ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بين التحرير والتغيير الداخلي [2]: من فائض القوة إلى فائض الدولة: كيف يستعدّ حزب الله للمرحلة المقبلة؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الثلاثاء 19 أيار 2026
الخط


ما بعد الحرب القائمة لن يشبه ما قبلها. هذه ليست عبارة إنشائية. كل حرب كبرى تعيد توزيع المعاني قبل أن تعيد توزيع المواقع. ما يتغيّر ليس فقط ميزان الردع أو حجم الدمار أو شروط التسوية، بل صورة القوى في أعين جمهورها وخصومها والدولة والعالم. لذلك لا يستطيع حزب الله أن يدخل المرحلة المقبلة بعقل المرحلة السابقة. لم يعد كافياً أن يقول إن المقاومة ضرورة، ولو كان ذلك صحيحاً في جوهره.

ولم يعد كافياً أن يثبت أن خصومه أرادوا استخدام الدولة ضده، ولو كان ذلك صحيحاً في وقائع كثيرة. السؤال صار أعمق: كيف تتحوّل المقاومة من قوة تحمي نفسها من الدولة إلى قوة تساعد على إنتاج دولة لا تخاف منها المقاومة ولا تخاف هي من المقاومة؟
الاستعداد الأول المطلوب ليس عسكرياً، بل فكري وسياسي. على الحزب أن يُنجِز مراجعة داخلية صريحة لموقع الدولة في عقله السياسي.

لسنوات طويلة، تعامل مع الدولة بوصفها مساحة خطر ومساحة حاجة في الوقت نفسه. هي خطر عندما تتحوّل مؤسساتها إلى أدوات ضغط خارجي، وحاجة عندما يحتاج لبنان إلى شرعية تفاوضية أو غطاء دستوري أو تمثيل دبلوماسي. هذه النظرة مفهومة تاريخياً لكنها لم تعد كافية. فالدولة ليست مجرّد وزارة أو حكومة أو رئاسة أو جيش. الدولة هي القدرة المنظّمة على حماية المجتمع، وإدارة الخسائر، وتوزيع الموارد، وتثبيت القانون، وإنتاج الحد الأدنى من الثقة بين الجماعات. إذا بقيت المقاومة قوية في مجتمع ضعيف ودولة ضعيفة، فإن قوتها ستتحوّل مع الوقت إلى عبء عليها، لأن المجتمع الذي لا يجد دولة تحميه سيطلب من المقاومة ما لا تستطيع المقاومة وحدها أن تقدّمه.

لذلك يحتاج الحزب إلى الانتقال من منطق «حماية المقاومة من الدولة» إلى منطق «تحصين المقاومة بالدولة». الفرق بين العبارتين كبير. حماية المقاومة من الدولة تعني أن الدولة قد تكون خصماً أو أداة خصوم. أمّا تحصين المقاومة بالدولة فيعني بناء شروط تجعل الدولة نفسها عاجزة عن التحوّل إلى منصة استهداف للمقاومة، لا بالقوة، بل بالتوازن الوطني والشرعية الشعبية والمؤسسات الفعلية. الحصانة الأفضل لا تأتي من تعطيل الدولة، بل من جعلها دولة لا تستطيع التفريط في السيادة من دون كلفة وطنية كبرى. وهذه الحصانة لا تُبنى بالشعارات، بل بإصلاح الإدارة، وتقوية الجيش، وحماية القضاء من الاستخدام الانتقامي، وبناء سياسة خارجية موحّدة، وإنتاج اقتصاد أقل هشاشة أمام العقوبات والابتزاز.

لكن ذلك يطرح السؤال الصعب: هل لبنان مستعدّ لأن يدخل حزب الله في الملف الداخلي بكل تشعّباته على طريقة بقية القوى الأخرى؟ الجواب ليس بسيطاً. جزء كبير من خصوم الحزب لا يريد دخوله إلى الدولة إلا بوصفه متهماً، لا بوصفه شريكاً. يريدون منه أن يكون موضوعاً للضغط لا طرفاً في النقاش. في المقابل، جزء من بيئة الحزب وحلفائه يخشى أن يؤدّي الدخول العميق إلى الدولة إلى استنزاف المقاومة في وحول الزبائنية والفساد والبيروقراطية والطائفية. وبين هذين الخوفين ضاعت فرصة طويلة. الحزب كان قوياً بما يكفي ليمنع إلغاءه، لكنه لم يكن أو لم يرد أن يكون إصلاحياً بما يكفي ليعيد تشكيل الدولة. والنتيجة أن خصومه اتهموه بالسيطرة على دولة لم يكن يديرها فعلياً، وجمهوره حمّله أحياناً أثمان دولة لم يكن قادراً على إصلاحها.

