من بوليفيا إلى إيران: اليسار الأصلاني

حين انقسم حزب «ماس» اليساري الحاكم في بوليفيا بين مؤيّدين للرئيس الجديد لويس آرسي (هو الآن يقبع في السجن) والرئيس السابق إيفو موراليس، كان واضحاً مَنْ هم مؤيّدو الأول: المختلطون عرقياً من سكان المدن الرئيسية والذين لم يرقْ لهم تركيز الرئيس السابق موراليس على موضوع السكان الأصليين؛ كانوا يريدون الحديث عن برامج وعمال والاندماج مع التيارات اليسارية الأميركية التي تمثّلها مجلة «جاكوبين».
في أحد لقاءات موراليس مع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا عَرَض الأخير مساعدة بوليفيا في مجال التخطيط وتأسيس البنية الصناعية، فكان جواب موراليس «باتشاماما لن تَرغب بذلك» («باتشاماما» هي «الأم الطبيعة» في ميثولوجيا السكان الأصليين في منطقة الأنديز)، وكان موراليس يَقصد بذلك تعزيز استقلالية بوليفيا وعدم تعريضها لاحتمال التبعية لقوة كبيرة مثل البرازيل يَعتبرها البعض «دون-إمبريالية». مؤيّدو آرسي كانت تزعجهم تصريحات موراليس هذه. طبعاً سياسات آرسي المناكفة لموراليس أدّت إلى تدمير حزب «ماس» بشكل غير مسبوق في كل أنحاء العالم، رغم أن موراليس هو الذي أتى بآرسي رئيساً حتى حين كان كوادر «ماس» يفضّلون وزير الخارجية السابق دافيد تشوكيهوانكا.
الفكرة هي أنه بعد أزمة 2008 المالية وعودة اليسار الأميركي إلى استخدام اللغة العمالية بدل اللغة الهوياتية، كان هناك هجوم على اليسار الأصلاني في كلّ من إيران وبوليفيا، وبهذا المعنى فإن الهجوم على موراليس من داخل حزب «ماس» ليس شخصانياً كما يَعتقد البعض بل هو هجوم مُمنهج؛ يريد اليسار الأميركي فرْض ماركسية تحليلية لاتاريخانية على كل اليسارات الأخرى حول العالم. الفرق في حالة إيران (التي شَهدتْ منذ عام 2009 مستوى مختلفاً من الهجوم الإمبريالي) أن العداء بدأ قبل وقت طويل. منذ أَظهر ميشال فوكو تأييده للثورة الإسلامية في إيران كانت الأصوات تتّهمه باللاعقلانية والاندفاع وراء أوهام عالم-ثالثية؛ لم يسعَ اليسار الأميركي إلى التواصل مع الثورة الإسلامية في إيران، منذ اللحظة الأولى اعتَبرها ثورة قروسطية متخلّفة، هي والإمبريالية الأميركية والصهيونية سواء.
دولة الرعاية في إيران ما قبل العقوبات الأميركية المُدمّرة قلّما تَشهد مثيلاً لها في ما يُسمى الغرب أو حتى في دول أميركا اللاتينية التي تُعتبَر حكوماتها يسارية؛ التشبيه الأقرب في الحالة الإيرانية هي البيرونية في الأرجنتين؛ الأدبيات الاقتصادية المؤسِّسة للثورة الإسلامية، من الشهيد السيد محمد باقر الصدر وغيره، تَرتكز على فكرة العدالة الاقتصادية والاقتصاد التعاوني والتعاضدي؛ بغضّ النظر عن أنه لم يتمّ تطوير هذه المفاهيم باتجاه أنظمة جديدة، لأسباب شرحناها في مقالات سابقة، إلا أنه يَصعب عدم وصف هذه الأدبيات بأنها غير يسارية. كذلك نمط الحياة المتقشّف لقائد الثورة الإمام الخميني أولاً والقائد الخامنئي ثانياً، هو نمط حياة أكثر يسارية من معظم الشخصيات اليسارية التي نَعرفها.
عدم تسمية الثورة الإسلامية لاقتصادها بأنه يساري يعود إلى أنها أرادتْ أن تَخلق نظرية أصلانية في الاقتصاد. وهذا مرتبط بمجموع الأساطير «الغربية» حول «النهضة الإيطالية»؛ الطريقة التي روّج فيها الغرب للنهضة الإيطالية هي أنه حين تَعود الأمة إلى تراثها فإنه يمكنها الإبداع في الاقتصاد والسياسة والعلوم والفنون (يعني حين يعود البريطاني إلى تراثه اليوناني)؛ أساطير الغرب عن النهضة الإيطالية كان لها أثر كبير في العالمَين الإسلامي والعربي، وفكرة البعث وغيرها تُشير إلى أن الأمر لم يَقتصر على المتديّنين، بل كانت فكرة عامة بأنه يجب العودة إلى التراث من أجل الإبداع مستقبلاً. بالتالي تديّن الثورة في إيران ليس قروسطية، بل هو أحد تردّدات ما قيل عن النهضة الإيطالية في الغرب. وفعلاً كانت هناك محاولات في إيران للعودة إلى نصوص ابن سينا في الطب لاستكشاف ما إذا كان يمكن إيجاد أفكار ملهمة لتصوّرات طبية وابتكارات جديدة.
يريد اليسار الأميركي فرْض ماركسية تحليلية لاتاريخانية على كل اليسارات الأخرى حول العالم
هنا علينا أن نُشير إلى إشكالية أوسع، وهي أن علم الاقتصاد بذاته يَستحيل أن يكون ماركسياً؛ فكرة السوق مركزية فيه، والسوق هو ابتكار يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر؛ لذلك بمجرّد أن اعتمد السوفيات معايير اقتصادية لقياس نجاح اقتصادهم ومقارنته بالاقتصاد الأميركي، كانوا سيصلون إلى حائط مسدود بالضرورة؛ علينا تفكيك مفهوم السوق المؤسِّس لعلم الاقتصاد، وبالتالي تفكيك علم الاقتصاد نفسه أولاً. بالتالي ليس بالضرورة أن تسعى إيران إلى بناء «اقتصاد إسلامي» على اعتبار أن الاقتصاد نفسه قد لا يكون مرغوباً فيه، ولكن هذا لا يَعني أنه ببساطة يمكننا إهمال الاقتصاد، علينا أن نفكّك المفهوم ونَستبدل فاعليته بعناصر وعلوم ومؤسسات أخرى أولاً، وهو ما لم يَحصل لا في إيران ولا في الاتحاد السوفياتي قبلاً. ناهيك عن أن مفهوم "العامل" هو ابتكار من القرن التاسع عشر، واستخدام العبارة بشكل لا-تاريخاني أدّى إلى أن يصبح مديرو الشركات الكبرى الأثرى في العالم "عمال أجراء" يبرهنون على عمالتهم وكدحهم بالعمل 18 ساعة يومياً.
لا بدّ من الإشارة إلى يسارَين، المُختبَر وغير المُختبَر؛ اليسارات المُختبَرة في أميركا اللاتينية كلها تقريباً تَنحو إلى التعاطف مع الجمهورية الإسلامية في إيران؛ الكارثة هي اليسار غير المُختبَر، وعلى رأسه اليسار الأميركي الذي يضع نفسه فوق التجربة، هو «نقد صاف منهجي وأخلاقي»؛ هناك في أميركا اللاتينية الكثير من المجموعات اليسارية الصغيرة التابعة لهذا اليسار الأميركي، وهي تَخطو خَطوَه في أنها لا تريد أصلاً الوصول إلى الحكم لنَعرف ماهية أفكارها في التطبيق؛ يَكفي أن ترى الكيفية التي يديرون فيها أصغر مؤسسة لتَعرف أن طريقة حكمهم لاحقاً ستكون أسوأ بكثير من التجارب الماثلة أمامنا. أحد الناشطين الأميركيين كَتب أخيراً عن أزمة إيغو مستفحلة لدى القيادات في التنظيمات اليسارية الأميركية، ويُفترَض أن يكون واضحاً مآل السلطة التي سيَتسلّمون زمامها.
