الجنوب في خرائط الغاز

تتجاوز المقاربة الأميركية-الإسرائيلية لجنوب لبنان البعد الأمني التقليدي المرتبط بالحدود والمقاومة، لتلامس في السنوات الأخيرة مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً يرتبط بإعادة تشكيل الوظيفة الجيوسياسية والاقتصادية للجنوب ضمن خرائط الطاقة الجديدة في شرق المتوسط. فالمسألة لم تعد تقتصر على حماية المستوطنات الشمالية أو ضبط التوازن العسكري مع المقاومة، بل باتت تتّصل أيضاً بمحاولة إنتاج واقع اقتصادي-استراتيجي جديد يجعل الجنوب اللبناني مساحة مُلحقة بمنظومة الغاز الإقليمية التي تقودها واشنطن وتل أبيب، ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة المشرق اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.
من هنا، يمكن فهم الإصرار الأميركي-الإسرائيلي على الدفع نحو ترتيبات طويلة الأمد في الجنوب، تتجاوز فكرة وقف إطلاق النار أو تثبيت الهدوء الحدودي. فواشنطن تدرك أن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط فتحت الباب أمام تحوّلات كبرى في موازين القوة الإقليمية، وأن السيطرة على خطوط الطاقة ومسارات الاستثمار والبنية البحرية ستصبح جزءاً من معادلات النفوذ والسيادة. ولذلك، فإن جنوب لبنان يُنظر إليه كعقدة استراتيجية أساسية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل لأن أي قوة مقاومة تملك حضوراً عسكرياً وشعبياً في هذه المنطقة تبقى قادرة على تهديد البنية الاقتصادية الإسرائيلية الجديدة القائمة على الغاز والطاقة والتصدير البحري.
في هذا الإطار، يصبح الجنوب، في العقل الأميركي-الإسرائيلي، منطقةً تحتاج إلى إعادة تعريفها وظيفياً، من ساحة مواجهة ومقاومة إلى فضاء اقتصادي مرتبط بمشاريع الطاقة والاستثمارات والبنية اللوجستية العابرة للحدود. أي تحويله تدريجياً إلى منطقة استقرار اقتصادي منزوع السيادة السياسية الفعلية، تُدار أولوياتها وفق مقتضيات السوق والطاقة والأمن الإقليمي، لا وفق معادلة الصراع مع إسرائيل. وهنا تحديداً تكمن خطورة المشروع؛ لأنه لا يقوم بالضرورة على الاحتلال العسكري المباشر، بل على تفكيك البيئة الاستراتيجية للمقاومة عبر الاقتصاد وإعادة تشكيل المصالح المحلية وربطها بشبكات التمويل والطاقة الإقليمية.
إنّ الحديث المتكرّر عن «تنمية الجنوب والاستقرار المُستدام والاستثمار الدولي» لا يمكن فصله عن هذا التصوّر الأوسع. فالغرب يدرك أن الحروب المفتوحة لم تعد كافية لإخضاع البيئات المقاومة، لذلك انتقل إلى نماذج أكثر نعومة تقوم على إعادة إنتاج المجتمعات اقتصادياً وربطها بمصالح تجعل أي مواجهة مع إسرائيل مُكلِفة داخلياً. بمعنى آخر، المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل نزع البيئة الحاضنة للصراع نفسه، وتحويل الجنوب إلى مساحة ترى في الاستقرار الاقتصادي أولوية تتقدّم على أي اعتبار سيادي أو تحرّري.
كما أن ربط الجنوب بمنظومة الغاز الإقليمية يفتح الباب أمام إدخاله تدريجياً في شبكة الاعتماد الاقتصادي على الغرب والشركات العابرة للقوميات. فحين تصبح الاستثمارات والطاقة والمرافئ والبنى التحتية مرتبطة بمصالح دولية وإقليمية كبرى، تتحوّل أي معادلة مقاومة إلى تهديد مباشر لهذه المصالح، وبالتالي يُعاد توصيف المقاومة باعتبارها عبئاً على «الازدهار والاستقرار وفرص التنمية». وهنا تتكامل الأدوات السياسية والإعلامية والاقتصادية لإنتاج وعي جديد داخل البيئة اللبنانية يقوم على فكرة أن مستقبل الجنوب يكمن في الاقتصاد لا في المقاومة، وفي الاندماج الإقليمي لا في الصراع.
لكنّ الإشكالية الأساسية في هذا التصوّر أنه يتعامل مع الجنوب كمساحة قابلة لإعادة البرمجة السياسية والاقتصادية، متجاهلاً أن هذه المنطقة لم تتشكّل تاريخياً بوصفها مجرّد جغرافيا حدودية، بل بوصفها بيئة تحمل ذاكرة طويلة من الاحتلال والحروب والاعتداءات. ولذلك، فإن أيّ محاولة لتحويل الجنوب إلى منطقة اقتصادية مرتبطة بالمصالح الإسرائيلية ستصطدم بحقائق أعمق من الحسابات التقنية والاستثمارية، لأن الصراع بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين ليس نزاعاً حدودياً يمكن حلّه عبر عقود الغاز أو المشاريع الاقتصادية، بل يرتبط بسؤال السيادة والهوية والتوازن الإقليمي.
كما أنّ إسرائيل نفسها تنظر إلى الغاز باعتباره أداة لإعادة إنتاج تفوّقها الاستراتيجي في المنطقة، لا مجرّد مورد اقتصادي. فهي تسعى إلى بناء شرق أوسط جديد تكون فيه مركزاً للطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية، فيما يُطلب من الدول المحيطة أن تدخل هذه المنظومة بشروط إسرائيلية-أميركية. ومن هنا، يصبح إخضاع الجنوب اللبناني أو تحييده جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى إزالة آخر نقاط التهديد الجدّي لهذا المشروع.
لهذا، فإنّ ما يجري في الجنوب لا يمكن قراءته فقط من زاوية الأمن أو الترسيم أو التهدئة، بل يجب فهمه ضمن صراع أوسع على هوية المنطقة ووظيفتها في النظام الإقليمي المقبل.
فهناك محاولة لإعادة تشكيل لبنان نفسه، من بلد يقوم جزء من توازنه على معادلة المقاومة، إلى بلد يُعاد دمجه في المنظومة الغربية-الخليجية خصوصاً السعودية، عبر الاقتصاد والطاقة والتسويات الأمنية. وفي قلب هذه العملية يقف الجنوب بوصفه الساحة الأكثر حساسية، لأن السيطرة على الجنوب لا تعني فقط ضبط الحدود، بل تعني عملياً إعادة رسم موقع لبنان في معادلات الشرق الأوسط الجديد.
* باحث في العلاقات الدولية
