أيّ دولة لمقاومة لا تريد أن تنتحر؟ وأيّ مقاومة لدولة لا تملك سيادتها؟

كريم حداد
كريم حداد
الجمعة 22 أيار 2026
الخط

وصلتني رسالة تعترض، من موقع المحبّ، على ما نشرته حول العلاقة بين الدولة والمقاومة (راجع في «الأخبار» مقالة «بين التحرير والتغيير الداخلي» [1] و[2]). صاحب الرسالة لا ينكر أهمية التفكير في مرحلة ما بعد الحرب، وضرورة تطوير أداء المقاومة، بل ينطلق من الحرص عليها وعلى إنجازها ودورها. غير أنّ اعتراضه الأساسي يتمحور حول أن مقاربة العلاقة بين المقاومة والدولة في لبنان بدت، في نظره، أقرب إلى «براءة نظرية» لا تراعي خصوصية الكيان اللبناني، ونشأته، وتركيبته الطائفية، وتشابك داخله بالخارج، ووظيفة سلطته كما تشكّلت تاريخياً.

فهو يرى أنّ الدولة اللبنانية ليست دولة طبيعية يمكن أن تُطلب منها وظائف السيادة والحماية والرعاية كما تُطلب من دولة حديثة مكتملة، بل هي في كثير من تاريخها إدارة مركّبة بين نافذين في الداخل وأوصياء في الخارج، مهمّتها تنظيم النهب، وقوننة التبعيّة، وتثبيت الفساد، وتسويق مُنتجات الآخرين، والأهم من ذلك تيئيس اللبنانيين من إمكان بناء دولة عادلة قادرة.

ومن هذا الموقع، يطلب صاحب الرسالة نقل النقاش من مُساءلة حزب الله وحده إلى سؤال أوسع: لو أهملنا وجود حزب الله نفسه، ولو افترضنا أي مقاومة أخرى ترى ضرورة وجودها في لبنان، فكيف يمكن أن ترسم لنفسها خريطة طريق داخل دولة بهذه التركيبة؟
هو لا يريد نقاشاً أخلاقياً مجرّداً حول ما كان على المقاومة أن تفعله، بل يريد تصوّراً عملياً لدولة لبنانية واقعية: دولة نشأت في سياق قسمة استعمارية بعد الحرب العالمية الأولى، وتقوم على بنية طائفية مختلطة، وتتأثّر بعمق بالسياسات الخارجية، وتعيش تحت نظام إقليمي ودولي لا يسمح بسهولة بقيام دولة ذات سيادة مستقلّة. لذلك يسأل: ما نسبة الأمل أصلاً في قيام دولة لبنانية خارج التبعيّة؟ وهل يمكن لأي مقاومة، لا حزب الله فقط، أن تجد رافعة إقليمية أو دولية تساعدها من دون أن تضطر هذه الرافعة إلى خوض حروب دفاعية عنها، أو من دون أن تُستهدف لأنها خرجت على النظام الدولي وتقاسُمات النفوذ التي أنتجتها موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية؟

ويذهب الاعتراض أبعد من ذلك. فهو يرى أن ما أوردته، وإن قصد تطوير المقاومة، قد بدا كأنه يضعها أمام الملأ في موقع المرتكب، أو القاصر، أو العاجز، أو المقصّر عن إنجاز ما لا تستطيع دول كاملة إنجازه في لبنان. ويخشى أن يؤدّي هذا الأسلوب إلى جلد أصحاب التجربة بدل الرحمة بهم، وإلى تحميل المقاومة أوزار «ضياع فرصة طويلة» من دون احتساب الظروف التي كانت ستجعلها، لو تصرّفت وفق ما نتمنّاه اليوم، جماعة مُطاردة ومحظورة ومنبوذة منذ زمن بعيد، لا يشفع لها تكوين مذهبي ولا حليف إقليمي. جوهر الرسالة، إذاً، ليس رفض النقد، بل رفض نقد يتجاهل شروط الاستحالة اللبنانية، ويحمّل المقاومة فوق طاقتها، ويقيسها على دولة غير موجودة، أو على مثال معياري لم يتحقّق يوماً في هذا البلد.

هذا الاعتراض مهمّ، لا لأنه يُبطِل النقاش السابق، بل لأنه يضعه في موضعه الأصعب. نعم، لا يجوز أن نتحدّث عن الدولة في لبنان كأننا نتحدّث عن السويد التي تعاني بعض الخلل الإداري. ولا يجوز أن نطالب المقاومة بأن تسلّم مصيرها إلى دولة لم تولد كاملة أصلاً، أو أن نطلب منها أن تذوب في مؤسسات كثيراً ما استُخدمت لضبط القوى الوطنية لا لحماية السيادة. لكنّ الصحيح أيضاً، أنّ الاعتراف باستحالة الدولة اللبنانية كما هي لا يجب أن يتحوّل إلى تبرئة دائمة من سؤال الدولة. بين الوهمين يجب أن يبدأ النقاش: وهم دولة طبيعية جاهزة تنتظر من المقاومة أن تنضبط تحت سقفها، ووهم مقاومة تستطيع إلى الأبد أن تعيش فوق دولة مُنهكة من دون أن تدفع هي ومجتمعها ثمن هذا الانفصال.

أوّل ما ينبغي تثبيته أن لبنان ليس دولة عادية. هذا الكيان لم يتكوّن نتيجة عقد اجتماعي صافٍ بين جماعات قرّرت بحرّية أن تبني دولة وطنية حديثة. نشأ في ظلّ هندسة استعمارية، وفي قلب توازنات طائفية، وعلى حافة صراعات إقليمية كبرى. حدوده، ونظامه، ووظيفته الاقتصادية، وعلاقته بالمحيط، كلها كانت محكومة منذ البداية بسؤالين: كيف يُدار التعدّد الداخلي؟ وكيف يُحفظ موقع لبنان ضمن شبكة المصالح الخارجية؟ لذلك لم تكن الدولة اللبنانية في معظم تاريخها دولة سيادة، بل دولة تسويات. لم تكن سلطة عليا فوق الجماعات، بل مساحة تفاوض بينها. لم تكن جهازاً وطنياً يذيب العصبيّات في المواطنة، بل كانت نظاماً يدير العصبيّات ويعيد إنتاجها.

لهذا السبب، كل حديث عن مقاومة في لبنان لا يبدأ من هذه الحقيقة يبقى ناقصاً. المقاومة لا تعمل في فراغ. هي لا تعمل داخل دولة مركزية قوية، ولا داخل مجتمع موحّد حول معنى السيادة، ولا داخل نظام اقتصادي مستقلّ، ولا داخل بيئة إقليمية رحيمة. هي تعمل في بلد منقسم على نفسه، حيث يستطيع الخارج أن يجد دائماً باباً داخلياً يدخل منه، وحيث تتحوّل السيادة نفسها إلى موضوع خلاف طائفي وسياسي. هنا يصبح طلب الدولة من المقاومة طلباً مُعقّداً: أي دولة؟ دولة مَن؟ وبأي وظيفة؟ وهل الدولة المطلوبة هي دولة الحماية، أم دولة الضبط؟ دولة السيادة، أم دولة تنفيذ شروط الخارج؟ دولة المواطنين، أم دولة المصارف والطوائف والسفارات؟

لكنّ الاعتراف بهذا كلّه لا يحسم المسألة. لأنّ المقاومة، ما دامت موجودة في لبنان، لا تستطيع أن تكتفي بالقول إنّ الدولة ناقصة. هذا صحيح، لكنه لا يكفي. الدولة الناقصة ليست مجرّد مشكلة نظرية؛ إنها البيئة التي يعيش فيها جمهور المقاومة نفسه. الناس الذين يقاومون يحتاجون إلى مدارس، ومستشفيات، وقضاء، وبلديات، واقتصاد، وتعويضات، وإدارة كوارث، وحماية اجتماعية. فإذا كانت الدولة فاسدة أو تابعة أو عاجزة، فإنّ أوّل مَن يدفع الثمن هو المجتمع الذي تحتضنه المقاومة. من هنا، لا يعود سؤال الدولة ترفاً ليبرالياً، ولا يصبح مجرّد فخّ نصبه الخصوم لنزع السلاح. يصبح سؤالاً من صلب بقاء المقاومة نفسها.