المرحلة المقبلة تفرض تغييراً في هذا الموقع. لا يستطيع الحزب أن يبقى في السياسة الداخلية نصف داخل ونصف خارج. لا يكفي أن يشارك في الحكومات كي يحمي ظهر المقاومة، ثم يترك ملفات الاقتصاد والعدالة والإدارة والتعليم والصحة والفساد لمنطق التسويات. فالناس لا يعيشون بالردع وحده. المجتمع الذي يتعرّض للحرب يحتاج إلى إعمار، وتعويضات، ومدارس، ومستشفيات، وفرص عمل، ونظام ضمان، وبلديات قادرة، وقضاء عادل، وخطة إسكان، ومرافئ ومطار وطرقات. إذا لم يدخل الحزب هذا النقاش بجدّية، سيبدو كأنه يطلب من الناس أن يصمدوا في الحرب ثم يتركهم في السلم لزعماء السوق والطوائف والمصارف والفساد.

لكنّ الدخول المطلوب لا يعني أن يتحوّل الحزب إلى نسخة أخرى من القوى اللبنانية. هذا هو الخطر الأكبر. إذا دخل الملف الداخلي بمنطق الحصص، فسيخسر أخلاقياً حتى لو ربح وزارياً. وإذا دخل بمنطق حماية الحلفاء مهما فعلوا، فسيمنح خصومه أقوى حجة ضدّه. وإذا دخل بمنطق أن كل نقد داخلي مؤامرة، فسيعزل نفسه عن مجتمع يتغيّر. المطلوب أن يدخل بمنطق مختلف: مقاومة داخل الدولة لا مقاومة فوق الدولة؛ قوة اجتماعية تطرح مشروعاً للإصلاح لا مجرّد قوة سياسية تفاوض على المواقع؛ حزب يعرف أن حماية السيادة تبدأ من الحدود لكنها لا تنتهي هناك، لأن السيادة الاقتصادية والمالية والاجتماعية شرط من شروط السيادة الوطنية.

أولى خطوات الاستعداد هي المصالحة مع فكرة النقد الداخلي. لا يمكن لحزب خرج من حرب كبرى، ودفع جمهوره أثماناً باهظة، أن يتصرّف كأن كل سؤال خيانة. السؤال ليس ترفاً. الناس الذين يصمدون من حقهم أن يعرفوا: كيف ستدار المرحلة المقبلة؟ كيف ستُعالج الخسائر؟ كيف ستُصان البيوت والأرزاق؟ كيف ستُمنع الهجرة الواسعة؟ كيف سيُعاد بناء المناطق المتضرّرة؟ كيف ستُحفظ كرامة الناس من التسوّل السياسي؟ هذه الأسئلة ليست ضد المقاومة، بل من داخلها. لأن المقاومة، إذا انفصلت عن حياة الناس اليومية، فإنها ستتحوّل إلى شعار كبير فوق مجتمع مُنهك. أمّا إذا جعلت كرامة الناس جزءاً من معنى الصمود، فإنها ستحوّل المقاومة إلى مشروع وطني كامل.

الخطوة الثانية هي بناء خطاب جديد حول الدولة. لا يكفي القول إن الدولة ضعيفة أو مُخترقة. هذا صحيح لكنه مُستهلك. المطلوب القول: أيّ دولة نريد؟ هل نريد دولة مركزية عادلة؟ دولة دفاعية ذات استراتيجية وطنية؟ دولة اجتماعية تحمي الفقراء؟ دولة قانون لا تستخدم القضاء لتصفية الحسابات؟ دولة لا تكون حصرية السلاح فيها عنواناً لنزع قوة لبنان، ولا يكون بقاء السلاح فيها ذريعة لتعطيل المؤسسات؟ هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بوضوح. لا يجوز أن يبقى النقاش محصوراً بين شعارين ميتين: «سلّموا السلاح فوراً» من جهة، و«لا حديث في الدولة قبل زوال الخطر» من جهة أخرى. الخطر لا يزول في بلد مثل لبنان، لكنّ الدولة لا تُبنى أيضاً إذا ظلّت مؤجّلة إلى ما بعد آخر حرب.

السؤال الأهم موجّه إلى الآخرين، هو ماذا إذا كانت الدولة العميقة مستعدّة لأن يدخل حزب الله في الملف الداخلي بكلّ تشعّباته على طريقة بقية القوى الأخرى؟



الخطوة الثالثة هي تحويل العلاقة مع الجيش اللبناني من تنسيق الضرورة إلى تصوّر وطني أوسع. الجيش هو المؤسسة التي ما زالت تحظى بأوسع قبول نسبي بين اللبنانيين، لكنه مُحاصر بالتمويل، والتوازنات، والقرار السياسي، والضغوط الخارجية. لا يمكن للمقاومة أن ترى في الجيش منافساً، ولا يجوز للدولة أن ترى في المقاومة جيشاً بديلاً. المطلوب نقاش دفاعي جدّي حول التكامل، لا بمعنى الوصفات التقنية أو الترتيبات الأمنية التفصيلية، بل بمعنى المبدأ السياسي: كيف تتوزّع وظائف الردع، والحماية، والدبلوماسية، والقرار الوطني، ضمن صيغة لا تجعل لبنان مكشوفاً ولا تجعل الدولة شكلية؟ هذا النقاش يجب أن يكون لبنانياً قبل أن يكون خارجياً، لأن أي صيغة تُفرض من الخارج ستُقرأ داخل بيئة المقاومة كاستهداف، وأي رفض مطلق للنقاش سيُقرأ عند الآخرين كإصرار على دولة ناقصة.

