ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

عقيدة الأرق الاستراتيجي: نحو فهم «عداوة الجوهر» في الصراع الحديث

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
علي خازم
علي خازم
الخميس 4 حزيران 2026
الخط

تثبت سنن التاريخ وقوانين الصراع الاستراتيجي أن الغفلة عن العدو، أو الركون إلى سكون جبهاته المؤقّت، هو أولى خطوات الهزيمة. وفي تاريخ الحروب، تظل اليقظة الدائمة هي الدرع الواقي والضمانة الوحيدة للبقاء؛ فالخصم لا يترك السلاح وإن تظاهر بالانكفاء.
في أدبيات الصراع الاستراتيجي المعاصر، يُطرح التساؤل دائماً حول سر استمرار الجهوزية العسكرية واللوجستية الفائقة لجبهات المقاومة، وتحديداً في لبنان، حتى في أحلك ظروف التهدئة الحذرة، أو عند الحديث عن مساعٍ لتسويات تفرضها القوى الدولية. إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تنفصل عن عقيدة أمنية تراثية متجذّرة في العقل الإسلامي الشرقي (عربي / أعجمي)، تفرّق بصرامة بين المظهر السياسي المؤقّت والجوهر العدائي الثابت للخصوم.

ولكن، كيف يُقرأ الانكفاء الدبلوماسي للعدو أو إظهاره لمرونة سياسية مرحلية؟
لقد صاغ القرآن الكريم العقيدة الأمنية والعسكرية للمؤمنين على قاعدة الترقّب الدائم؛ فلم يجز للاستغراق الروحي في أقدس العبادات أن يحجب العين عن مناورات الخصم. بل إن الشارع الحكيم شرع للمقاتلين رخصة اختصار الصلاة وتقسيم الجيش إلى طائفتين تتبادلان الحراسة تفادياً لأي غفلة طارئة قد يستغلّها المتربّصون؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}.

إنّها الرؤية الإلهية الحاكمة التي تكشف طبيعة العدو؛ فهو لا ينتظر نهاية الصراع، بل يرصد لحظة غفلة عارضة، أو استرخاء مؤقتاً لتقصير الصلاة والانشغال عنها، لينقضّ بقوته الضاربة ("ميلة واحدة") ليحسم المعركة لصالحه.
هذه اليقظة تحوّلت إلى مبدأ ميداني ثابت في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مستنهضاً الهمم بعبارة سارت مسار القوانين العسكرية القطعية: "وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ". فنوم أحد الأطراف في خندقه تراجعاً أو ركوناً لمهادنة عابرة، لا يلغي يقظة خصمه المستمرة في نسج مخططات الإطباق والسيطرة في الخفاء.

يتلاقى هذا الفكر الاستراتيجي مع خلاصات الأدب السلطاني وحكم الحضارات القديمة، مثل ما يُنسب إلى ملك الفرس كسرى أنوشروان: "لَا تَنَمْ عَنْ عَدُوٍّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوٍّ تَائِبٍ؛ فَإِنَّ المَاءَ وَإِنْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ". وهي حكمة عالجتها ألسنة الحكماء وتوزّعت في نصوص متعدّدة تؤكد أن التراجع الجغرافي للعدو أو تغييره لتكتيكاته، أو حتى إظهاره الرغبة في التهدئة والتسوية ("التوبة السياسية")، لا يعني سقوط عدائه، بل قد يكون مجرّد مناورة لإعادة تموضع قواته واستجماع عناصر قوته.
لو فككنا العبارة الكسروية: «لَا تَنَمْ عَنْ عَدُوِّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوِّ تَائِبٍ»، نجد أنها صياغة تضرب بجذورها في نصيحة الحكماء الواردة في كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ (ص 47): «وقالت الحكماء: لا تنم عن عدوك، فإنه غير نائم عنك، ولا تتغافل عنه، فإنه غير متغافل عن تتبّع عثراتك».

أمّا الضلع الآخر المتعلق بالحذر من "العدو التائب" والمصالح، فيتجاوز حدود الموعظة وتفكّكه أقدم وثيقة سياسية في المشرق؛ إذ يرجع أصل هذا المفهوم إلى الحوار المفصلي الوارد في كتاب كليلة ودمنة (باب الحمامة المطوقة، ص 181)، حيث يعري النص حقيقة "طلب المصادقة" الطارئ بين الخصوم التاريخيين حين قال الغراب: «إني أريد مصادقتك»، فجاءه ردّ الجرذ الحاسم ليكشف وهم هذه اللعبة الدبلوماسية:

«لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ تَوَاصُلٌ، وَإِنَّمَا العَاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَيَتْرُكَ التِمَاسَ مَا لَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَإِنَّمَا أَنْتَ الآكِلُ، وَأَنَا طَعَامٌ لَكَ... إِنَّ أَشَدَّ العَدَاوَةِ عَدَاوَةُ الجَوْهَرِ... فَإِنَّ العَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَنَا لَيْسَتْ تَضُرُّكَ، وَإِنَّمَا ضَرَرُهَا عَائِدٌ عَلَيَّ: فَإِنَّ المَاءَ لَوْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا».

والمقصود بعداوة الجوهر: تلك العداوة التي لا تتبدّل بتغيّر الظروف السياسية، بل تتخذ أشكالاً تكتيكية مختلفة دون أن تمسّ بنيتها الأصلية.
هذا الفكر البنيوي نقله محمد بن حسين اليمني في كتابه "مضاهاة أمثال كليلة ودمنة" (ص 15، 30) كقاعدة عسكرية صارمة تؤكد أن صلح عداوة الجوهر لا يكون «إلا ريثما ينتكث»، موضحاً فلسفة زوال العلة السياسية بقوله: «من كان أصل أمره عداوة ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك كان صاحبه جديراً بالاحتراس منه لأنه إذا بلغ حاجته عاد إلى أصل أمره كالماء الذي يسخن بالنار فإذا أُبْعد عنها عاد إلى البرودة».

ولا تقف حدود الحكمة التراثية عند حدود التذكير والتنبيه، بل إن استعارة "الماء والنار" التراثية المستقاة من أدبيات السياسة القديمة تضع يدها على أعمق ركائز العقيدة الاستراتيجية المعاصرة لـ"محور المقاومة"، وتحديداً في الرؤية التي تحرّك العقل السياسي والجهادي في طهران وجبهات المواجهة المتقدّمة؛ حيث يُنظر إلى التسويات الدبلوماسية والهدنات المفروضة دولياً كحالة من "إسخان الماء" الذي لا يغيّر من حقيقة طبعه العدائي شيئاً، فما إن تلوح الفرصة الميدانية حتى يعود الخصم إلى طبيعته الأصلية في محاولة إطفاء جذوة القوة الحرّة في المنطقة. ومن هنا، يصبح "أرق الحرب" هو اليقين الثابت الذي يمنع المحور من الانخداع بأوراق التهدئة، أو الركون إلى مبادرات التسوية المخادعة.

هذه التخاريج التراثية الصارمة تمثّل، بلا ريب، العقيدة الأمنية الحاكمة التي تفسّر حركة العقل السياسي والجهادي في طهران وجبهة المقاومة في لبنان اليوم:
أولاً- إيران وإحباط مناورات "العدو الغائب": تدرك إيران أن الانكفاء الجغرافي للمشروع الأميركي في بعض الساحات، أو لجوءه إلى طاولات المفاوضات والاتفاقات المرحلية (كالاتفاق النووي سابقاً)، ليس إلا "غياباً تكتيكياً" يخفي رصداً وبناءً لقدرات الخصم البديلة. وبناءً على قاعدة "لا تنم عن عدوك فإنه غير نائم عنك"، تقابل طهران هذا الغياب بمواصلة تدعيم الترسانة الردعية وحماية الخطوط اللوجستية دون أي غفلة مرحلية.

ثانياً- جبهة لبنان ونفي الأمان لـ"العدو التائب": يبرز التطبيق الأعمق لفلسفة "الماء الساخن" وحوار (الآكل والطعام) في جبهة لبنان في تعاملها مع الأوراق الدبلوماسية ومشاريع التهدئة؛ فالعداوة الصهيونية للمقاومة هي "عداوة جوهر وبنية وجودية"، والكيان في تركيبته يرى نفسه "الآكل" ويريد المنطقة "طعاماً" له.

المبادرات الأميركية والوعود الدولية بالسلام ما هي إلا عملية "إسخان للماء"؛ أي تبديل مؤقّت ومخادع لدرجات الحرارة السياسية لـ"علة أو حاجة ألجأت العدو إلى ذلك". لكنّ الوعي الجهادي يدرك جازماً أنه ما إن "تزول تلك العلة" ويستجمع الكيان الصهيوني عناصر تفوّقه، حتى "يرجع إلى أصل أمره" ليعود بارداً كطبيعته، ويباشر محاولة "إطفاء" سلاح المقاومة واجتثاث وجودها بالكامل.

بناءً على مفهوم عداوة الجوهر هذا، لم تعد مواجهة "الميلة الواحدة" الغادرة للعدو تُدار بأدوات كلاسيكية؛ بل انتقلت جبهة لبنان ومحور المقاومة إلى صياغة "أرق استراتيجي" من نوع وثيق يتواكب مع ثورة الحرب الحديثة. في هذا السياق، لا تُفهم أدوات الردع المعاصرة إلا بوصفها امتداداً مادياً لهذا الوعي الاستراتيجي. ويتجلّى تفعيل هذا الوعي التراثي ميدانياً اليوم في التطوير المتصاعد لمنظومات المُسيّرات الانقضاضية والاستطلاعية التي تكسر تفوّق العدو الجوي، وزرع شبكات الصواريخ الدقيقة والباليستية القادرة على شلّ عمق الكيان، بالتوازي مع خوض حرب استخبارات تكنولوجية مضادة تضمن مرونة فائقة وبدائل فورية لهياكل القيادة والسيطرة.

إن الخاتمة الحقيقية التي يفرضها هذا التحليل تقودنا إلى مآل جيوسياسي حتمي: إن المحور الأميركي-الإسرائيلي لا يسعى عبر طروحات التهدئة إلى السلام، بل يتحيّن زوال "العلة العسكرية" التي فرضها صمود الميدان ليقضم الجبهة في غفلتها. وضمانة البقاء الوحيدة ليست في الاتفاقيات المكتوبة بمداد الدبلوماسية، بل في إبقاء "نار الجهوزية" التكنولوجية والعسكرية مشتعلة؛ فالماء السياسي الساخن لن يغيّر من طبعه العدائي شيئاً، ولن يكبح جموح "الآكل" سوى يقين "الطعام" بأنه امتلك من السلاح والوعي ما يجعله عصياً على الابتلاع.

* كاتب وحوزوي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك