الإعدام رداً على كلماتهم.
وقف بترو باولي، وعبد الكريم الخليل، والشيخ أحمد طبّارة، وعمر حمد، ومحمد محمصاني، والأب يوسف حايك، وغيرهم، وهم يعرفون أنهم لن يعودوا إلى بيوتهم. لم يطلبوا شيئاً سوى الخبز والكرامة وحق تقرير المصير.
لا يزال التمثال البرونزي في ساحة الشهداء شاهداً على تلك اللحظة. يحمل ندوب الرصاص من الحرب الأهلية، كما يحمل لبنان ندوب تاريخه. كل يوم، يمر الناس بجانبه، بعضهم يتذكر، والبعض الآخر في عجلة من أمره. لكن الشهداء لا يغضبون. هم يعرفون أن الأرض التي رَوَوْها بدمائهم لن تُنسى.

مقاومة الفرنسيين... رجال لم يركعوا

"إما عِزّة لا تُقصم أو ذِلّة لا ترحم.. إما حياة حُرّة أو هوان تُهدر في حمأته إنسانية الإنسان.. إما استقلال من دون وصاية، أو استعباد نكون معه كالأيتام على مأدبة اللئام.." ــــــ السيد عبد الحسين شرف الدين، مؤتمر وادي الحجير، 1920
بعد رحيل العثماني، جاء الفرنسي يحمل وعود الحماية، لكنه فرض وصاية كانت أثقل من الاحتلال. في جبل عامل، وقف السيد عبد الحسين شرف الدين في مؤتمر وادي الحجير (24 نيسان 1920) وقال كلمة لم تكن مجرد شعار: "لا وصاية ولا انتداب". لم يكن يملك جيشاً، بل كان يملك ثقة الناس وإيمانهم بأن الاستعمار مهما طال سينتهي.

إلى جانبه، كان صادق حمزة الفاعور يُنظّم الرجال، ويُعدّ الكمائن، ويدفع ضريبة جرأته ثمناً باهظاً. الفرنسيون وضعوا اسمه على لائحة المطلوبين، وأبناء جبل عامل وضعوا اسمه في قائمة الأبطال.
أما أدهم خنجر، فاختار طريقاً مختلفاً. خطط لاغتيال الجنرال غورو، فشلت العملية، لكنه أيقظ في جبل الدروز روح التمرد. اعتُقل في القريا، وأُعدم في أيار 1923. لم يحقق حلمه بطرد الفرنسيين، لكنه أثبت أن مقاومة المحتل ممكنة حتى لو كانت النتيجة الموت.

مقاتلون بأسلحة صدئة

"نرفض الهزيمة ونتمسك بالكفاح، مهما كان شاقاً وطويلاً، ونُصِرّ على أن ما أُخِذَ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة" ــــــ الشهيد القائد معروف سعد
عندما أُعلن قيام "إسرائيل" عام 1948، لم ينتظر اللبنانيون أوامر أحد. في معركة المالكية، وقف النقيب محمد زغيب مع مجموعة من الجيش اللبناني حديث التأسيس لمواجهة اللواء اليهودي "يفتاح". استشهد هناك، وفي طرابلس وُلدت ابنته يومها. لم يرَها أبداً، لكنها كبرت تعرف أن والدها لم يمت جباناً.

إلى جانبه، قاتل علي فرج، وكان قد تجاوز الخامسة والسبعين. ببندقية قديمة، أوقف سبعة من الصهاينة، كما يروي معروف سعد الذي كان يُدرّب الفدائيين ويُهرّب المتفجرات قبل أن يُعلن قيام "إسرائيل" نفسها.
في آذار 1949، تأسست "كتائب الفداء العربي"، أغلب أعضائها طلاب في الجامعة الأمريكية ببيروت. جورج حبش كان واحداً منهم. ضمت "الكتائب الفداء" لبنانيين وفلسطينيين وسوريين ومصريين. لم تدم طويلاً، لكنها أثبتت أن فلسطين قضية الجميع.

دماء على درب التحرير

"وكثيراً ما كنت أنزل إلى الشارع وأطلب منهم أن يسمحوا لي بحمل السلاح ولو لدقيقة، كان أملي أن أحمل السلاح مثلهم، أن أصبح ثائراً" ـــــــ مذكرات الشهيد أمين سعد (الأخضر العربي)
في 1968، كان عز الدين خليل الجمل في السابعة عشرة فقط. ترك بيروت سراً، وذهب إلى أغوار الأردن ليقاتل. استشهد على تلة الأربعين. شيَّعته بيروت بجنازة ضمت مئة ألف شخص، بينهم كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده. غسان التويني كتب في "النهار": "من زمان لم يمت منا شهيد... شهيد حقيقي".