الخطوة الرابعة هي الخروج من أسر التحالفات الدفاعية السلبية. لقد احتاج الحزب إلى حلفاء لحماية ظهره السياسي، لكنه دفع ثمناً كبيراً حين بدا كأنه يغطّي عجزهم وفسادهم. لا يستطيع في المرحلة المقبلة أن يربط مصيره الداخلي بأي طبقة سياسية فقدت ثقة الناس. عليه أن يميّز بين التحالف من أجل السيادة والتحالف من أجل تقاسم الدولة. الأول ضرورة، والثاني كارثة. وإذا أراد أن يُقنِع اللبنانيين بأنه ليس ضد الدولة، فعليه أن يثبت أنه ضد نهب الدولة حتى عندما يكون الناهب حليفاً، وضد إذلال المواطن حتى عندما يحصل الإذلال في وزارة لا يديرها خصومه، وضد الطائفية حتى عندما تفيده ظرفياً في حماية موقعه.

الخطوة الخامسة هي إنتاج مشروع اجتماعي. المقاومة التي لا تمتلك تصوراً للاقتصاد ستُحاصر دائماً في زاوية السلاح. لبنان بعد الحرب سيحتاج إلى إعادة إعمار، لكن إعادة الإعمار قد تكون فرصة لولادة اقتصاد أكثر عدلاً، أو مناسبة جديدة لنهب الناس باسم النهوض. هنا يستطيع الحزب أن يلعب دوراً حاسماً إذا انتقل من الدفاع عن جمهوره إلى الدفاع عن نموذج اجتماعي أوسع: حماية الودائع الصغيرة، دعم الإنتاج، الزراعة، الصناعة، اللامركزية الإنمائية لا التقسيمية، إصلاح النظام الضريبي، منع تحويل المساعدات إلى زبائنية، وربط الإعمار بالكرامة لا بالولاء. هذه ليست ملفات جانبية. إنها صلب المعركة المقبلة على معنى لبنان.

الخطوة السادسة هي إعادة صياغة العلاقة مع اللبنانيين الذين لا يؤيّدون المقاومة. لا يمكن بناء دولة مع جمهور واحد. في لبنان خوف حقيقي من الحزب، بعضه مصنوع ومُضخّم، وبعضه ناتج من تجارب داخلية فعلية. التعامل مع هذا الخوف لا يكون بالسخرية منه ولا بالاستسلام له، بل بتفكيكه. على الحزب أن يقول للبنانيين: المقاومة ليست مشروع حكم عليكم، وليست بديلاً من الدولة، وليست طلباً لتشابهوا بيئتها أو ثقافتها. هي وظيفة دفاعية نشأت من عجز الدولة ومن استمرار الخطر الإسرائيلي. لكن في المقابل، على الآخرين أن يعترفوا بأن الدولة التي تبدأ مهمتها بنزع عناصر القوة من بلد مُهدّد ليست دولة سيادة، بل إدارة محلية لضبط الهزيمة. بين هذين الاعترافين يمكن فتح نقاش وطني حقيقي.

في النهاية، استعداد حزب الله للمرحلة المقبلة لا يكون بأن يثبت مرة أخرى أنه قادر على الصمود فقط. لقد أثبت ذلك مراراً. الامتحان الجديد هو أن يثبت أنه قادر على التفكير بما بعد الصمود: الدولة، المجتمع، الاقتصاد، القانون، الشراكة، النقد والمستقبل. لقد حمى الحزب مقاومته طويلاً من الدولة الضعيفة والمُخترقة، لكن اللحظة المقبلة تطلب ما هو أصعب: أن يساهم في بناء دولة قوية بما يكفي كي لا تكون عدوّة للمقاومة، وعادلة بما يكفي كي لا يخافها المواطن، ووطنية بما يكفي كي لا تتحوّل إلى مكتب سياسي للسفارات.

المقاومة ليست ضد الدولة. لكنها إذا أرادت أن تُقنِع لبنان كله بذلك، فعليها أن تنتقل من موقع الدفاع عن نفسها داخل الدولة إلى موقع الدفاع عن الدولة نفسها من التفكّك والفساد والارتهان. هذه هي المعركة المقبلة. وربما تكون، بطريقتها، أصعب من الحرب.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك