نتنياهو في أميركا: أغلاط الشاطر

لا شك أن بنيامين نتيناهو هو بين رؤساء الدول الأكثر معرفةً بالسياسة الأميركية والمجتمع الأميركي. وهذا ليس مستغرباً من رجلٍ امتلك كل مؤهلات الانتساب إلى النخبة الأميركية، فهو قد أكمل دراسته الثانوية في مدرسة نخبوية خاصة في ضواحي فيلادلفيا وتابع دراسته الجامعية في معهد مساشوسيتس للتكنولوجيا MIT (إحدى أرقى الجامعات التي يتخرج منها أفضل طلاب العلوم والهندسة)، ومن ثم انتقل إلى شركة Boston Consulting Group حيث عمل كمستشار وزامل ميت رومني (الجمهوري—من طائفة المرمون—الذي أصبح في ما بعد حاكماً لولاية ماساشوستس ومن ثم مرشحاً رئاسياً وبعد ذلك عضو مجلس شيوخ عن ولاية يوتاه).
وبالفعل، يشعر مَن يشاهد مقابلات نتنياهو مع الإعلام الأميركي وخطاباته أمام الجمعيات المؤيدة للكيان الصهيوني في أميركا أن لدى هذا السياسي المحنك ملكة مخاطبة الأميركيين. الأمر طبعاً لا يتوقف عند الخطابة، فقد وصل تأثير نتنياهو، الذي عمل كنائب لرئيس البعثة الديبلوماسية لإسرائيل في واشنطن في أوائل ثمانينيات القرن المنصرم ومن بعدها انتقل ليكون سفير الكيان لدى الأمم المتحدة في نيويورك، لحد وصفه من قبل أسعد أبو خليل -أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورينا، ستانيسلاوس- بأنه أكثر من قولب السياسة الأميركية في الشرق الأوسط من الثمانينيات حتى يومنا هذا.
ولكن، وبرغم كل هذا، نسعى في هذه المقالة لإلقاء الضوء على عدة أخطاء، ارتكبها هذا النرجسي، قد يكون لها بالغ التأثير في زعزعة العلاقة بين أميركا وربيبتها إسرائيل.
أولاً: معاداة أوباما
في السنة الثالثة من دراستي الجامعية في أميركا حضرت ندوة نظمتها جمعية الطلبة اليهود (الصهاينة) Hillel مع شخص أذكره باللقب «محامي إسرائيل» ولكن للأسف لا أذكر اسمه (أظنه كان محامي إبستين الشهير ألان ديرشوفيتز). في نهاية تلك الندوة التي سبقت انتخابات عام 2012 (التي ترشح فيها رومني ضد أوباما) سأل أحد التلامذة: مَن هو المرشح الأكثر تأييداً لإسرائيل (أوباما أو رومني) الذي يجب أن نصوت له؟ فكان الجواب: الحزبان يؤيدان إسرائيل بالدرجة نفسها، ويجب أن يبقى الحال كما هو عليه. صوتوا للمرشح الذي تؤيدون على أساس مشروعه الاقتصادي أو مبادئه بما يخص العدالة الاجتماعية (زواج المثليين) ولكن يجب أن نبقي إسرائيل موضع إجماع بين المرشحين.
جرت الانتخابات، ونجح أوباما، وقبيل توقيع الاتفاق النووي مع إيران، حضر نتنياهو ليلقي خطاباً أمام الكونغرس يعلن فيه معارضته للاتفاق النووي. وكلنا نذكر كم مرة قاطع أعضاء الكونغرس الخطاب من كثرة التصفيق والوقوف إجلالاً. وقد مثّل خطاب نتنياهو هذا تحدياً واضحاً (لا بل إهانة) من قبل نتنياهو لأوباما. ومن بعد ذلك قام أوباما بتوقيع الاتفاق النووي بقرار رئاسي دون المرور عبر مجلس الشيوخ (كونه لم يكن ليحصل على الأكثرية عند التصويت).