بعده بعام، استشهد أمين موسى سعد "الأخضر العربي" في العرقوب. كان مولوداً في حيفا، ولم ينسَ فلسطين لحظة. كتب في مذكراته: "سألت أبي: متى سنرجع؟ قال كلمة واحدة: سنعود... واستقرت هذه الكلمة في قلبي".
وفي 1975، وبينما الحرب الأهلية تشتعل، كان عبد الأمير حلاوي "أبو علي" يقاتل الصهاينة في كفركلا. قبله ببضعة أشهر، امتزج الدم البعثي بالشيوعي في الطيبة، حين استشهد السيد علي شرف الدين وابناه عبدالله وفلاح، إلى جانب الشهيد الشيوعي محمود قعيق. كانوا يملكون بنادق قديمة وقلوباً لا تعرف الخوف.

الاجتياح وتصعيد المقاومة وصولاً إلى التحرير

"النهج الوحيد الذي يعزّز هذه الأمة، ويعيدها إلى مواقع مجدها وقوتها وعظمتها، هم هؤلاء الشهداء" ـــــــ السيد الشهيد عباس الموسوي
جاء اجتياح الليطاني رداً على عملية الشهيد كمال عدوان. شارك فيها ثلاثة لبنانيين: عامر عامرية (من المنية) استشهد، وحسين مراد "أسامة" استشهد أيضاً، ويحيى سكاف أُسِرَ ولا يزال مصيره مجهولاً.

مع الاجتياح، نزل الآلاف من اللبنانيين إلى الميدان تحت لواء الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية. في 1982، مع اجتياح بيروت، انطلقت أول جبهة مقاومة وطنية. بقي بعض هذه القوى يقاتل حتى التسعينيات.
القائد محمد سعد (من حركة أمل) المعروف بـ"كابوس العملاء"، صاحب "القبضة الحسينية" مع الشهيد خليل جرادي لمواجهة "القبضة الإسرائيلية"، وفي 2 آذار 1985، قاد معركة الصمود التي تصدّت فيها البلدة ببطولة لهجوم إسرائيلي واسع شارك فيه أكثر من ألفي جندي وآليات وطائرات، لتخرج قرية معركة من نصرٍ إلى انتصار. استشهدوا سوياً داخل حسينية بلدة معركة في عملية اغتيال غادرة.
من خالد علوان إلى سناء محيدلي، مروراً بعلي غازي طالب وعشرات من نسور "الزوبعة"، ومن شمال الوطن إلى جنوبه، انقضت الجوارح السورية القومية الاجتماعية لهيباً ضد الأعداء. ومن إيلي حداد (ابن الميناء) إلى يسار مروة (ابنة الجنوب) هبّت مطارق الشيوعيين لتنهال على رؤوس الجنود وتحصدهم بالمناجل.

الأخوان نصرات ومحمود سعيد الباي، بطلا التصدي للإنزال الصهيوني في بلدة يارين، وإلى أبناء الحجيري الذين قدموا من عرسال دفاعاً عن عروبة العرقوب، كان أبناء الاتحاد الاشتراكي العربي يسطّرون أروع الملاحم دفاعاً عن عروبة لبنان وحريته.
من رأس النبع إلى الطريق الجديدة وصولاً إلى النورماندي، كانت قذائف "المرابطين" تدك حصون العدو الصهيوني على أطراف بيروت. تحت شعار الدفاع عن سيدة العواصم، دوّنت حركة الناصريين المستقلين أسماء اثني عشر شهيداً من أعضائها في أيلول 1982.
ومن مناع حسن قطايا وحميدة الطاهرة إلى "صقر البعث" عصام عبد الستار، كان البعثيون يفدون تراب الجنوب بأجسادهم المتفجرة.
من أحمد قصير إلى الشيخ راغب حرب، إلى محمد حسين يزبك وعبد الحسن عز الدين، مروراً بتفجير مقر الحاكم العسكري وكربلاء ميدون، بدأت ملامح المقاومة الإسلامية تتشكل، تلك التي قدّمت قادتها وشيبها وشبابها على مذبح تحرير لبنان.

شهداء على طريق القدس

"لسنا نقاتل إسرائيل من أجل أرض وراء أو أمام خط الهدنة، ولسنا نقاتلها من أجل مدن أو صحارى، ولسنا نقاتلها من أجل مكاسب إقليمية، إنما نخوض ضدها معركة مصير غايتها أن تزول دولة إسرائيل، وفي سبيل هذا قد نخسر بعض الأرض وقد نسترد بعضها وقد نتقهقر وقد نتقدم، ولكن لن يكون التقهقر هزيمة والتقدم لن يكون انتصاراً، لأن الهزيمة هي أن تبقى دولة إسرائيل ولو رمزاً في قرية، والنصر هو أن تزول دولة إسرائيل" — جمال عبدالناصر
منذ 7 تشرين الأول 2023، فتح حزب الله جبهة الجنوب تحت عنوان "إسناد غزة". لم تكن حرباً شاملة في البداية، بل حرب استنزاف تصاعدت تدريجياً. وصف الحزب شهداءه بأنهم ارتقوا "على طريق القدس"، تأكيداً على أن المعركة واحدة.
في هذه الحرب، استشهد سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، وإلى جانبه السيد الشهيد هاشم صفي الدين. لم تكن خسارة الحزب لهما طفيفة، لكن المقاومة استمرت، لأنها لم تكن يوماً مرتبطة بشخص واحد، بل بفكرة ترسخت عبر عقود من النضال.

