حزب الله وولاية الفقيه وإشكالية السيادة الوطنية

تبرز ولاية الفقيه في الفكر السياسي الشيعي المعاصر كحالة إشكالية، لا بوصفها نظرية دينية بالضرورة، بل عندما تنتقل إلى أفق السلطة والمجال السياسي. فالدولة الوطنية تقوم على احتكار السيادة والقرار السياسي. بينما تنتمي ولاية الفقيه إلى نموذج مختلف في فهم السيادة ومصدر الشرعية. هنا يطرح السؤال: كيف يمكن لنظرية ذات جذور ما فوق وطنية تتجاوز الجغرافيا السياسية أن تتفاعل مع بنية الدولة دون أن تُنتِج توتراً دائماً مع السيادة؟
هذا السؤال يحضر في النقاشات العربية غالباً داخل إطار اختزالي، خصوصاً عند مقاربة تجربة حزب الله، إذ تميل بعض القراءات إلى كونه امتداداً لإيران وأداة تنفيذ لإرادة الولي الفقيه، مفترضة أنّه لا يمتلك منطقه الذاتي ومقاربته الخاصة. بينما يمكن القول إنّه لو فرض تغيّر بنية ولاية الفقيه لا يعني بالضرورة تغيّر السلوك السياسي لحزب الله بصورة موازية. ففي عدد كبير من الملفات، لا تأتي مرجعية الولي الفقيه كنقطة انطلاق للقرار، بل كإطار يمنح الشرعية لخيار تشكّل مُسبقاً على أساس دراسات وتقديرات داخلية في حزب الله. وعليه، فإنّ بعض ما قد يُفهم تجاوزاً لمنطق السيادة الوطنية، لا يمكن تفسيره دائماً بوصفه انعكاساً آلياً للارتباط بولاية الفقيه، بقدر ما يرتبط بتصوّره الخاصّ لمعادلات القوّة والصراع.
ومن هنا تنبع إحدى أبرز إشكاليات الفهم الشائع من عدم التمييز بين مستويين: مستوى الارتباط العقائدي، ومستوى صناعة القرار السياسي. يضاف إلى ذلك الخلط المنهجي بين ثلاث دوائر متمايزة: ولاية الفقيه كنظرية، والولي الفقيه كشخص تاريخي يجسّدها ضمن شروط خاصّة، والدولة الإيرانية بوصفها كياناً سياسياً تحكمه اعتبارات المصالح كما المبادئ. وهذا الخلط يُفضي في كثير من الخطابات إلى التعامل مع حزب الله كامتداد مباشر للدولة الإيرانية نفسها، بينما العلاقة بينه وبين ولاية الفقيه لا تقوم في أصلها العقائدي على الانتماء إلى دولة بعينها. أمّا حصرها داخل الهوية الإيرانية، فليس نابعاً من النظرية ذاتها، بل من ظرف تاريخي–سياسي جعل من إيران المركز لتجسيد هذا المفهوم.
تُظهِر التجارب السياسية المعاصرة أنّ التحدّي الذي يواجه سيادة الدولة الوطنية لا يأتي من الاتجاهات التوسّعية، كتيارات الإسلام السياسي، أو الأحزاب القومية العربية أو الأممية الماركسية. بل أيضاً من النَّزعات الانفصاليّة على أسس طائفية أو عرقية.
كما أنّ مفهوم السيادة لا يعمل ضمن نموذج مُغلق، بل هو أقرب إلى فضاء مركّب يتداخل فيه الضغط الخارجي مع ضعف البنية الداخلية. ويتأكّد هذا الأمر في السياق اللبناني كحالة تاريخية ممتدّة، من النفوذ الفرنسي، إلى المرحلة السورية، مروراً بأدوار متفاوتة لكلٍّ من الولايات المتحدة والسعودية وغيرهما. كذلك تسهم بنية النظام السياسي اللبناني نفسه في إنتاج هذا الالتباس السيادي، عبر آليات تسوية لا تستند دائماً إلى منطق دستوري، بل إلى أعراف وتفاهمات بين القوى الطائفية والسياسية.
ضمن هذا الواقع، تصعب مقاربة إشكالية السيادة في لبنان بوصفها مسألة تخصّ فاعلاً واحداً، إذ تتحرّك معظم القوى، بدرجات متفاوتة، داخل شبكة معقّدة من التأثيرات الإقليمية والدولية مع القيود الداخلية للنظام السياسي اللبناني نفسه، ما يجعل السيادة اللبنانية أقرب إلى مسار تفاوضي دائم منها إلى حالة دستورية مُغلقة.
إنّ تجارب التاريخ السياسي الشيعي تشهد أنّ التوتر بين المرجعية العقائدية والدولة لا يؤدّي بالضرورة إلى التصادم السيادي أو استحالة التعايش
إنّ قوّة الدولة وعدالتها لا تقاسان بقدرتها على إعلان السيادة في الخطاب، بل في إنتاج شروطها الفعليّة. أمّا حين تضعف هذه البنية، فإن السيادة تتحوّل إلى مجال مفتوح للتداخل، لا إلى حالة مستقرّة ونهائية. وبهذا المعنى، لا يكون سؤال السيادة في لبنان دستورياً محضاً، بقدر ما يصبح إشكالاً فلسفياً يتعلّق بكيفية إدارة السلطة داخل بيئة متعدّدة الانتماءات والمرجعيات.
إنّ تجارب التاريخ السياسي الشيعي تشهد أنّ التوتر بين المرجعية العقائدية والدولة لا يؤدّي بالضرورة إلى التصادم السيادي أو استحالة التعايش. فالمجال السياسي لا يشتغل وفق النماذج النظرية المحضة، بل عبر صيغ متحرّكة من التكيّف والمرونة بين النظرية والواقع. ففي مراحل طويلة، بقيت ولاية الفقيه حاضرة داخل البناء الفقهي الشيعي دون أن تتحوّل إلى إطار مباشر للعمل السياسي، وذلك حسب طبيعة الدولة القائمة، وموقع الجماعات الشيعية داخلها، بحيث تبقى العقيدة إطاراً مرجعياً للهوية والالتزام الفكري، بينما يخضع المجال السياسي إلى شروط الواقع وتعقيداته. ومن هنا، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت نظرية ولاية الفقيه تتعارض مع الدولة الحديثة، بل يرتبط بكيفية إدارة هذه النظرية داخل فضاء سياسي تعدّدي وطائفي.
وفي الحالة اللبنانية، يمكن القول إنّ عنصراً أساسياً في الإشكال لا يرتبط بولاية الفقيه كنظرية دينية في حدّ ذاتها، بقدر ما يتّصل بغياب تأصيل فقهي-سياسي داخل حزب الله يعيد قراءة النظرية في ضوء شروط الدولة الوطنية التعدّدية. فالواقع الذي تعيشه إيران كدولة ذات أكثرية مذهبية، قامت بنيتها الدستورية ونظامها السياسي على ولاية الفقيه، ليس هو نفسه التي يواجهه حزب الله. ومن هنا، لا يبدو كافياً التعامل مع ولاية الفقيه كنظرية مكتملة يمكن نقلها بصورة آلية من سياقها الحاضن إلى واقع مختلف يفرض أسئلة جديدة تتعلّق بمفهوم السيادة وطبيعة الشرعية وحدود الانتماء.
هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة نظر اجتهادي في نظرية ولاية الفقيه نفسها داخل الواقع اللبناني، لا بمعنى التخلّي عنها، بل قراءتها ضمن شروط الواقع المحلّي بدل الاكتفاء بصيغتها الجاهزة. فالتجربة الاجتهادية الشيعية، كما عبّر عنها عدد من مفكريها المعاصرين، لا تنطلق من النص بوصفه بنية دلالية ثابتة ومنفصلة عن ما يفرضه الواقع من تحدّيات مُستحدثة، بل من جدلية تفاعلية بين النص والواقع، بحيث لا يكون الواقع مجرد مجال لتطبيق النظرية، بل عنصراً مشاركاً في كيفية فهمها واستنباطها. وثمة داخل البيئة الشيعية اللبنانية إمكانات اجتهادية قادرة على «لبننة» أطروحة ولاية الفقيه ومقاربتها بما ينسجم مع خصوصية المجال اللبناني، إلا أنّ هذا المسار لم يتحوّل حتى الآن إلى مشروع فكري.
غير أنّ الإشكال لا يتوقّف عند حدود التأصيل النظري، بل يمتدّ أيضاً إلى كيفية إدارة حزب الله للنظرية، فالواقع اللبناني التعدّدي يفرض إنتاج آليات سياسية قادرة على تنظيم العلاقة بين المرجعية العقائدية والمجال الوطني، بنحو يحدّ من تحوّل التوتر النظري إلى مصدر للانقسام أو القلق السيادي. هنا، تكتسب بعض المفاهيم، مثل التزاحم والضرورة وجلب المصلحة ودفع المفسدة، أهمّية خاصّة، بوصفها أدوات تسمح بإعادة ترتيب الأولويات بين المبادئ والمصالح لإدارة التعقيد السياسي داخل واقع لا يحتمل المقاربات الأُحادية.
كما تشمل الإشكالية أيضاً طبيعة الخطاب الذي تُقدَّم من خلاله النظرية الدينية داخل فضاء تعدّدي تتشكّل داخله تصوّرات الجماعات بعضها عن بعض. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز بين الخطاب التعبوي الداخلي والخطاب الوطني العام. فليست كل العقائد التي تؤثّر في تشكيل السلوك السياسي بحاجة إلى أن تُطرح بصورة إعلامية مباشرة داخل الفضاء المفتوح، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بإشكاليات سيادية داخل مجتمع متعدّد ومنقسم. ذلك أنّ الخطاب لا يُقاس فقط بما يقصده قائله، بل أيضاً بما ينتجه داخل المجتمعات من تمثّلات ومخاوف تتجاوز نيّة القائل نفسه، خصوصاً حين يُطرح دون إطار تفسيري يوضح طبيعة العلاقة بين العقيدة والدولة، وعندها لا يعود الإشكال مرتبطاً بوجود النظرية بحد ذاته، بل في الفراغ التفسيري الذي يحيط بطريقة إعلانها داخل المجال العام.
فالمشكلة لا تكمن دائماً في امتلاك الجماعات السياسية لعقائد تتجاوز الدولة الوطنية، إذ إنّ هذا الأمر حاضر بأشكال مختلفة في تجارب سياسية متعدّدة، بل في امتلاك لغة سياسية قادرة على تنظيم حضور هذه المرجعيات داخل المجال الوطني المشترك دون تحويل الاختلاف النظري إلى اشتباك سياسي دائم. وفي هذا الإطار، يمكن فهم أهمية بعض التجارب –كتجربة الإمام موسى الصدر- التي سعت إلى إنتاج لغة وطنية جامعة قادرة على إدماج الهوية الشيعية داخل المجال اللبناني الأوسع، دون تحويل البعد العقائدي إلى محور توتّر يومي مع بقية المكوّنات.
في المحصّلة، لا يتمثّل التحدّي الحقيقي في إقناع جميع المكوّنات الدينية والاجتماعية والسياسية بولاية الفقيه بوصفها نظرية دينية، بقدر ما يتمثّل في إنتاج خطاب تفسيري قادر على خلق حدّ أدنى من التفهّم لدى مَن يعارضون هذه الأطروحة. فثمة فرق أساسي بين الإقناع والتفهّم؛ إذ يفترض الإقناع قدراً من الاشتراك في الرؤية، بينما يكتفي التفهّم بإنتاج قدرة متبادلة على استيعاب موقع الآخر ومنطقه داخل البنية السياسية المشتركة، حتى مع استمرار الاختلاف معه. فالمجتمعات التعدّدية لا تُبنى على التطابق التامّ بين مكوّناتها، بل على قدرتها على إدارة الاختلاف ضمن إطار يمنع تحوّله إلى قطيعة أو صراع مفتوح.
* كاتب وأكاديمي