المقاومة التي لا تفكّر في الدولة ستجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، مضطرة إلى تعويض الدولة. وهذا ما لا تقدر عليه أي مقاومة، مهما بلغت قوتها. يمكن للمقاومة أن تردع عدواً، أن تحرّر أرضاً، أن تمنع عدواناً من تحقيق أهدافه، أن ترفع كلفة الاحتلال، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني اقتصاداً وطنياً، أو تدير نظاماً قضائياً، أو تنظّم مصرفاً مركزياً، أو تصلح إدارة عامّة، أو تخلق عقداً اجتماعياً بين الطوائف. حين يُطلب منها ذلك، تُستنزف. وحين لا تفعله، تُدان. لذلك يصبح المخرج الوحيد هو ألَّا تتحوّل المقاومة إلى بديل من الدولة، وألَّا تترك الدولة كما هي. هذه هي المعادلة الصعبة.

المقاومة، أي مقاومة، إذا قبلت أن يُحصر النقاش في سلاحها فقط، تكون قد دخلت ملعب خصومها. أمّا إذا وسّعت معنى الدفاع، فإنها تنقل النقاش من «نزع القوّة» إلى «بناء القدرة الوطنية»

هنا يصير سؤال صاحب الرسالة مشروعاً: ما خريطة الطريق لأي مقاومة في لبنان، بمعزل عن اسمها التنظيمي؟ أظنّ أنّ الجواب يبدأ من مبدأ واضح: المقاومة في لبنان لا تستطيع أن تسعى إلى دولة مثاليّة دفعة واحدة، ولا يجوز لها أن تستسلم لدولة التبعيّة كما هي. عليها أن تعمل على «دولة ممكنة» لا «دولة مكتملة». الدولة الممكنة هي دولة لا تكون ضد المقاومة، ولا تكون ملكاً لها؛ لا تنزع عناصر القوّة من لبنان، ولا تسمح بأن تتحوّل القوّة إلى نظام حكم موازٍ؛ لا تطلب من المقاومة الانتحار باسم الشرعية، ولا تقبل أن تبقى الشرعية شكلاً فارغاً. هذه الدولة الممكنة لا تولد من خطبة، بل من تراكم طويل في السياسة والإدارة والثقافة والاقتصاد.

خريطة الطريق الأولى هي التمييز بين الدولة والنظام. في لبنان كثيراً ما يختلط الأمران. حين ننتقد الدولة، نكون في الحقيقة ننتقد النظام الطائفي والمالي والزبائني. وحين ندافع عن الدولة، نخشى أن نكون ندافع عن هذا النظام نفسه. المقاومة تحتاج إلى خطاب يفصل بينهما. عليها أن تقول بوضوح: نحن مع الدولة بما هي سيادة وقانون وعدالة وحماية اجتماعية، ولسنا مع النظام بما هو محاصصة ونهب وتبعيّة. هذا الفصل يحرّرها من تهمة العداء للدولة، ويمنعها في الوقت نفسه من الالتحاق الأعمى ببنية فاسدة. فلا تعود الدولة خصماً مطلقاً، ولا يعود النظام قدراً مُقدّساً.

خريطة الطريق الثانية هي بناء مفهوم وطني للدفاع لا يبدأ من السلاح ولا ينتهي عنده. في لبنان جرى اختزال الاستراتيجية الدفاعية بسؤال واحد: ماذا نفعل بسلاح المقاومة؟ وهذا اختزال مريب، لأن الدفاع لا يعني السلاح وحده. الدفاع يعني اقتصاداً قادراً على الصمود، وبنية تحتية لا تنهار عند أول حرب، ومجتمعاً لا يُترك للتهجير والفقر، وإعلاماً لا يصبح ملحقاً بالحرب النفسية، ودبلوماسية لا تتسوّل رضى الخارج، وجيشاً لا يُمنع من امتلاك عناصر القوة. المقاومة، أي مقاومة، إذا قبلت أن يُحصر النقاش في سلاحها فقط، تكون قد دخلت ملعب خصومها. أمّا إذا وسّعت معنى الدفاع، فإنها تنقل النقاش من «نزع القوّة» إلى «بناء القدرة الوطنية».

خريطة الطريق الثالثة هي التعامل مع الدولة بوصفها ميدان صراع لا بوصفها بيتاً جاهزاً. الدولة اللبنانية ليست بريئة، لكنها ليست مستحيلة بالكامل. فيها قضاء يمكن إصلاحه أو تعطيله، وجيش يمكن تقويته أو محاصرته، وإدارة يمكن تحديثها أو نهبها، وبلديات يمكن تحويلها إلى أدوات تنمية أو تركها للزبائنية، وجامعة وطنية يمكن دعمها أو قتلها ببطء. المقاومة لا تحتاج إلى ابتلاع الدولة، بل إلى خوض معركة طويلة داخلها لمصلحة عناصر السيادة والعدالة. هذا لا يعني أن تصبح نسخة من أحزاب السلطة، بل أن تطوّر ذراعاً سياسية وإدارية واجتماعية قادرة على فهم الدولة لا فقط على الحذر منها.

خريطة الطريق الرابعة هي عدم حماية الفساد باسم حماية المقاومة. هذه نقطة حساسة، لكنها حاسمة. يستطيع الخصم أن يستثمر أي نقد للحلفاء ليضرب المقاومة، نعم. لكنّ الخوف من استثمار الخصم لا يبرّر السكوت الدائم عن الفساد. عندما يشعر الناس أنّ المقاومة تغطّي طبقة سياسية ساقطة لأنها تحتاج إلى أصواتها أو مواقعها، يتأذّى المعنى الأخلاقي للمقاومة. ليس المطلوب أن تخوض حرباً أهلية إصلاحية ضد الجميع، ولا أن تفتح كل الجبهات في وقت واحد، بل أن ترسم حداً واضحاً بين التحالف السياسي والتبرئة الأخلاقية. يمكن أن تتحالف اضطراراً، لكن لا يجوز أن تقدّس حليفاً فاسداً. يمكن أن تراعي التوازنات، لكن لا يجوز أن تجعل الرعاية الاجتماعية لجمهورها رهينة لمنطق المحاصصة.

خريطة الطريق الخامسة هي بناء كتلة وطنية أوسع من البيئة المباشرة. لا مقاومة تنتصر طويلاً إذا بقيت محصورة في عصبية واحدة، ولو كانت هذه العصبية مظلومة ومضحّية. في بلد كلبنان، لا يكفي أن تكون المقاومة محقّة في نظر جمهورها. عليها أن تجعل جزءاً معتبراً من الآخرين يرى فيها ضرورة وطنية لا عبئاً طائفياً. وهذا لا يتحقّق فقط بالخطاب، بل بالسلوك: احترام المخاوف، عدم احتقار المعترضين، التمييز بين العميل والخائف، بين المتآمر والقلق، بين صاحب المشروع الخارجي والمواطن الذي يريد دولة طبيعية. هذه التمييزات ليست ضعفاً، بل ذكاء وطني. فالدولة الممكنة لا تُبنى بجمهور واحد، والمقاومة المحصورة بجمهور واحد تصبح أسهل على العزل.

خريطة الطريق السادسة هي تقدير حدود الرافعة الإقليمية. لا توجد مقاومة جدّية بلا عمق. هذه حقيقة قاسية. كل حركات التحرّر احتاجت إلى سند خارجي أو إقليمي أو دولي بدرجة ما. لكنّ الرافعة الخارجية، مهما كانت ضرورية، لا تعوّض الشرعية الداخلية. بل قد تتحوّل إلى عبء إذا صار حضورها في الوعي العام أكبر من حضور المصلحة الوطنية. لذلك على أي مقاومة في لبنان أن توازن بين حاجتها إلى العمق وحاجتها إلى خطاب وطني مستقلّ. لا تستطيع أن تقاتل وحدها في عالم تحكمه التحالفات، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تظهر كفرع محلي لصراع إقليمي. كلما زاد وضوح استقلال قرارها الوطني، ولو داخل تحالفاتها، زادت قدرتها على حماية نفسها داخلياً.

أمّا نسبة الأمل في قيام دولة لبنانية ذات سيادة خارج نظام التبعيّة، فهي ليست كبيرة إذا نظرنا إلى البنية كما هي. لكنها ليست صفراً إذا فهمنا السيادة لا كحالة مكتملة بل كمسار انتزاع تدريجي. لا توجد دولة صغيرة في نظام عالمي غير عادل تمتلك سيادتها كاملة. السيادة درجات. لبنان لن يصبح فجأة دولة مستقلة تماماً عن الضغوط الأميركية والخليجية والفرنسية والإسرائيلية والإقليمية. لكنه يستطيع أن ينتزع هوامش: هامش في القرار الدفاعي، هامش في الاقتصاد، هامش في القضاء، هامش في التعليم، هامش في الإعلام، هامش في إدارة موارده. المقاومة الذكية لا تنتظر السيادة الكاملة كي تبدأ، ولا تبرّر العجز الكامل بحجّة أنّ السيادة الكاملة مستحيلة.

من هنا، ليست المسألة أن نجلد المقاومة أو نرحمها. الرحمة الحقيقية ليست في إعفائها من التفكير، ولا في تحميلها ما لا تطيق. الرحمة الحقيقية هي أن نمنعها من الوقوع بين فخّين: فخّ الخصوم الذين يريدونها بلا قوّة، وفخّ الأنصار الذين يريدونها بلا مراجعة. النقد ليس اتهاماً إذا كان يعرف حجم التضحيات. والمراجعة ليست خيانة إذا كانت تنطلق من الحرص على البقاء. نعم، لا يجوز أن نقول للمقاومة: لماذا لم تبنوا دولة كاملة؟ فهذا ظلم. لكن يجوز، بل يجب، أن نسأل: كيف تمنعون الدولة الفاسدة من ابتلاع معنى المقاومة؟ وكيف تمنعون المقاومة من أن تتحوّل، رغماً عنها، إلى غطاء لدولة فاسدة؟

الرسالة المحبّة التي وصلتني تذكّرنا بحقيقة أساسية: لا يمكن التفكير في المقاومة اللبنانية بعقل الدولة الطبيعية، لأنّ لبنان نفسه ليس دولة طبيعية. لكنّ الردّ عليها يقتضي إضافة حقيقة ثانية: لا يمكن التفكير في المقاومة اللبنانية إلى الأبد بعقل الاستثناء وحده، لأنّ الاستثناء إذا طال صار نظاماً، والنظام إذا لم يُفكَّر فيه صار قدراً. بين الدولة المستحيلة والمقاومة الضرورية توجد مساحة يجب فتحها: مساحة الدولة الممكنة، الدولة التي لا تطلب من المقاومة الانتحار، ولا تسمح لها بأن تبقى مُعلّقة فوق خراب عام.

المطلوب إذاً ليس أن نضع المقاومة في قفص الاتهام، بل أن نُخرِج النقاش من القفص نفسه. ليست المقاومة وحدها مسؤولة عن ضياع الدولة، لكنها ستكون من أكبر الخاسرين إذا بقيت الدولة ضائعة. وليست الدولة اللبنانية، كما هي، جديرة بثقة كاملة، لكنها تبقى الإطار الوحيد الذي يمكن أن يحوّل قوة المقاومة من حالة استثنائية إلى عنصر في مشروع وطني طويل. أمّا ترك الأمور كما هي، فمعناه أن يبقى لبنان بين قوّتين ناقصتين: دولة لا تحمي، ومقاومة تُطلب منها كل الحماية. وهذا وضع لا يُنصِف الدولة، ولا يُنصِف المقاومة، ولا يُنصِف الناس الذين دفعوا الأثمان الأثقل.

* كاتب