ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

القرحة الإسبانية والشرخ الإيراني: عن حدود غطرسة الأباطرة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد منذر
محمد منذر
الإثنين 25 أيار 2026
القرحة الإسبانية والشرخ الإيراني: عن حدود غطرسة الأباطرة
الخط

في عام 1807، كان نابليون بونابرت في ذروة مجده، إثر انتصاراته الساحقة في أوسترليتز ويينا-أويرشتيت، حيث دانت له غالبية القارة الأوروبية، وبات ينظر إلى الملوك والأباطرة كأحجار شطرنج يحرّكها كيفما يشاء. ولتعزيز "الحصار القاري" الذي فرضه لخنق بريطانيا اقتصادياً، وجد نابليون ثغرة في البرتغال التي رفضت الامتثال لأوامره، فكان عليه عبور الأراضي الإسبانية ــ الحليفة الضعيفة والمطيعة لفرنسا آنذاك ــ لإخضاع لشبونة. لكنّ غطرسة الإمبراطور دفعته إلى ما هو أبعد من مجرد العبور؛ إذ نظر نابليون بازدراء شديد إلى العائلة الملكية الإسبانية المتناحرة حينها، واعتبر إسبانيا دولة متخلّفة يحكمها الجهل والكهنوت، ورأى أن القوة الفرنسية قادرة على إعادة صياغتها بجرّة قلم.

في ربيع عام 1808، استدرج نابليون الملك الإسباني كارلوس الرابع وابنه فرديناند السابع إلى مدينة بايون الفرنسية تحت دعوى الوساطة بينهما، وهناك أجبرهما بحيلة مهينة على التنازل عن العرش، وعيَّن شقيقه الأكبر، جوزيف بونابرت، ملكاً على إسبانيا.
اعتقد بونابرت واهماً أن الشعب الإسباني سيرحّب بجيوشه كمحررين يحملون مبادئ الثورة الفرنسية ويسقطون النظام الإقطاعي القديم، وكتب نابليون في رسالة إلى شقيقه جوزيف، طمأنه فيها بعبارات تعكس حجم التعالي والجهل بطبيعة المجتمعات:

"إن الشعب الإسباني يشتكي من حكامه الحاليين، وسوف يستقبلونك كمنقذ... إن قوّتي كفيلة بجعل كل شيء سهلاً".
لكنّ قراءة بونابرت كانت سطحية ومجرّدة من فهم سيكولوجية الجماهير؛ فقد غفل عن أن الشعب الإسباني، رغم مقته لفساد بلاطه، كان مُشبعاً بالنزعة الكاثوليكية المحافظة والكرامة الوطنية الصلبة، ولم يكن ليقبل بأيّ حال من الأحوال أن يُملى عليه حاكم أجنبي يفرضه الغازي بقوة السلاح.

في أيار 1808، انفجرت العاصمة مدريد في انتفاضة شعبية عارمة ضد القوات الفرنسية بقيادة المارشال مورا؛ واجه الفرنسيون الثورة بقمع وحشي وإعدامات ميدانية بلا رحمة، ظناً منهم أن الترهيب سيكسر إرادة المقاومة، لكن النتيجة جاءت عكسية، إذ تحوّلت الشرارة إلى حريق هائل التهم شبه الجزيرة الإيبيرية بأكملها.

أدرك الإسبان عدم تكافؤ الميزان العسكري في المعارك النظامية المفتوحة أمام العبقرية العسكرية لنابليون وجيشه الأسطوري، فاعتمدوا أسلوب "الغوريلا" (Guerrilla) أو حرب العصابات، فتحوّلت الجبال والقرى والأرياف الإسبانية إلى فِخاخ موت مستمرة للفرنسيين؛ عبر كمائن لخطوط الإمداد، واغتيال للجنود المعزولين، وتسميم للآبار، وحرب نفسية لا تهدأ. لم يعد الجيش الفرنسي يسيطر إلّا على الرقعة التي تقف عليها أقدام جنوده، بينما غرق الملك جوزيف في قصره بمدريد معزولاً وعاجزاً، يرسل الاستغاثة تلو الاستغاثة إلى شقيقه الإمبراطور. حوّل هذا الاستنزاف إسبانيا إلى ثقب أسود امتص الطاقات البشرية والمالية لفرنسا، واضطر نابليون إلى تثبيت ما يزيد على ثلاثمئة ألف جندي من خيرة قواته في الجبهة الإسبانية دون جدوى.

هذا الاستنزاف الهائل شتّت تركيز الإمبراطورية؛ فعندما قاد نابليون حملته الكارثية لغزو روسيا عام 1812، كان يفتقر بشدة إلى تلك الكتائب المُحاصرة في وحل الجزيرة الإيبيرية. كان المستنقع الإسباني هو الشرخ الأول والقاتل في جدار الإمبراطورية، وهو ما اعترف به نابليون نفسه بمرارة شديدة في مذكّراته التي أملاها خلال منفاه الأخير في جزيرة سانت هيلينا، إذ قال لمرافقه لاس كازس:
"لقد كانت تلك الحرب المشؤومة في إسبانيا وباءً حقيقياً، والسبب الأول لمصائب فرنسا. لقد أقدمت على هذه القضية برمّتها بطريقة سيئة للغاية، أعترف بذلك".

الفشل الأميركي في تركيع إيران وإسقاط دولتها عام 2026 يمثّل المحطة المصيرية التي ستؤرّخ لبداية النهاية لسياسات الهيمنة الأُحادية والبلطجة الاقتصادية والعسكرية


في عام 2026، وبعد تفعيل نموذج التدخل الخشن في أميركا اللاتينية، والنجاح في تصفية رأس النظام الفنزويلي عبر إطاحة نيكولاس مادورو وتنصيب سلطة بديلة في كاراكاس، توهّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بالإمكان نقل "نموذج فنزويلا" بحذافيره إلى الشرق الأوسط لتركيع الجمهورية الإسلامية في إيران.

في 28 شباط 2026، أطلق الرئيس ترامب بالتنسيق مع إسرائيل هجوماً عسكرياً واسع النطاق على إيران، واضعاً نصب عينيه هدفاً مُعلناً: إسقاط الدولة وإحداث تغيير شامل للنظام السياسي، مدفوعاً بنشوة تفوّقه التكنولوجي والعسكري والاقتصادي، وظناً منه أن الضغط العسكري الكاسح والحصار البحري الشامل للموانئ الإيرانية سيؤدّيان حتماً إلى انهيار داخلي سريع، يدفع الشعب الإيراني المُنهك اقتصادياً إلى الانتفاض ضد حكامه والترحيب بالنموذج الغربي.

لكن، تماماً كما أخطأ نابليون في حساباته حول الشعب الإسباني، وقع ترامب في فخّ الجهل بالعمق القومي والحضاري للشعب الإيراني؛ فإيران ليست مجرّد نظام سياسي يمكن إسقاطه بضربات جراحية أو عمليات قطع الرأس، بل هي أمة ضاربة بجذورها في أكثر من ألفي عام من الثقافة الفارسية والهوية القومية الراسخة.

تعاملت العقلية الأميركية مع الأزمة بأدوات محاسبية وتكنولوجية جافّة، مغفلةً أن الضغط الخارجي المُفرط، حين يهدّد سيادة الأوطان وعمقها الحضاري، يفجّر في وجدان الشعوب طاقة "القومية الدفاعية"، إذ تتوحد الجبهة الداخلية تلقائياً خلف أدبيات المقاومة والصمود، ويصبح الدفاع عن الدولة رمزاً للحفاظ على الوجود التاريخي للأمة ككل، بصرف النظر عن أي خلافات داخلية مع السلطة الحاكمة.
اليوم تشير الوقائع إلى أن المغامرة الأميركية وصلت سريعاً إلى جدار مسدود وحالة غير مسبوقة من الجمود الاستراتيجي والعجز عن الحسم السياسي؛ فرغم الغارات الجوية العنيفة، أظهرت طهران ثباتاً استراتيجياً هائلاً، وردّت بأسلوب عصري يحاكي "الغوريلا الإسبانية" لكن بأدوات جيوسياسية، إذ أغلقت مضيق هرمز مهدّدةً خطوط نقل الطاقة العالمية ومستهدفةً السفن العسكرية الأميركية وحلفاءها، بل لوّحت أخيراً بقطع كابلات الإنترنت والبيانات البحرية المارّة عبر مياهها.