معركة "العصف المأكول"... كربلاء لبنان

"لبنان الذي قدّمنا على أرضه أغلى قادتنا وأزكى علمائنا وأحب إخواننا وأبنائنا ونسائنا وأطفالنا شهداء، لبنان هذا لن يكون إسرائيلياً، لبنان هذا لن يكون إسرائيلياً في يوم من الأيام، ولن يكون موطئاً للصهاينة" ـــــــ سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (14-2-2008، تشييع الشهيد القائد عماد مغنية).
حتى لحظة كتابة هذه المقالة، لم تتوقف المقاومة في لبنان عن تقديم أنقى وأجمل شهدائها. هم ليسوا مجرد أسماء تضاف إلى قوائم، بل أصحاب شهادات عليا، أطباء، مهندسون، أساتذة، شباب كان بوسعهم أن يكونوا في أي مكان في العالم، لكنهم اختاروا أن يكونوا على الحواجز الأمامية، في وجه الآلة التي لا تعرف الرحمة.
في معركة "العصف المأكول"، يسقط الشهداء كل يوم. يترك الواحد منهم وراءه كتباً لم يُكمل قراءتها، وأطفالاً لم يكبروا بعد، وحلماً كان يراه للبنان حراً كريماً.

لكن في خضمّ هذه الملحمة الكربلائية، لم تكن المقاومة تواجه العدو فقط. بل كانت تواجه أيضاً تخاذلاً عربياً ودولياً واسعاً، وخيانة من بعض اللبنانيين الذين أعلنوها علانية: "مع السلام مع العدو الصهيوني". طعنوا المقاومة في خاصرتها، في لحظة كانت أحوج ما تكون إلى التكاتف. استعادوا أحلام اتفاق 17 أيار الخياني، ذاك الاتفاق الذي كان يهدف إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل على حساب الدماء والأرض.
بعضهم رفع رايات بيض خوفاً على مصالحه، وبعضهم راهن على انهيار المقاومة، وبعضهم آثر السلام المخزي على الشهادة الباقية. لكن المقاومة، رغم كل الطعنات، بقيت صامدة. لأنها لم تكن أبداً مشروعاً سياسياً عابراً، بل كانت إرادة شعب رفض الركوع.
ليس دفاعاً عن أرض فقط، بل دفاعاً عن شعب لبنان بكل أطيافه، عن بيوت لا تفرق بين مسيحي ومسلم، عن مدارس ومستشفيات، عن حق الناس أن يعيشوا بكرامة أو أن يموتوا بشرف.

فمنذ الأيام الأولى، توزّع المشنوقون في 6 أيار، وتوزّع الثوار في جبل عامل، وتوزّع فدائيو المالكية، واليوم يتوزّع شهداء طريق القدس من وادي خالد شمالاً إلى الناقورة جنوباً. كلهم لبنان، وكلهم الدم نفسه.
هكذا هم شهداء "العصف المأكول". يكتبون بدمائهم فصلاً جديداً في سجل النضال اللبناني، فصلاً لم ينتهِ بعد، مهما تخاذل المتخاذلون، ومهما خان الخونة.

بين أيار وأيار، بقي لبنان واقفاً. لم يسقطه جمال باشا، ولا الاحتلال الفرنسي، ولا الاجتياحات الإسرائيلية. كل محاولة لقتله كانت تزيده قوة.
هذه ليست أسطورة، بل تاريخاً مكتوب بالدم. من شهداء 6 أيار، إلى أدهم خنجر، إلى عز الدين الجمل، إلى الأخضر العربي، إلى شهداء طريق القدس، وإلى شهداء "العصف المأكول" في هذه اللحظة التي نكتب فيها هذه الكلمات. كلهم يقولون شيئاً واحداً: لبنان لأهله، والقدس لنا، والعودة حق.
مهما طال الزمن، ومهما تكالبت الأمم، يبقى الدم يتدفق، وتبقى المقاومة باقية ومستمرة. لأن مَن يملك أرضاً لا يفرط فيها، ومَن يملك كرامة لا يبيعها، ومَن يملك تاريخاً لا يسمح لأحد بمحو اسمه.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك