الحزب القومي بأجنحته المتكسّرة يحظُر أنطون سعادة!

قد يكون هذا العنوان صادماً، بل من المؤكد أنه كذلك. إلا أنّ ما هو صادم أكثر، بل ربما أكثر إيلاماً، هو الواقع الذي وصل إليه مشروع النهضة الوحيد، بعد قرابة مئة عام من انطلاقته. فقد حدّد سعادة غاية الحزب في المادة الأولى من دستوره بأنها «بعث نهضة قومية اجتماعية» و«إعادة الحيوية والقوة إلى الأمة السورية» و«تنظيم حركة شعبية تؤدّي إلى استقلال الأمّة السورية استقلالاً تاماً».
فماذا تحقّق، بعد 94 عاماً من عمر الحزب؟ وأين هي النهضة؟ وأين هي الحركة الشعبية؟ بل أين هي الخطة النظامية المعاكسة للخطة الصهيونية التي اعتبر سعادة أن الحزب إنما يعبّر عنها؟
ويقفز إلى البال سؤال يلحّ في تلمّس إجابة شافية غير محابية: ماذا سيكون رأي أنطون سعادة بحزبه لو استقرأناه، فماذا عساه أن يقول؟
لم يؤسّس سعادة حزباً عادياً أو حركة عادية شبيهة بأحزاب وحركات تعجّ بها بلادنا. ولم يكن همّه الوصول إلى السلطة في هذا الكيان أو ذاك من كيانات الأمّة. ولم تشغل باله سياسة المناكفات والمماحكات التي يتقنها أيّما إتقان دهاقنة السياسة في الأمّة. ثم إنّ سعادة أراد توعية المجتمع من جهة لإحداث النهضة القومية الاجتماعية كما أراد تنظيم حركة شعبية تؤدّي إلى استقلال الأمّة من خلال بناء مادي روحي (مدرحي).
وهذا البناء لا يكون إلا بمواكبة حركة الشعب في كل كيان كما في الأمّة مجتمعة. وحركة الشعب هي حركة جميع فئاته؛ مثقّفيه ومنتجيه وعمّاله وفلاحيه. وهي حركة في الاجتماع والاقتصاد والثقافة والفكر وفي السياسة التي هي خدمة الأغراض القومية الكبرى. فماذا فعل الحزب وماذا فعلنا كقوميين؟
هذا ثبت بما فعلنا: حفظنا المبادئ الثمانية الأساسية والخمسة الإصلاحية. ردّدناها في كل مناسبة حتى غدت شعارات نعرف بها في كل ناحية فيشار إلينا بأننا قوميون. وكنّا أكثر من سعداء بهذا. فقد حفظنا الدرس ونجحنا في امتحان الاستظهار وصار يشار إلينا بالبنان. جيد. فماذا بعد؟ لا شيء. ليس تجنياً ولا جلداً للذات ولا تلذّذاً بالألم المسبّب من هكذا أقوال تجرح وتؤلم. لكنها الحقيقة. وهي مؤلمة. ويجب أن تقال.
نحن بعد كل هذا العمر الذي قضيناه في النضال سجناً وتشريداً واستشهاداً لم نغيّر قيد أنملة في بنية النظام ككل ولا في بنية أي مُتّحد
نحن، بعد 94 عاماً من الوجود الحي والنضال الذي دُفعت فيه الكثير من التضحيات وسار على دربه الشهداء الشهود كما الشهداء الأحياء، حقّقنا إنجازات وأصبنا بإخفاقات ككل كائن حي. ولكن، نسبة إلى سنوات عمرنا المديدة، فإنّ إنجازاتنا، على عظمتها وسموّها، تبقى قليلة، والأهم أنها تبقى عظمة أفراد أبطال عملت فيهم النهضة وليس عظمة مؤسسات. فالأبطال، فكراً ونضالاً، عملاً وبناء واستشهاداً، هم كذلك رغم قصور المؤسسة عن أداء الدور المنوط بها. فهذه المؤسسة، التي هي وفق سعاده نفسه «أهم إنجازاتي بعد وضعي العقيدة»، لم تساعد على بناء النهضة بل شكّلت أحياناً كثيرة عقبة كأداء في وجه بناء النهضة واستكمال مشروعها.
فنحن بعد كل هذا العمر الذي قضيناه في النضال سجناً وتشريداً واستشهاداً لم نغيّر قيد أنملة في بنية النظام ككل ولا في بنية أي مُتّحد. علماً أننا شاركنا في السلطة التشريعية والتنفيذية، فماذا كان المردود؟ لقد ارتدّ وبالاً وخسارة على الحزب، في امتداده الشعبي وفي مصداقيته كحركة نهضوية وكحركة شعبية. وها هو بعد كل هذه السنوات يتراجع ويترهّل ويضعف بتشظّيه وينقسم ليصبح أربعة تنظيمات بفاعلية شبه معدومة، علماً أن كونه، كحزب ينادي بالوحدة القومية، فشل في الإبقاء على جسمه موحّداً متنكّراً لقول سعادة: «إنّ العقيدة لا تكون عقيدتين بل واحدة، وإنّ الحركة لا تكون حركتين بل واحدة، وإنّ الزوبعة لا تكون زوبعتين بل واحدة».
فما رأي سعادة وقد صارت كل من الحركة والزوبعة أربعاً فيما بقيت العقيدة واحدة. وهنا نعود لنستقرِئَه فنراه يقول: «إن الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يعتمد في إيمانه بنجاح قضيته على أساس الأفراد، بل على العقيدة وحدها. العقيدة هي الأساس الراسخ، الثابت على الأيام والسنين والعقود والأجيال. فحين الاختيار بين العقيدة من جهة، والأفراد من جهة أخرى، لا نتردّد في التمسّك بالعقيدة، وترك الأفراد لمصيرهم». (المصدر: سعادة، الأعمال الكاملة، الجزء 6: 31).
وفي الحقيقة، فإنّ راهنيّة فكر سعادة وإقرار العديد من المفكرين والقياديين في القوى الوطنية، بمن فيهم من عُرفوا بخصومة تاريخية مع الحزب، بأنّ الحلّ الوحيد لأزماتنا المتفاقمة هو في فكر وعقيدة سعادة العقيدة القومية الاجتماعية التي أتت الأحداث المتتالية في الأمّة ومحيطها وعالمها العربي لتثبت مصداقيتها وراهنيتها، يؤكّد أننا، مع الأسف، لم نكن على قدر آمال سعادة. أَما قال لنا: «لم آتكم بالخوارق والمعجزات بل بالحقائق التي هي أنتم»، فماذا كان ردّنا، ألم نخيّب أمله بنا، بما كان يأمل منّا؟
وعودٌ على بدء؛ انطلقنا من العنوان الصادم لهذه المقالة والذي يقول «الحزب القومي بأجنحته المتكسّرة يحظر أنطون سعادة»، ولكننا في ما وصلنا إليه من خلاصات في هذه المقالة نجري تصحيحاً بسيطاً على العنوان ليصبح كالتالي: «رغم محاولة الأحزاب القومية حظر سعادة فإنّ عقيدته انتصرت براهنيتها»، إذ، من المؤكد، اعتماداً على حيوية الأمّة عبر تاريخها وعبر أجيالها المتعاقبة، فإنّ العقيدة القومية الاجتماعية ستجد طريق التحقّق في المستقبل، ربّما من خلال إطار جديد يكون الحامل الجديد للعقيدة. وأياً كان الحامل الجديد فإنّ المهم والذي يعوّل عليه، في سياق المسار النهضوي الذي لن ينقطع حتى لو صادف بعض الصعوبات، أنّ العقيدة القومية الاجتماعية لا بدّ ستنتصر وتنتصر معها الأمّة كلّها ويعود لسعادة حقّه ولو بعد حين. فلا يعود محظوراً في طول الأمّة وعرضها.
* كاتب
