حين يبدأ أمن تركيا من بيروت: فرصة لبنانية لا بد من التقاطها

لم يكن كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن أن أمن تركيا يبدأ من بيروت ودمشق وحلب، مجرد عبارة خطابية في سياق سجال عابر مع إسرائيل. فالعبارة، بما تحمله من دلالة جغرافية وسياسية وأمنية، تنقل لبنان من موقع البلد المتروك وحده في مواجهة العدوان الإسرائيلي إلى موقع آخر: موقع العقدة المتقدمة في أمن إقليمي أوسع، لم تعد تركيا قادرة على النظر إليه من بعيد أو التعامل معه كملف عربي داخلي.
الأهمية الأولى لهذا الكلام أنه يصدر عن دولة إقليمية كبرى، لا عن طرف هامشي في المعادلة. تركيا ليست دولة مجاورة بالمعنى الجغرافي المباشر للبنان، لكنها دولة حاضرة في سوريا والعراق وشرق المتوسط، وتمتلك جيشاً كبيراً، واقتصاداً واسعاً، وشبكة علاقات متداخلة مع الغرب وروسيا والعالم الإسلامي. لذلك، حين تقول أنقرة إن العدوان الإسرائيلي على لبنان وسوريا يمس أمنها القومي، فهي لا تكتفي بإعلان موقف تضامني، بل تعيد تعريف مجال أمنها الحيوي.
هذا التحول يجب أن يُقرأ في لبنان بعناية. فمنذ سنوات طويلة، كان لبنان، (وخصوصاً المقاومة) يتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. الدعم الإيراني كان ولا يزال أساسياً في معادلة الردع. لكن التحولات الكبرى في المنطقة تجعل من الخطأ حصر خيارات لبنان في دائرة واحدة، مهما بلغت أهميتها. فالمقاومة التي أثبتت قدرتها على الصمود والردع تحتاج، في المرحلة المقبلة، إلى توسيع هامشها السياسي والدبلوماسي، وإلى تحويل صمودها الميداني إلى شبكة أوسع من الحماية الإقليمية.
من هنا تأتي أهمية الانفتاح التركي. فتركيا لا تنطلق بالضرورة من موقع أيديولوجي مطابق لموقع المقاومة في لبنان، ولا من حسابات استراتيجية مماثلة تماماً لحسابات طهران أو قوى محور المقاومة. لكنها تلتقي مع لبنان، في هذه اللحظة، عند نقطة مركزية: رفض التمدد الإسرائيلي بوصفه تهديداً مباشراً لتوازنات المنطقة. وهذا الالتقاء، إن أُحسن التعامل معه، يمكن أن يفتح أمام لبنان والمقاومة باباً جديداً في إدارة الصراع.
إسرائيل، منذ عدوانها الأخير على لبنان وغزة وسوريا، لم تعد تتصرف كدولة تبحث عن أمن حدودها، بل كقوة تحاول فرض نظام إقليمي جديد بالقوة. وهي تتعامل مع المشرق العربي بوصفه مجالاً مفتوحاً للضرب والاغتيال والتدمير وإعادة تشكيل الموازين. هنا بالضبط تشعر تركيا بالخطر. فإسرائيل التي تضرب في لبنان وسوريا اليوم، وتعيد رسم قواعد الاشتباك في المشرق، تقترب عملياً من المجال الذي تعتبره أنقرة جزءاً من أمنها القومي.
لذلك إن تصريح أردوغان لا يخص لبنان وحده، ولا سوريا وحدها، بل يشير إلى إدراك تركي متزايد بأن المشروع الإسرائيلي لم يعد محصوراً بفلسطين. إنه مشروع تمدد سياسي وأمني واستخباري، يضغط على كل القوى الإقليمية غير الخاضعة كلياً للمنطق الأميركي ـ الإسرائيلي. ومن الطبيعي، في هذه الحال، أن تلتقي مصالح قوى مختلفة، حتى وإن لم تكن متطابقة في كل الملفات.
المقاومة في لبنان معنية بأن تقرأ هذا التطور لا بوصفه وعداً مجانياً، ولا بوصفه انتقالاً آلياً لتركيا إلى موقع الحليف الكامل، بل بوصفه فرصة سياسية قابلة للبناء. فالتحالفات في السياسة لا تقوم دائماً على التطابق الكامل، بل كثيراً ما تنشأ من تقاطع المصالح في مواجهة خطر مشترك. والخطر الإسرائيلي، في هذه اللحظة، يتقدم بوصفه القاسم المشترك بين لبنان وتركيا وسوريا والعراق وإيران، وحتى بين قوى عربية وإسلامية أخرى تشعر بأن إسرائيل تتصرف كقوة منفلتة من أي قيد.
غير أن تحويل التصريح التركي إلى فرصة يحتاج إلى عمل لبناني جاد. لا يكفي الترحيب الإعلامي بالكلام، ولا استهلاكه في خطابات التعبئة. المطلوب أن يتحول إلى مسار سياسي: تواصل لبناني أوسع مع أنقرة، قراءة دقيقة لمصالح تركيا، فتح قنوات حوار غير صدامية، ومحاولة بناء مساحة مشتركة حول عنوان واضح هو منع إسرائيل من تحويل لبنان وسوريا إلى ساحة مفتوحة لاعتداءاتها.
المقاومة أمام تحدٍّ لقراءة اللحظة الإقليمية، بما يعزز تحالفاتها في الإقليم في سياق مواجهة المشروع الإسرائيلي
وهنا تقع مسؤولية خاصة على المقاومة، بما تمثله من قوة ردع فعلية في لبنان، ويمكن أن تكون طرفاً مبادراً في صياغة علاقة جديدة مع تركيا، لا تقوم على الارتهان ولا على التبعية، بل على تبادل المصالح. فتركيا تحتاج إلى قوى فاعلة وقادرة على كبح الاندفاعة الإسرائيلية في المشرق، ولبنان يحتاج إلى ظهير إقليمي أوسع يمنع عزله واستفراده. بين هاتين الحاجتين يمكن أن تنشأ معادلة جديدة.
طبعاً، لا ينبغي المبالغة أو بناء أوهام. تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها علاقات اقتصادية وسياسية متشابكة مع الغرب، وتدير سياستها الخارجية بمنطق براغماتي واضح. كما أن علاقاتها السابقة مع إسرائيل لم تكن هامشية. لكن السياسة لا تُقرأ من ماضي العلاقات وحده، بل من تغير المصالح والتهديدات. وإذا كانت أنقرة ترى اليوم أن العدوان الإسرائيلي على لبنان وسوريا يهدد أمنها، فهذا يعني أن شيئاً عميقاً يتغير في الحساب التركي.
كما أن لبنان لا يستطيع أن ينتظر موقفاً تركياً جاهزاً ونهائياً. الدول لا تمنح التحالفات مجاناً، بل تستجيب عندما تجد أمامها طرفاً يعرف ماذا يريد، ويحسن إدارة التوازنات، ويملك رؤية تتجاوز الانفعال اللحظي. لذلك إن المطلوب لبنانياً هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل: من تلقي المواقف إلى صناعة الفرص.
في هذا السياق، يمكن للبنان أن يستفيد من تركيا في أكثر من مستوى. سياسياً، تستطيع أنقرة أن تشكل ثقلاً إضافياً في مواجهة محاولات تبرير العدوان الإسرائيلي دولياً. دبلوماسياً، يمكنها أن تفتح نافذة في المنظمات الإسلامية والدولية لإعادة طرح الاعتداءات الإسرائيلية بوصفها تهديداً إقليمياً عاماً. اقتصادياً، يمكن أن يكون الانفتاح التركي مدخلاً لتخفيف عزلة لبنان. وأمنياً، يكفي أن تشعر إسرائيل بأن لبنان لم يعد وحده، وأن أي عدوان واسع عليه ستكون له ارتدادات إقليمية، حتى يتغير جزء من حساباتها.
لكن الأهم من ذلك كله أن الكلام التركي يعيد الاعتبار إلى فكرة أساسية: أن لبنان ليس جزيرة صغيرة معزولة، وأن العدوان عليه ليس شأناً لبنانياً داخلياً. أمن لبنان متصل بأمن المشرق، وأمن المشرق متصل بتوازنات تركيا وإيران والعراق وسوريا وفلسطين. وحين يتغير موقع لبنان في إدراك الدول الكبرى في المنطقة، تتغير معه إمكانات الصراع وحدوده.
لقد اعتادت إسرائيل أن تستفيد من عزلة لبنان ومن انقساماته الداخلية ومن تردد كثير من الدول العربية في تبني موقف واضح ضد عدوانها. لكن دخول تركيا، ولو خطابياً في المرحلة الأولى، إلى دائرة اعتبار لبنان جزءاً من أمنها، يضع أمام إسرائيل معادلة مختلفة. فالمعركة لم تعد بين دولة معتدية وبلد صغير منهك فقط، بل بين مشروع إسرائيلي توسعي وقوى إقليمية بدأت تدرك أن السكوت عن هذا المشروع سيرتد عليها لاحقاً.
يجب أن يؤخذ كلام أردوغان بجدية، لا بوصفه نهاية مسار، بل بوصفه بدايته. ولبنان بحاجة إلى كل سند في مواجهة العدو. والمقاومة، التي أثبتت أن الردع لا يصنعه الضعفاء ولا المترددون، تحتاج أيضاً إلى عقل سياسي واسع يعرف كيف يحوّل تبدل المواقف الإقليمية إلى مكاسب استراتيجية. وإذا كان أمن تركيا يبدأ من بيروت، كما قال رئيسها، فعلى بيروت أن تدرك أن أمنها أيضاً يبدأ من حسن قراءة هذه اللحظة، ومن تحويلها إلى فرصة، لا إلى مجرد خبر عابر في نشرات السياسة.