هذا الصمود الإيراني الشرس نقل "النزيف" من الميدان العسكري المباشر إلى قلب الداخل الأميركي والمنظومة الدولية؛ فاقتصادياً أفضى إغلاق مضيق هرمز إلى قفزات حادّة في أسعار الطاقة العالمية وتصاعد معدّلات التضخم، ما تسبّب في موجة غلاء عاتية ضربت الأسواق الأميركية والغربية. وسياسياً ودبلوماسياً، تراجعت شعبية الرئيس ترامب إلى أدنى مستوياتها في ولايته الثانية، وباتت الحرب عبئاً ثقيلاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فيما رفض الحلفاء الأوروبيون الانجرار خلف هذا العناد، وتعمّق التحالف الاستراتيجي بين إيران وكل من روسيا والصين لكسر الحصار.

تجسّد العجز الأميركي بوضوح في التقلّب والاضطراب الاستراتيجيَّيْن اللذين يبديهما البيت الأبيض؛ فالرئيس ترامب الذي هدّد عبر منصة "تروث سوشيال" بإبادة إيران، عاد ليعلن بشكل مفاجئ إلغاء ضربة عسكرية كبرى كانت مُقرّرة في اليوم التالي، معلّلاً ذلك بنزوله عند رغبة قادة دول الخليج لمنح المفاوضات فرصةً، وهي مفاوضات شاقّة تجري حالياً عبر الوسيط الباكستاني في إسلام آباد.
هذا التردّد وهذا البحث المحموم عن صفقة أو مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه يعكسان حقيقة أن واشنطن استنفدت أوراقها ووصلت إلى "سقف العقوبات والخيارات"، لتجد نفسها عاجزة عن تحقيق أي هدف سياسي ملموس، تماماً كالعجز الذي أصاب نابليون حين تيقّن أن مدافعه عاجزة عن هزيمة الروح الإسبانية.

إنّ الإفراط في استخدام القوة دون فهم سيكولوجية الطرف الآخر وهويته ينتهي دائماً بتحوّل الأداة العسكرية العظمى إلى قيد يكبّل صاحبها. والفشل الأميركي في تركيع إيران وإسقاط دولتها عام 2026 يمثّل المحطة المصيرية التي ستؤرّخ لبداية النهاية لسياسات الهيمنة الأُحادية والبلطجة الاقتصادية والعسكرية لتيار "أميركا أولاً".

وإذا كانت حرب شبه الجزيرة الإيبيرية قد دخلت التاريخ بوصفها "القرحة الإسبانية" التي نخرت في جسد الإمبراطورية الفرنسية حتى أهلكتها، فإن حرب عام 2026 في الشرق الأوسط تكشف اليوم عن "القرحة الإيرانية" لترامب؛ حيث تحوّل الصمود والثبات الحضاري للإيرانيين إلى حجر عثرة حطّم غطرسة واشنطن، وأثبت للعالم أن حدود القوة العسكرية تقف عاجزةً حين تواجه عقيدة شعوب ترفض الانكسار والتنازل عن وجودها التاريخي. وكما تكشف الدراسات التاريخية المقارنة، فإن أسوأ ما يمكن أن يواجه الإمبراطوريات ليس الهزيمة في معركة كبرى، بل الغرق التدريجي في تفاصيل حرب لا يمكن ربحها، ولا يمكن الخروج منها دون فقدان الهيبة الكلية.

* كاتب

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك