المقاومة… الهوية الثابتة لجبل عامل

في لقاء جمعني مع أحد اﻷصدقاء قبل أيام في مقهى من مقاهي شارع الحمرا في بيروت، وفي خضم كمٍّ من اﻷسئلة الوجودية التي فرضتها، ولا تزال، اﻷحداث المستمرة منذ "طوفان اﻷقصى" إلى اليوم، سألني: هل اﻷولوية اليوم تكمن في العمل على حماية المقاومة، أم على حماية الوجود الشيعي في بلاد الشام، وتحديداً في جنوب لبنان، جبل عامل الذي شكّل تاريخياً الحاضرة الشيعية اﻷبرز في بلاد الشام؟
رغم أنّ إجابتي (المُثقلة بالعاطفة والنوستالجيا) كانت تلقائياً بأن لا معنى لأي وجود لا تكون المقاومة فيه أصلاً يحمي عزّته وكرامته، وأنّ العلاقة مع المقاومة تشبه الفلاح الذي يعرف أنّ عليه أن يزرع أرضه كل عام حتى لو خذلته المواسم، إلا أنّ في السؤال طبعاً ما يبرّره، في ظل الصراع مع عدو لا يتوانى عن ارتكاب إبادات جماعية، وفي ظل البون الشاسع في موازين القوى، وغياب شبه تام للدور العربي واﻹسلامي عموماً.
ولكنّ اﻹجابة على السؤال هذا، تستلزم فهماً أكثر عمقاً لطبيعة التشيّع في جبل عامل، وطبيعة علاقة سكانه مع فكرة المقاومة.
التشيّع في جبل عامل: الثورة واﻷمّة
يتمايز التشيّع في جبل عامل تاريخياً عن قرينيه الصفوي والنجفي، ففيما ذخر اﻷول باﻷبعاد الفلسفية العرفانية الروحية المُشبعة بروح الشرق، وغلب على الثاني البعد الكلامي والفقهي، وُسِم التشيّع العاملي بأبعاد المواجهة والثورة، وفي نسبة أهله تشيّعهم إلى الصحابي أبي ذر الغفاري، وفي القصة الشائعة بينهم عن مقتل يزيد بن معاوية على يد أحد فلاحي هذا الجبل (تقول الرواية الشعبية إن يزيد وفي إحدى رحلات الصيد توقّف لطلب الماء من أحد الفلاحين، وبعد أن عرّفه بنفسه قال له: "أنت قاتل الحسين"، وقتله)، بمعزل عن صحتهما التاريخية إشارة إلى ملامح تكوّن الشخصية الشيعية، وابتعادها عن النظرية القائلة بضرورة انكفاء الشيعة في ظل غيبة إمامهم المعصوم، والبقاء حلس بيوتهم والابتعاد عن التصدّي والمواجهة.
كما لم يرَ الشيعة في جبل عامل أنفسهم يوماً كجماعة مُغلقة متمايزة عن محيطهم من الطوائف اﻹسلامية اﻷخرى، ولم يخوضوا، في كامل تاريخهم، مواجهة واحدة من منطلق خصوصيتهم الشيعية، بل نظروا إلى أنفسهم كجزء من اﻷمّة اﻹسلامية اﻷوسع، قضاياها قضاياهم، وبقاؤهم هو في بقائها، وقوتهم في قوتها.
وعلى ما ذكر الكثير من الشواهد التاريخية، بدءاً من الشهيدين اﻷول والثاني، اللذين عُرفا كفقيهين عملا ودرسا المذاهب الفقهية الأربعة إضافة إلى الفقه الجعفري، مروراً بأولى الثورات العاملية التي سجّلها التاريخ مع الشيخ ناصيف النصار، والذي بنى تحالفاته مع محيطه "السنّي" في مواجهة الظلم العثماني ﻷهل جبل عامل، في ثورة حقوقية بحتة، غابت عنها كل ملامح التمايز الطائفي، إلى تبنّي النخب الشيعية لشخصية جمال الدين اﻷفغاني، الذي حمل لواء التوحيد بين المسلمين (الصفويين والعثمانيين)، وصولاً إلى اندماج نخب جبل عامل في مطلع القرن العشرين في حزب الاتحاد والترقي، حينما وجدوا فيه إمكانيةً لتحصيل حقوقهم دون الوقوف في مواجهة السلطنة، قبل أن تتبيّن سياسات الحزب الطورانية، التي واجهها عبد الكريم الخليل في المشاركة في اللبنات الأولى لتكوين القومية العربية.
وبعد انهيار السلطنة العثمانية، عقب الحرب العالمية اﻷولى، ودخول الانتداب الفرنسي إلى بلاد الشام، وظهور مخططات التقسيم، برز السيد عبد الحسين شرف الدين، كمرجع للعامليين، حيث لم يطالب باستقلال شيعة جبل عامل، وأعلن الولاء للحكومة العربية في دمشق، وفي مؤتمر وادي الحجير، الذي عُقِد برعايته، أقسم العلماء والنخب وقادة المقاومة الشعبية آنذاك على محاربة الانتداب الفرنسي، خيار واجهته السلطات الفرنسية بحملة الكولونيل نيجر على جبل عامل في أيار عام 1920، والتي تسبّبت بحرق عشرات القرى وفرض غرامات على سكانها إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة.
وحتى مع حركة السيد موسى الصدر في ما بعد، كان الشعار الأول "حماية المحرومين"، فكانت حركته "حركة المحرومين" تنطلق من تعزيز الشيعة في لبنان كاستجابة للنظام الطائفي المتكوّن آنذاك، وليس تحدّياً في مواجهة الطوائف اﻷخرى، بمعنى آخر كان الهدف بناء الهوية في مواجهة نظام التحاصص وليس من خصوصية مُغلقة متمايزة.
خلدة 1982: الطلقة كانت أولاً
في حزيران عام 1982، شنّ جيش الاحتلال اﻹسرائيلي حرباً عل لبنان، تمثّل بغزو برّي وصل إلى العاصمة بيروت، وعند تخومها الجنوبية، في منطقة خلدة خرج عدد من الشبان "الشيعة" من أزقة ضواحي بيروت لمواجهته، هناك استهدف أحد هؤلاء (فؤاد شكر الذي صار أحد قادة المقاومة اﻹسلامية في لبنان في ما بعد) دبابة إسرائيلية بقذيفة RPG، وعندما سأله مراسل أجنبي من أنتم، فاحتار في اﻹجابة قبل أن يقول: "نحن الخمينيون".
في تلك الرواية التي يرويها فؤاد شكر نفسه، تظهر كيف أن الخيار اﻷول والدافع كان المقاومة والمواجهة، وكان الانتماء لاحقاً القرار اﻷول، كان الانتماء الحقيقي للجهة التي تبنّت خيار المقاومة ودعمته، وبذلك كانت طلائع الثورة اﻹسلامية اﻷولى إلى لبنان، عناصر من الحرس الثوري أقاموا المعسكرات في البقاع لتدريب المقاومين، وبذلك كان الارتباط الشعبي الشيعي اللبناني باﻹمام الخميني والجمهورية اﻹسلامية، مرتبطاً بخياراته المواجهة للسطوة اﻷميركية والعدوان اﻹسرائيلي والموقف الجذري المرتبط بالقضية الفلسطينية.
وكما كان للسيد عبد الحسين شرف الدين موقفه في نصرة قضية اﻷمة آنذاك برفض الانتداب والتقسيم ونصرة الحكومة العربية، ولو كلّف ذلك خراب جبل عامل، متمايزاً عن الموقف الشيعي التقليدي (عند غير العامليين)، بعدم الخروج في غياب المعصوم، كان موقف المقاومة اﻹسلامية في لبنان عام 2023 في نصرة الشعب الفلسطيني وما يتعرّض له من إبادة في قطاع غزة ولو كلّف ذلك كل ما كلّفه من دماء وتدمير مستمر حتى اليوم.
المقاومة هي الثابت اﻷبرز في مخيال تلك الجماعة، والتي شكّلت عصب التنظيمات اليسارية في لبنان عندما حملت هذه التنظيمات عبء المقاومة، وكانت جزءاً من التنظيمات الفلسطينية عندما كانت هي الممثّل لها، وكثيرون من شبانها لم يحملوا الفكر الماركسي ولا العلماني، وكان منهم الملتزم دينياً وفكرياً، لكنهم ذهبوا إلى حيث تكون المقاومة.
وإلى اليوم، ينتمي هؤلاء إلى المقاومة حيث هي، فهم يساريون إن كانت يسارية، وفلسطينيون إن كانت فلسطينية، وهم إسلاميون عندما صارت إسلامية.
وفي إجابة على السؤال اﻷول، شيعة جبل عامل، حاضرة الشيعة في بلاد الشام، هم مقاومون، لن يكونوا غير ذلك، فكرة المقاومة واﻷمّة مجبولة في رؤيتهم ﻷنفسهم وتشيّعهم، لن يكونوا غير ذلك حتى ينتهوا جميعاً، فالسؤال إذاً ليس عن "حفظ الشيعة"، السؤال هل يقدر التيار اﻹسلامي (أقصد اﻹسلام السياسي الحركي النهضوي) على الحفاظ على وجوده القوي اليوم المتمثّل بالولاء لحزب الله ومن خلفه الجمهورية اﻹسلامية في إيران دون خيار المقاومة؟
* كاتب وصحافي