حسابات نتنياهو هنا كانت كالتالي: أوباما في نهاية ولايته هو بطة عرجاء، والكونغرس تحت أمري، وهيلاري كلينتون (المرشحة لخلافة أوباما) صهيونية محضة، ومن سيترشح عن الحزب الجمهوري سيكون أكثر صهيونية منها. ما غاب عن بال نتنياهو هنا هو أنه في ذلك الخطاب زرع أول بذور الشقاق بينه وبين مؤيدي الحزب الديموقراطي وبين إسرائيل (التي أصبح نتنياهو صورتها في العالم). فباراك أوباما كان ولا يزال إحدى الشخصيات الأكثر شعبيةً لدى مؤيدي الحزب الديموقراطي، وهؤلاء لم يستسيغوا موقف نتنياهو يومها.
ثانياً: التقارب مع ترامب
شكّل فوز دونالد ترامب المفاجئ في ولاياته الأولى صدمةً لدى مؤيدي الحزب الديموقراطي. وكره الديموقراطيين لترامب كان يومها مباركاً من أرباب الشركات العملاقة وقطاع التكنولوجيا وشركات المحاماة والاستشارات... إلخ. الذين اعتبروا أن فوز ترامب أمر عابر ولذلك سيكون من الأفضل أخذ المسافة منه ومن جنونه (الحال ليس كذلك في الولاية الثانية). أمّا نتنياهو (وهو صديق لوالد جاريد كوشنير) فقد استغل علاقة اللوبي الإسرائيلي بترامب (لا سيما الملياردير شيلدون ايدلسون الذي تخلفه اليوم زوجته الإسرائيلية- الأميركية ميريام ايدلسون) لتمرير أجندته بما في ذلك اغتيال الجنرال قاسم سليماني، نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعتراف أميركا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان وانتهاءً بمباركة الحرب على غزة في عام 2021 (عملية «الرصاص المصبوب»).
حسابات نتنياهو هنا كانت بأن تقاربه مع ترامب لن يؤثر على موقف الحزب الديموقراطي من إسرائيل، كون قيادة هذا الحزب مرتهنة بالكامل للوبي إسرائيل في أميركا. وهنا أيضاً تجاهل نتنياهو أنه زاد في تعميق الهوة بين إسرائيل ومؤيدي الحزب الديموقراطي (عندما أصبح نتنياهو أكثر شخص يشغل مقام رئاسة الحكومة الإسرائيلية، أصبحت صورة إسرائيل لدى الناس مرتبطة بالموقف منه).
وفي ظاهر الحال، بدت رهانات نتنياهو رابحة. فعند فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية كان نتنياهو أول من اتصل به ليهنئه. ولم تتأثر العلاقة بين إدارة بايدن (الصهيوني) وإسرائيل بشكل سلبي بسبب قرب نتنياهو من ترامب خلال ولايته المنتهية. ولكن مع بدء الإبادة في غزة بعد السابع من أكتوبر، تبيّن أنّ ما زرعه نتنياهو من فرقة بينه (وبين إسرائيل) وبين مؤيدي الحزب الديموقراطي أصبح هوة يصعب ردمها. وقد أثبتت استطلاعات الرأي أنّ مؤيدي الحزب الديموقراطي هم اليوم أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين من الإسرائيليين، وأن هذا المسار يمشي بوتيرة متصاعدة وباتجاه واحد. صحيح أن قيادة الحزب الديموقراطي لا تزال صهيونية الهوى والعقيدة ولكن الأمور ليست بهذه البساطة. والانتخابات التمهيدية في فيلادلفيا وولاية ماين وانتخاب زهران ممداني —عمدة نيويورك— ما هي سوى دلالات لتغييرٍ ليس في صالح إسرائيل.
وعند كل استحقاق لا بد لنا من العودة إلى نصيحة «محامي إسرائيل»: يجب أن تبقى إسرائيل نقطة الالتقاء بين الحزبين (bipartisan issue). ولو كنا من أنصار إسرائيل في أميركا (لا قدّر الله) لما كنا لنسرّ بما فعله نتنياهو من مسٍّ بالمسلمات/ المقدسات. أي بتحويل إسرائيل إلى مادة خلافية، وأحياناً إلى أحد أهم محاور الاختلاف بين المرشحين. ففي زمن ليس ببعيد كنا نرى المرشحين جميعاً يتنافسون على إثبات حبّهم وولائهم لإسرائيل، أمّا اليوم فقد أصبح تلقي التمويل من اللوبي الصهيوني (وبخاصة «آيباك»، أبرز المنظمات الفاعلة فيه) أمراً محفوفاً بالمخاطر لدى المرشحين في بعض الدوائر.
ثالثاً: الإبادة والحرب على إيران
صحيح أننا كنّا نشاهد في السنوات الأخيرة هجرة مؤيدي الحزب الديموقراطي من موقع المناصر لإسرائيل (التي سُوّقت بشكل إيجابي عبر السنوات لليساريين والليبراليين في الغرب) لموقع المؤيد لحقوق الفلسطينيين، ولكن ما لم يخطر في البال أن تياراً مناهضاً لإسرائيل سينمو في داخل الحزب الجمهوري وتيار «MAGA» بالأخص. وبالفعل، مع وصول صور النقل المباشر للإبادة في غزة، بدأت شخصيات وازنة من المؤثرين في الإعلام البديل ومن تيار «MAGA» بمهاجمة إسرائيل (ومنهم Tucker Carlson وCandice Owen وNick Fuentes وMegyn Kelly، وهؤلاء من الأوزان الثقيلة في اليمين الأميركي)، وقد «ذهبوا بعيداً» في انتقادها. زِد أن هؤلاء لم تهالهم الإبادة فقط، ولكنهم أيضاً من أنصار الفكر الانعزالي الذي يقول بانسحاب أميركا من الشرق الأوسط. وقد استفظعوا جرّ نتنياهو لترامب لشنّ حرب أخرى في الشرق الوسط (هكذا تبدو الأمور من منظورهم).
الخطير هنا بالنسبة لإسرائيل (الأمر الجيّد لنا) أنها بدأت تخسر الجمهوريين بعد أن خسرت الديموقراطيين. والأخطر أن الخسائر ترتفع نسبتها لدى الفئات العمرية الشابّة. تخيّلوا أن إسرائيل تعتمد اليوم على مناصرة الناخبين الذين تزيد أعمارهم عن الستين سنة.
عودة إلى ترامب
مَن يتابع ترامب يلاحظ أنه كمؤيديه لا يكن الكثير من الودّ لليهود كيهود (أي أنه معادٍ للسامية). على سبيل المثال، فإن ترامب يخاطب يهود أميركا ويهود إسرائيل بالجمع. وترامب، أيضاً، قد لا يكن الكثير من الود لبنيامين نتانياهو. فكما أسلفنا: بعد فوز بايدن بالانتخابات، التي لم يعترف ترامب بنتيجتها حتى اليوم، سارع نتنياهو إلى الاتصال ببايدن لتهنئته، الأمر الذي اعتبره ترامب طعنة له. وقد عبر ترامب عن امتعاضه من نتنياهو ليس عبر تقريعه، ولكن عندما عاتب يهود أميركا بأنهم لم يساعدوه في الفوز رغم أنه كان أكثر من قدّم لهم من بين الرؤساء. وهنا تبرز معاداة السامية لديه، فهو يخلط بين موقف يهود أميركا منه وما قدّمه ليهود إسرائيل!
أمّا اليوم ومع ظهور بشائر النتائج المخيبة للحرب الأميركية على إيران، فهناك احتمال (جدّي؟) بأن يقوم ترامب بلوم نتنياهو (أو إسرائيل أو اليهود) على الفشل الحاصل. وهنا معضلة ليست سهلة أمام من خسر الناخبين الديموقراطيين بأغلبيتهم وفئة الشباب في الحزبين وجزءاً لا يستهان به من تيار «MAGA».
في الخلاصة، الفكرة من هذه المقالة ليست القول إن إسرائيل ستخسر أميركا. فأميركا دولة تحكمها أولغارشية أصحاب المليارات. وكل هؤلاء من وول ستريت شرقاً حتى وادي السيليكون غرباً لم يتخلوا عن إسرائيل (بعد؟). ولكن، قد يكون من المناسب اليوم أن نعيد النظر بالصورة التي صنعها (المقامر) نتنياهو لنفسه عندما أقنع الإسرائيليين (والعرب؟) والعالم أنه صانع قرار في أميركا، فيما هو رجل نرجسي يجازف برصيد بناه غيره من الصهاينة حتى أصبحت إسرائيل شأناً داخلياً أميركياً. فلو كان أي منّا (لا قدّر الله) مكان هذا المجرم، هل كنّا لنقامر بمستقبل إسرائيل عبر الخوض بلعبة النرد هذه؟
* محامٍ