أشهر مرّتْ على صمود إيران الأسطوري (هل هي مُبالغة وصفه بالأسطوري؟) أمام الهجوم الإمبريالي الأميركي المباشر، هل جَرّبتْ مجالة «جاكوبين» أن تُعيد النظر في قراءتها للثورة الإسلامية في إيران؟ طبعاً لا، هم نقد صافٍ خالٍ من التجربة. تَذهب «جاكوبين» إلى إيران لتَلتقي نخبة طهرانية تتحدّث بلغة الصراع الطبقي، في حين أن هذه النخبة لا علاقة لها بالعمال الإيرانيين لا من قريب ولا من بعيد؛ الأمر نفسه في الولايات المتحدة، إذْ صدعوا رؤوسنا بتمثيل العمال، في حين أن العمال يصوّتون لدونالد ترامب ولا يشاركونهم آراءهم الثقافية. لطالما التقينا باحثين أجانب في لبنان يَأتون إلى شارع الحمرا ليتحدّثوا مع بعض الناشطين الذين لا علاقة لهم بالطبقة العاملة عن جرائم فظيعة يرتكبها حزب الله بحق الطبقة العاملة، ولكنهم لا يجرّبون حتى الحديث مع سائق الفان رقم أربعة القريب منهم؛ الباحث الأجنبي تَحدَّث إلى كاتب في موقع إلكتروني مُموّل سعودياً، وهذا يَكفي لأخذ فكرة وافية عن حال الطبقة العاملة في لبنان.
هناك أزمة عالمية تتمثّل في أن النخب الحواضرية، في المدن الكبرى، بَنَتْ بيئات متشابهة جداً في كل أنحاء العالم، وهي تَعتمد اللغة اليسارية المُعدّلة (طبعاً ليستْ لغة يسار الكفاح المسلّح القديم). لم تكن الأمور على هذه الحال دائماً: سابقاً، ما قبل المرحلة النيوليبرالية وتمييع الخطاب اليساري بألوان جديدة، كانت الحاضرة أو العاصمة تمثّل هوية الأمة، وكانت تسعى عن قصد إلى التطرّف في إبداء الهوية المفارقة باعتبارها استثماراً سياسياً واستراتيجياً بالدرجة الأولى؛ لم يكن الاختلاف في العمارة واللباس والمأكل واللهجة مجرّد نتائج عابرة لديناميات أشمل، كانت مقصودة لتعزيز الهيمنة السياسية للحاضرة، وكانت الأطراف هي التي تُتَّهم بأنها لا تَنتمي إلى الثقافة الوطنية بما يَكفي؛ الحال اليوم هو العكس تماماً، الأطراف هي التي تتبنّى التراث كوسيلة مُحتملة للدفاع عن النفس في مواجهة السياسات النيوليبرالية، فيما نُخب المدن تتشارك لغة عُمل على صياغتها في الحاضرة الإمبريالية؛ هكذا تَأتي «جاكوبين» إلى بوليفيا أو إلى إيران لتتحدّث إلى أشخاص بعينهم يخبرونها ما تريد سماعه كجزء من هويتهم السياسية؛ في النهاية «جاكوبين» نَزلتْ إلى الأرض في لاباز وطهران وتحدّثت مع خوسيه وعلي الأكبر وهما أخبراها بأن ما تكتبه صحيح، ولا داعيَ أن تَكتب «جاكوبين» مقالاً عن أسباب صمود إيران إذا كان العمال والنساء والمثليون والأقليات العرقية كلهم ضد الحكومة الإسلامية (طبعاً بعيداً عن أسطورة «الالتفاف حول العلَم» التي تَبدو كما لو أنها تفسير موازٍ وبديل للديناميات الطبقية التي كانت تتحدّث عنها المجلة قبلاً).
* باحث
