ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حين تعجز الدولة: مارك بلوخ والمقاومة بوصفها استعادة للشرعية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الخميس 25 حزيران 2026
الخط


استسلام السلطة أمام الاحتلال السياسي الأميركي والاحتلال العسكري الإسرائيلي حدا بي إلى إعادة قراءة كتابه الهزيمة الغريبة لمارك بلوخ، وقيمته أنه لم يكن مؤرخاً كبيراً فحسب، ولا في أنه ترك واحداً من أعمق النصوص عن انهيار فرنسا سنة 1940، بل في أنه عاش ما كتبه حتى نهايته. وهو يقدم شهادة مواطن رأى دولته تنهار، وجيشه يُدار بعقل قديم، ونخبه تفقد القدرة على الفهم والفعل. وبعد تشخيص العطب، دخل المقاومة الفرنسية، كأنما أراد أن يقول إن الدولة حين تعجز لا تُعفي المواطن من واجبه، بل تنقله إلى امتحان أشدّ: أن يحفظ معنى الدولة ضد الدولة التي تخلّت عن معناها.

هذا هو الدرس الأعمق. الهزيمة لم تكن مجرد خسارة عسكرية أمام جيش ألماني أكثر سرعة وتنظيماً. كانت هزيمة دولة كاملة: قيادة عاجزة، إدارة متحجرة، نخب فقدت علاقتها بالواقع، وتعليم أخرج عقولاً تحفظ أكثر مما تحكم. لذلك سمّى هزيمة فرنسا «غريبة»، لا لأن الهزائم نادرة في التاريخ، بل لأن سرعة الانهيار كشفت أن العدو لم يدخل فقط من ثغرة عسكرية، بل من ثغرات أقدم في المجتمع والدولة والعقل العام.

من هنا يصبح سؤال المقاومة عند بلوخ سؤالاً في الشرعية لا في السلاح وحده. ماذا يبقى من الدولة حين توقّع الاستسلام، وماذا يبقى من الوطنية حين تتحول السلطة الرسمية إلى جهاز خضوع، وكيف يتصرف المواطن حين ترفع المؤسسات الراية البيضاء؟
جواب بلوخ على هذه الأسئلة لم يكن نظرياً فقط. لقد رأى أن الدولة إذا خانت وظيفتها، أو فقدت القدرة على حماية الشعب والحرية، فإن الشرعية لا تموت معها. وفي نصه السري «لماذا أنا جمهوري؟» يدافع بلوخ عن الجمهورية بوصفها أخلاقاً سياسية. الجمهورية، في معناها العميق، هي أن تكون المدينة في خدمة الأشخاص، وأن تقوم السلطة على ثقة المواطنين لا على إخضاعهم، وأن تُحكم الجماعة بالقانون لا بمزاج الزعيم. ولهذا لا تكون المقاومة، في نظره، مجرد رد فعل على محتل أجنبي، بل دفاعاً عن صورة معينة للسياسة: سياسة المواطنين الأحرار في مواجهة دولة الطاعة والخوف.

بهذا المعنى، كانت فيشي بالنسبة إلى بلوخ سقوطاً مضاعفاً. لم تكن مجرد حكومة مهزومة، بل سلطة حوّلت الهزيمة إلى فلسفة حكم. قبلت الاحتلال، ثم أرادت من الفرنسيين أن يقبلوا معه منطق الطاعة. وهنا يتضح الفارق بين الدولة والسلطة. فالسلطة قد تبقى قائمة بمكاتبها وأختامها وأجهزتها، لكنها تفقد روح الدولة حين تكفّ عن خدمة الحرية والكرامة العامة. أما الدولة بمعناها الأخلاقي، فقد تظهر أحياناً في السراديب، في الصحافة السرية، في التنظيمات الملاحقة، وفي المواطنين الذين يواصلون الفعل حين تصمت المؤسسات.

لذلك لا ينبغي فهم مقاومة بلوخ كحماسة عاطفية أو مغامرة فردية. الرجل الذي قضى عمره في الوثائق، وفي صرامة المنهج، دخل المقاومة بالعقل نفسه: عقل التنظيم، الدقة، الاتصال، والتخطيط. ما تصفه المقدمة عن حياته السرية في ليون يكشف أن المقاومة لم تكن مجرد بطولة متفرقة، بل محاولة لبناء إدارة سرية بديلة: نقل تعليمات، إصدار منشورات، وصل المجموعات، إعداد اليوم التالي للتحرير، وتنظيم الصلة بين العمل السياسي والعمل الميداني. لقد عادت الدولة، ولكن من تحت؛ عادت في صورة شبكة إرادات حرة بعدما صارت الدولة الرسمية جهازاً خاضعاً.

المؤرخ الفرنسي الذي انخرط في المقاومة كان يواجه محاولة تحويل الهزيمة إلى فكر سياسي، ودرسه يقول إنّ فشل أو عجز الدولة لا يعفي المواطن من المسؤولية

هذه هي المفارقة التي تجعل تجربة بلوخ شديدة المعاصرة: المقاومة ليست نقيض الدولة دائماً. قد تكون، في لحظة انهيار الدولة أو استسلامها، آخر دفاع عن فكرة الدولة. فالذين يختصرون الدولة في جهازها الرسمي لا يرون إلا السطح. ولم يكن بلوخ رومانسياً في نظرته إلى التضحية. كان يعرف كلفة المقاومة، ويعرف أن العمل السري هو خوف وتعب ومطاردة ووحدة. لكنه يعرف أكثر أن الحرية التي لا يشارك الشعب في استعادتها تبقى ناقصة. فالأمة التي تنتظر خلاصها من الخارج وحده قد تستعيد أرضاً، لكنها لا تستعيد نفسها.

هنا يلتقي المؤرخ بالمقاوم. فالمؤرخ يعرف أن الأمم لا تسقط في يوم واحد، ولا تقوم في يوم واحد. والمقاوم يعرف أن لحظة الانهيار ليست نهاية التاريخ. بين المعرفة والفعل يقف بلوخ شاهداً على أن التشخيص الصادق لا يكتمل إلا بموقف. لقد كتب عن فساد النخب، وعن ذهنية القيادة، وعن عجز الإدارة، لكنه لم يحوّل النقد إلى ذريعة للانسحاب. على العكس، كان نقده للدولة سبباً إضافياً للدفاع عن معناها. فحين تفشل المؤسسات، لا يصبح اليأس فضيلة؛ وحين تنحرف السلطة، لا تصبح الطاعة حكمة.

تجربة بلوخ تضعنا أمام تمييز بالغ الأهمية بين الوطنية الرسمية والوطنية الحية. الوطنية الرسمية قد تطلب من الناس الصمت باسم «المصلحة العليا»، حتى حين تكون هذه المصلحة غطاءً للعجز. أما الوطنية الحية فتسأل: هل بقيت السلطة وفية للحرية؟ هل بقيت الدولة في خدمة الناس؟ هل لا يزال القانون يحمي الكرامة أم صار أداة لإدارة الخضوع؟ بهذا المعنى، لم يكن بلوخ وطنياً لأنه أطاع الدولة، بل لأنه رفض أن يختزل الوطن في سلطة استسلمت.

ولعل أجمل ما في سيرته أن المقاومة عنده لم تكن انفصالاً عن فكره، بل امتداداً له. المؤرخ الذي كان يرفض الأساطير العرقية، وينتقد البَلادة الإدارية، ويؤمن بالعقل النقدي، صار مقاوماً للأسباب نفسها. لم يقاوم لأنه عبد أمة مغلقة، بل لأنه آمن بفرنسا بوصفها فضاء حرية وثقافة وقانون. لم يقاوم باسم كراهية الآخر، بل باسم كرامة الإنسان. ولم يقاوم كي يستبدل طغياناً بطغيان، بل كي تعود الجمهورية جمهورية: سلطة قانون، لا عبادة قائد؛ مواطنون، لا رعايا؛ حرية داخلية، لا سيادة شكلية فقط.

ما يبقى من بلوخ اليوم هو هذا الدرس القاسي: حين تعجز الدولة، لا ينتهي الواجب العام. وحين تخون السلطة معنى الدولة، لا تموت الشرعية. إنها تبحث عن حامل جديد. قد يكون هذا الحامل مؤرخاً يحمل أوراقاً سرية في شوارع ليون، أو عاملاً يوزع منشوراً، أو شاباً يلتحق بالمقاومة، أو مواطناً يرفض أن يصدّق أن الهزيمة قدر نهائي.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك