ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لبنان والدولة المؤجَّلة: في شروط تكوين أمّة لم تكتمل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 6 حزيران 2026
الخط


ليست مشكلة الدولة في لبنان أنّ السلطة فاسدة فحسب، ولا أنّ إدارته العامة ضعيفة، ولا أنّ طبقته السياسية اعتادت تحويل النصوص الدستورية إلى أدوات في المنازعة لا إلى قواعد في الاجتماع. تلك كلّها ظواهر من أزمة أعمق: أزمة تكوّن وطني لم يبلغ تمامه. فالدولة، في معناها الحديث، لا تقوم بمجرد وجود إقليم وسكان وسلطة، بل تقوم حين يتحول السكان إلى جماعة سياسية، وحين تصير الأرض مجالًا مشتركًا للانتماء، وحين يغدو القانون مرجعًا أعلى من العصبية، وحين تحتكر السلطة العامة حق القرار باسم المصلحة الوطنية لا باسم الحصص والولاءات. فأين لبنان من ذلك كله؟ وهل تكفي صفة «الوطن النهائي»، كما يقررها الدستور، لكي يصير الوطن نهائيًا في الوعي السياسي للجماعات؟ أم أن النص الدستوري يظل إعلانًا عن غاية لم ينجزها الاجتماع اللبناني بعد؟

يتنازع اللبنانيين خلافٌ يتجاوز السياسة إلى المعنى. إنهم لا يختلفون فقط على الحكومات والرئاسات والبرامج، بل على التاريخ والهوية والعدو والصديق ووظيفة الدولة وموقع لبنان من محيطه والعالم. في مجتمعات سياسية كثيرة يدور الصراع داخل إطار وطني مستقر، أما في لبنان، فكثيرًا ما يكون الإطار نفسه محل منازعة. هل لبنان عربي أم متوسطي؟ مشرقي أم غربي؟ وطن حياد أم وطن مقاومة؟ كيان نهائي أم ساحة عبور بين محاور؟ إنّ كثرة الأسئلة هنا لا تدل على ثراء فكري بقدر ما تكشف هشاشة التعاقد الوطني. ذلك أنّ الأمم لا تُبنى بإلغاء الاختلاف، ولكنها لا تقوم أيضًا إذا تحوّل كل اختلاف إلى نقض للأصل الجامع.

أول مظاهر هذه المعضلة انقسام الذاكرة. فاللبنانيون لا يملكون رواية مشتركة عن تاريخهم الحديث. الحرب الأهلية، مثلًا، ليست حدثًا واحدًا في الوعي العام، بل حروب كثيرة تتجاور في الذاكرات الطائفية. لكل جماعة شهداؤها وضحاياها وخوفها وخيانتها المؤسسة وبطلها الخاص. وما تسميه جماعة مقاومة قد تسميه أخرى مغامرة، وما تعدّه جماعة دفاعًا عن السيادة قد تراه أخرى استدعاءً للخارج. لا يعني ذلك أن تُفرض رواية واحدة بالقسر، ولا أن تُمحى الفوارق بين الجلاد والضحية، بل يعني أن الدولة لا تقوم إذا بقي التاريخ المنزلي أقوى من التاريخ الوطني، وإذا بقيت المدرسة عاجزة عن إنتاج ذاكرة مسؤولة تعترف بالجراح ولا تورثها كبرنامج سياسي دائم.

لقد خرج لبنان من الحرب الأهلية بتسوية سلطة لا بمصالحة وطنية. جرى العفو عن الجرائم، لكن لم تُبنَ حقيقة مشتركة. أُعيد توزيع المواقع، لكن لم تُرمم الثقة. انتقل أمراء الحرب إلى المؤسسات، وانتقلت خطوط التماس من الشوارع إلى الإدارات والإعلام والذاكرة. لذلك بقي اللبناني يرى الدولة بعين الارتياب: دولتي أم دولة خصمي تحميني أم تستخدم القانون عليّ، تعبر عن الاجتماع الوطني أم عن ميزان قوى عابر. وحين لا تكون الدولة موضع ثقة، يعود كل فرد إلى جماعته، وكل جماعة إلى زعيمها، وكل زعيم إلى راعٍ خارجي أو داخلي يحمي حصته.

المظهر الثاني هو انقسام الهوية والانتماء. التعدد في ذاته، ليس آفة. بل إنّ لبنان، لو امتلك دولة عادلة، كان يمكن أن يجعل من تعدده رصيدًا حضاريًا وسياسيًا. غير أنّ التعدد حين لا ينتظم في عقد وطني يتحول إلى تنازع ولاءات. لا تعود الهوية فضاءً رحبًا تتجاور فيه العروبة والمشرقية والمتوسطية والدين والثقافة والخصوصيات المحلية، بل تصبح كل هوية مشروعًا لامتلاك لبنان أو تعريفه على صورة جماعة بعينها. هكذا يريد كل فريق لبنان الذي يشبهه وحده: لبنان الحياد، لبنان المقاومة، لبنان الغرب، لبنان العروبة، لبنان السوق، لبنان الرسالة، لبنان الجبل، لبنان الجنوب، لبنان العاصمة. وليس أخطر على الوطن من أن تغدو كل جماعة تعريفًا كاملًا له، وأن لا يبقى لبنان إلا مجموع تعريفات متخاصمة.

آليات كثيرة تحتاجها الدولة الطبيعية في بلد مثل لبنان، فيها التنازلات وفيها التسويات وفيها البحث عن استقلال حقيقي عن الخارج


لا يكون علاج هذا الخلل بتجريد اللبنانيين من انتماءاتهم. فالوطنيّة لا تُبنى على تصحير الذاكرات ولا على مطالبة الناس بأن يكفّوا عن كونهم ما هم عليه دينيًا أو ثقافيًا أو وجدانيًا. إنما تُبنى بإعادة ترتيب الانتماءات داخل سلم أعلى: لا انتماء فوق المصلحة الوطنية، ولا ذاكرة تخوّل صاحبها احتكار الدولة، ولا علاقة خارجية تبيح الاستقواء على الداخل، ولا خوف جماعياً يبرر تعطيل المؤسسات. بهذا المعنى، لا تكون الأمة إلغاءً للطوائف، بل تحريرًا للسياسة من أسر الطوائف. ولا تكون المواطنة محوًا للجماعات، بل منعًا للجماعات من أن تصير بديلًا من الدولة.

المظهر الثالث أن الأرض اللبنانية لم تصبح، في الوجدان السياسي، أرضًا مشتركة لجميع اللبنانيين. الخريطة واحدة، أما الشعور بها، فمتشظٍّ. مناطق كثيرة تُقرأ بوصفها امتدادًا لطائفة أو حزب أو زعيم أو محور. الجنوب يُحصر في جماعة، والجبل في ذاكرة، والشمال في عصبية، والبقاع في هامش، وبيروت في مركز متنازع عليه. وحين لا يشعر اللبناني بأن كل الأرض له، لا يشعر بأن كل الناس شعبه. من هنا يصبح الاعتداء على منطقة شأنًا خاصًا بأهلها، ويصبح حرمان الأطراف مسألة محلية لا جرحًا وطنيًا. وهذه من أخطر علامات فشل الدولة: أن تتحول الجغرافيا إلى إقطاعات نفسية وسياسية.

الدولة التي لا تزور الأطراف إلا أمنيًا أو انتخابيًا لا تصنع مواطنين، بل تصنع تابعين. الإنماء شرط من شروط بناء الأمة. الطرق، المدارس، المستشفيات، الجامعة الوطنية، النقل العام، الكهرباء، المياه، الإنترنت، البلديات، الإدارات المحلية: هذه كلها أدوات في صناعة الانتماء. حين يشعر ابن عكار أو الهرمل أو مرجعيون أو طرابلس أو الشوف أن حقه لا يمر عبر الزعيم، تبدأ الأرض في الخروج من ملكية الطائفة إلى ملكية الوطن.

أما المظهر الرابع، فهو أن السلطة في لبنان محاصصة خارجية أيضاً. والخارج يوزع النفوذ من فوقها وحولها. وراء كل موقع يوجد توازن طائفي وامتداد مالي ورهان إقليمي وحساب دولي. لهذا لا تُدار الدولة اللبنانية من داخلها وحده. القرار مفتوح على السفارات والعواصم والمانحين والمصارف والمحاور والعقوبات. غير أن الخارج لا يدخل إلا لأن الداخل مفتوح. السفارة لا تخلق الخوف الطائفي، لكنها تستثمره. والدولة الإقليمية لا تصنع الزعيم المحلي، لكنها تستخدم حاجته. ومقاومة الخارج تحتاج عدالة في التمثيل، قضاء مستقلاً، اقتصاداً أقل تبعية، أحزاباً شفافة التمويل، وجيشاً قادراً، وثقة وطنية تمنع كل جماعة من طلب الحماية خارج الدولة.

كيف يمكن، إذن، بناء دولة لبنانية واحدة في اجتماع كهذا؟

لنعترف بالانقسام من غير أن نقدسه. اللبنانيون ليسوا موحدين، وهذه حقيقة لا فضيحة. لكنهم يستطيعون أن يتفقوا على قواعد لإدارة اختلافهم. فالأمة لا تعني وحدة الرأي، بل وحدة المصير السياسي. والمطلوب ليس أن تتشابه الجماعات، بل أن تقبل كلها مرجعية واحدة أعلى من عصبياتها: الدستور، القانون، المصلحة العامة، والسيادة الوطنية. ولا بد من تاريخ مدرسي لا يمحو الخلاف، ولكنه يمنع تحويله إلى أحقاد موروثة. لا جماعة تحتكر البطولة، ولا جماعة تختصر الخيانة، ولا حرب أهلية يمكن أن تنتهي إن بقيت تُدرّس في البيوت كأنها وصية ثأر. المدرسة هنا ليست جهاز تعليم فقط.

ويصبح الفرد مواطنًا حين يجد الدولة في المستشفى والمدرسة والقضاء والوظيفة والضمان والطريق والجامعة. إذا كان العلاج للطائفة، والمنحة للزعيم، والعمل للواسطة، والأمن للحزب، فلا عجب أن يسبق الولاء الأهلي الولاء الوطني. لا تُصنع الأمة من الخطابة، بل من عدالة تُختبر يوميًا.

أما تحرير الدولة من المحاصصة، فله طريقه عبر إلغاء الطائفية السياسية كهدف دستوري، لكن لا يتم الأمر بانقلاب لفظي يخيف الجماعات، ولا بإدامة نظام يجعلها سجينة زعمائها. بل عبر مسار يوفر ضمانات للجماعات في مجلس شيوخ، وتمثيل سياسي وطني يتخفف تدريجيًا من القيد الطائفي، وقانون أحزاب شفاف، وتمويل سياسي مراقب، وقضاء دستوري وإداري قادر على وقف المحاصصة المقنّعة. فالطوائف لا تُطمأن بأن تبقى مالكة للدولة، بل بأن لا تخاف من دولة لا تملكها.

ثم هناك حاجة إلى إعادة تعريف السيادة بوصفها قدرة لا شعارًا. لا سيادة لدولة بلا اقتصاد، ولا لدولة بلا قضاء، ولا لدولة بلا جيش قادر، ولا لدولة تستدين رواتبها، ولا لدولة يشتري الخارج قرارها. السيادة ليست حيادًا لفظيًا ولا مقاومة لفظية؛ إنها بناء قدرة وطنية على الحماية والقرار. من هنا لا بد من عقد دفاعي وطني يخرج من الابتزاز المتبادل: لا تكون الدولة أداة لنزع عناصر القوة من لبنان، ولا تبقى عناصر القوة خارج أفق الدولة إلى الأبد. تلك معادلة صعبة، ولكن لا دولة من دونها.

الأمة اللبنانية، بهذا المعنى، ليست معطى جاهزًا بل مهمة تاريخية. اللبنانيون موجودون، لكنهم لم يصيروا بعد جماعة سياسية واحدة كاملة. تجمعهم الجغرافيا واللغة اليومية والمصالح والاغتراب والخوف من الانهيار، وتفرقهم الطائفية والذاكرات والخارج والاقتصاد الريعي. لذلك لا بد من الحذر من وهمين: وهم أن لبنان يستحيل أن يكون دولة، وهو استسلام يتزيّا بلباس الواقعية؛ ووهم أن الدولة تقوم بخطاب وطني جميل، وهو سذاجة تتزيّا بلباس الأمل. بينهما طريق أصعب: بناء الدولة الممكنة، دولة لا تلغي التعدد بل تنظمه، لا تخاف من قوة المجتمع بل تؤطرها، لا تكون محاصصة بين الداخل والخارج بل عقدًا بين المواطنين.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك