ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الخلاص القُطري والخلاص الفردي: وجهان لوهمٍ واحد

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
غسان بن خليفة
غسان بن خليفة
الخميس 18 حزيران 2026
الخط

في تعليقهم على الحروب المستمرّة في منطقتنا منذ قرابة سنتين ونصف سنة، لا يتوقّف مسؤولو الأنظمة، من لبنان والعراق إلى بقية الدول العربية، عن ترديد لازمة «الحياد» و«النأي بالنفس» و«حفظ استقرار البلد» و«تجنيب الشعوب ويلات الحروب»، إلخ. وللمفارقة، فإنّ الدول الوحيدة التي لا تمارس اليوم «الاكتفاء بالشأن الداخلي»، ليست تلك التي كانت ترفع في الماضي لواء «الدفاع عن فلسطين» و«المصير العربي المشترك» (مصر، العراق، سوريا، الجزائر،...)، بل تلك التي اختارت أنظمتها الانضمام إلى معسكر الأعداء بشكل واضح ومباشر تقريباً (الإمارات، السعودية، الأردن، المغرب،...). فهي لا تكتفي بخدمة مخططات الهيمنة داخل حدودها، بل تشارك في تنفيذها في ساحات عربية أخرى أيضاً.

هذا الوهم بإمكانية «الخلاص القُطري»، الذي بات مستشرياً في سياسات الدول العربية، هو الوجه الآخر لوهم «الخلاص الفردي» المنتشر على مستوى الأفراد في مجتمعاتنا. وليس من قبيل الصدفة أن ينتشرا معاً، وأن يجدا حواضنهما الاجتماعية الأساسية داخل الطبقات الوسطى والعليا المندمجة، بدرجات متفاوتة، في الاقتصاد الرأسمالي المعولم.

فالفرد الذي يتخيّل أنّ بإمكانه حلّ مشكلاته عبر دفع الرشى أو الاكتفاء بالنجاح المهني الشخصي أو الانسحاب إلى عالمه الخاص، من دون تغيير الظروف البنيوية المُنتِجة لتلك المشكلات، هو الوجه الآخر للدولة التي تتخيّل أنّ بإمكانها تحقيق الاستقرار والازدهار داخل حدودها، بمعزلٍ عن مصير محيطها العربي والإقليمي. في الحالتين، تقوم الفكرة على الوهم نفسه: تخيّل إمكانية تحصيل موقع أفضل داخل منظومة الهيمنة، عوض السعي إلى تجاوزها. ولعلّ أحد أبرز أدوات زرع هذا الوهم هو الترويج لـ«قصص النجاح». فمثلما يروّج الإعلام البورجوازي لقصص نجاح فرديّة يفترض أن تُلهِم أبناء الفقراء، يسوّق كذلك لـ«نموذج دبي» كمثال يُقتَدى لبقية الدول العربية. ولا يهمّ ما يختفي وراء هذه «النجاحات» من قصص نهبٍ وظلمٍ وخيانة.

هذا الوهم هو في الأساس مُنتَج أيديولوجي نيوليبرالي وقع ترسيخه طيلة العقود الأخيرة عبر أدوات الهيمنة الثقافية من تعليمٍ وإعلامٍ، وكذلك عبر إعادة تشكيل عقيدة الجيوش واستمرار تجزئة السوق القومية وغيرها. وهو يروّج لإمكانية التمتّع ببعض محاسن الحياة تحت بِسطار الاستعمار المباشر أو غير المباشر والأنظمة المرتبطة به. أي إنّه لا مشكلة في أن تهيمن الولايات المتحدة وحلفاؤها على اقتصاداتنا وقواعدنا العسكرية وسياساتنا التعليمية والطاقية والتجارية، ولا مشكلة في أن تعربد «إسرائيل» في المنطقة وتبيد غزّة وتقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم، طالما أنّ «بلدنا مستقر» و«لسنا في حرب».

الخطورة هي في استشراء هذا الخطاب حتى داخل أوساط محسوبة على اليسار، إذ لم يعد مُستغرباً أن نقرأ ليساريّيين ينتقدون المقاومة لأنّها «لا تراعي اختلال ميزان القوى»، أو يطالبونها بـ«حصر السلاح في يد الدولة»، رغم معرفتهم بمدى عداء هذه الدولة للطبقات الشعبية وعمق تبعيّتها للاستعمار، في محاولة منهم لتجميل استسلامهم الأيديولوجي وتقديمه في صورة عقلانية وواقعية. وذلك بعد أن قرّروا التخلّي عن كلّ ما تعلّموه من دروس من تجارب الثورات ومعارك التحرّر الوطني من الصين إلى فييتنام إلى الجزائر وأميركا اللاتينية وغيرها. غير أنّ المشكلة الأساسية والمُزمنة لأصحاب هذا الخطاب، تتمثّل في عجزهم عن تقديم بديلٍ عمليّ وملموس يتيح لشعوب المنطقة التحرّر من الهيمنة أو حتى الحدّ منها.

الاستعمار في منطقتنا لم يكن يوماً مجموعة احتلالات منفصلة، يمكن لكلّ قطر أن يتخلّص منها بمفرده، بل كان ولا يزال منظومة هيمنة واحدة تستهدف فضاءً جغرافياً واقتصادياً واستراتيجياً مترابطاً


والحال أنّ الموضوع لا يتعلّق باختلاف حول تقدير التكتيكات المناسبة في ظلّ اختلال موازين القوى، بل بفهم طبيعة مهمّة التحرّر الوطني نفسها. فأصحاب هذا الرأي باتوا ينظرون إلى مسألة التحرّر الوطني من زاوية قُطريّة ضيّقة يكادون أن يتطابقوا فيها مع أصحاب الفكر اليميني الشوفيني والانعزالي، الذي تغنّوا بتصدّيهم له في الماضي، ما يستوجب التذكير بأنّ الاستعمار في منطقتنا لم يكن يوماً مجموعة احتلالات منفصلة، يمكن لكلّ قطر أن يتخلّص منها بمفرده، بل كان ولا يزال منظومة هيمنة واحدة تستهدف فضاءً جغرافياً واقتصادياً واستراتيجياً مترابطاً.

ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تتحدّث أجيال التحرّر الوطني العربية عن المصير المشترك والوحدة القومية والثورة العربية والتكامل الاقتصادي والعسكري والعلمي، إذ أدركت شخصيات وتيارات مختلفة، من جمال عبد الناصر وجورج حبش وكمال جنبلاط إلى هواري بومدين ومعمر القذافي وغيرهم، على الرغم من تباين تجاربهم ومرجعياتهم، أنّ معركة التحرّر لا يمكن حسمها داخل حدود سايكس - بيكو ومؤتمر برلين، وأنّ التجزئة ليست مجرّد واقع جغرافي موروث، بل إحدى الأدوات الأساسية التي تضمن استمرار الهيمنة الاستعمارية. ولئن انتهت تلك التجارب إلى الفشل أو الهزيمة أو الاحتواء، لأسباب داخلية وخارجية عديدة، فإنّ ذلك لا ينفي بالضرورة صحّة السؤال الذي انطلقت منه.

وربّما كان أحد أبرز انتصارات الهيمنة خلال العقود الأخيرة – خاصة بعد انهزام الانتفاضات العربية – هو تحويل هذا السؤال من سؤال مركزي في الفكر والسياسة العربيّين إلى ما يشبه التابو الفكري لدى البعض أو الحنين الطوباوي لدى البعض الآخر، رغم أنّ الشروط المادية التي أنتجته لم تختفِ، بل ازدادت حدّة.

ذلك أنّه ليس بالإمكان التفكير جدّياً في نهضة صناعية أو علمية أو تكنولوجية أو عسكرية داخل الإطار القُطري الضيّق الذي ورثناه عن الحقبة الاستعمارية. فغالبية الدول العربية لا تمتلك، منفردةً، الحجم السكاني أو السوق أو الموارد أو القدرات البشرية والتكنولوجية اللازمة لخوض منافسة حقيقية داخل عالم تحكمه الكتل الكبرى، ناهيك عن التصدّي لمخططات الهيمنة الأميركية والصهيونية التي رأينا كيف تُراوِح بين أساليب القوّة «الناعمة» و«الغاشمة» حسب ظروف كلّ مرحلة. ولذلك لم تكن الوحدة أو التكامل العربي، من زاوية معركة التحرّر الوطني، مجرّد حلم رومانسي أو حنين ثقافي، بل ضرورة مادية تفرضها شروط الصراع نفسه.

ومن هذه الزاوية أيضاً، لم تكن فلسطين يوماً قضية خارجية أو مجرّد مسألة تضامن مع شعب شقيق، بل الساحة المركزية للصراع التي يتحدّد فيها مستقبل المنطقة بأسرها. فالهزيمة فيها لا تعني هزيمة الفلسطينيين وحدهم، تماماً كما أنّ الانتصار فيها لا يخصّهم وحدهم. وهو ما ينطبق أيضاً اليوم على مآلات الحرب الأميركية الصهيونية على إيران ولبنان.

وقد كشفت أحداث السنوات الأخيرة، مجدّداً، حدود وهم الخلاص القُطري. فالدول التي اعتقدت أنّ التطبيع «الإبراهيمي» سيحميها، لم تصبح أكثر أمناً. والدول التي ظنّت أنّ الصمت سيُبعِد عنها الحروب، لم تصبح أكثر سيادة. والشعوب التي قيل لها إنّ التخلي عن فلسطين وإبرام «اتفاقيات السلام» مع الصهاينة سيجلبان لها التنمية والرخاء، لم تحصد سوى المزيد من التبعية والتفقير والارتهان للخارج.
لقد جرّبت الأنظمة العربية، طوال عقود، وصَفات الحياد والصمت والتطبيع والانكفاء على «المصالح الوطنية الضيقة».

وكانت النتيجة دائماً مزيداً من التبعية والتفكّك والعجز. أمّا الدرس الذي ما زال كثيرون يرفضون استخلاصه، فهو أنّ ما يبدو قدراً مشتركاً لشعوب المنطقة ليس نتاج الجغرافيا أو الثقافة فحسب، بل كذلك نتيجة خضوعها لمنظومة هيمنة واحدة. ولذلك فإنّ التحرّر، مثل الهيمنة نفسها، لا يمكن أن يكون مُجزّأً. وبالتالي، فإنّ كلّ ما شهدناه من دماء ودمار منذ أطلق مقاومو فلسطين طوفانهم المشروع قبل سنتين ونصف سنة، لا يجب أن يرسّخ في وعينا ما يريده العدوّ من شعور بالعجز وانكفاء للشعوب والأفراد على أنفسهم، بل يجب أن يعزّز قناعتنا بوحدة المصير المشترك لأبناء هذه المنطقة. وهو ما يعني أن نستلهم جميعاً من الصبر الملحمي لغزة الشهيدة ومن الصمود البطولي لإيران والمقاومة الباسلة في لبنان ومن شهامة المقاومين في اليمن والعراق. وهذا ما يجب ترجمته في السياسة بالتأكيد على صوابية مبدأ «وحدة الساحات»، مع ضرورة تحويله من شعار تعبوي إلى برنامج نضال استراتيجي على امتداد المنطقة.

* صحافي من تونس

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك