مجموعة ملاحظات حول النقاش في عاشوراء

وتعود ذكرى عاشوراء في كلّ عام ويتكرّر معها الاهتمام بالحادثة وكيفية التعامل معها وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يجوز وما لا يجوز. ولست أدّعي القدرة على التقدير الدقيق؛ ولكنّي مع ذلك أكاد أجزم بأنّنا لو جمعنا عشر وقائع تاريخية حازت على القدر الأكبر من الاهتمام الإنسانيّ منذ بدء الخلق إلى يومنا هذا لكانت حادثة عاشوراء واحدة من بين هذه العشر. وأودّ، لمناسبات ودوافع متنوّعة، الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات حول بعض النقاشات التي تدور كلّ عام ولن تنتهي إلّا إذا ثقبت الذاكرة الإسلامية عموماً والشيعية على وجه الخصوص وتسرّب الدم الذي أريق سنة إحدى وستين للهجرة، وخمدت حرارة نيرانه في القلوب؛ ولكن هيهات هيهات لما يأملون.
- الملاحظة الأولى: لم تعد قضية الإمام الحسين (عليه السلام) قضية شيعية محضة، ولا يحقّ للشيعة احتكارها؛ بل لا يمكنهم ذلك حتى لو أرادوا. وعندما يكثر المهتمّون من الطبيعي أنّ تُطرح وجهات نظر مشرّقة ومغرّبة، وقد يصيب بعضها كبد الحقيقة ويطوش سهم بعضها الآخر. وإنّي لأعذر كل ناقد أو صاحب وجهة نظر في هذا المجال، سوى اثنين أحدهما من يعتمد منهجية الإسقاط المُغلّف بلبوس الأكاديميا، فيحسب أنّ الظلال حقائق ولا يتّعظ بموعظة أفلاطون في قصة الكهف والظلال؛ وثانيهما من ينطلق من عصبيّة بغيضة هي على الدوام حجابٌ يحول دون رؤية الحقيقة، خاصة أولئك الذين يؤرّقهم تأثير عاشوراء على شحذ الهمم، وتحوّل آلام الحسين (عليه السلام) إلى «وقود ثوريّ».
- الملاحظة الثانية: عطفاً على ما تقدّم وبالعودة إلى الدائرة الشيعية، فلست أبالغ إذا قلتُ إنّ الشيعة عبر التاريخ كانوا الأكثر جدلاً في كيفية التعامل مع هذه الحادثة. وقد خاض علماء الشيعة وفقهاؤهم ومفكّروهم نقاشات عميقة وأحياناً حادّة حول كثير من التفاصيل المرتبطة بآليات استذكار الحادثة. وقد سجّل التاريخ هذه النقاشات وحفظها، وخطّأ بعضُهم بعضهم الآخر. وطُرِحت من قبل بعض علمائهم وفقهائهم آليات لتجديد العهد بالثورة الحسينية واستحضارها. لكنّ كلّ هذه النقاشات المباركة لن تفضي إلى الاتفاق على أسلوب واحدٍ يجتمع عليه أهل الاهتمام بهذه الثورة، لإحياء المناسبة وطريقة استذكارها. وهنا أغتنم الفرصة للدعوة إلى تجنّب الحدّة في تقديم المقترحات حتى لو كانت معنونة بصدق، بعنوان الإصلاح، فإنّ الإصلاح لمثل هذه الأمور لا يتحقّق إلا على البارد. أمّا دعوات الإصلاح الحادّة، فإنها تفضي في كثير من الحالات إلى عكس المبتغى. ويترتّب على هذه الملاحظة أمران: أحدهما وجوب اجتناب تعميم حكم واحد على جميع البيئات والفئات الاجتماعية مهما كانت طبيعة هذا الحكم. والأمر الثاني هو ضرورة التفهّم لهذا التنوّع في عيش الذكرى كلٌّ على طريقته وبما أوتي من قدرات فكرية وعواطف إنسانية.
- الملاحظة الثالثة: تحوّلت الثورة الحسينية أخيراً إلى عاملٍ محرّكٍ للواقع الاجتماعي، واستلهمت حركات اجتماعية وسياسية ثورة الحسين وذلك في بيئات اجتماعية عديدة. وتحوّل الحسين (عليه السلام) إلى مُلهِم للثورة، وتحوّلت ثورته إلى نموذج وقدوة تُحتذى. وهذا أمرٌ لا يمكن إنكاره أو تجاهله ويُعدّ عند كثير من الباحثين في تاريخ التشيّع محطة بارزة على الأقل في القرنين الأخيرين. وقد أطلق بعض المفكّرين عليه مصطلح «أدلجة الثورة الحسينية» وإخراجها من الحالة الطقوسية والشعائرية إلى ساحة التأثير الاجتماعي. ولكن، في المقابل، لا يتوهّمنّ أحدٌ جدّة أو حداثة هذا الاستلهام، وذلك أنّ التاريخ الإسلامي مشحونٌ بالحركات والانتفاضات والتحوّلات التي كانت تمثّل ثورة الحسين (عليه السلام) وقوداً لها بأشكال شتّى.
- الملاحظة الرابعة: على ضوء الملاحظة السابقة يشعر المتأمّل لبعض الآراء التي تُطرح في هذا المجال، بأنه قد ضاق ذرعاً باستثمار المناسبة ومفاهيمها في الميدان الاجتماعي، إلى حدّ أنّ المراقب المحايد يشعر بأنّ بعض الناس يتمنّى لو يصحو يوماً فيكتشف أنّ شهر محرّم والأيام التي تليه سقطت من التقويم الهجري أو مرّت دون أن يتوقّف عندها أحدٌ. ولأنّ هذا الأمر لن يتحقّق إلى آخر الدهور أودّ أن ألفت في هذه الملاحظة إلى أنّه من حقّ الشيعة والإنسانية كلّها استذكار هذه الواقعة وتخليدها في الذاكرة كما تحفظ الجماعات البشرية كثيراً من الوقائع القديمة وتستلهم بعض أبعادها وتعيد بعثها في حياتها المعاصرة. والأمثلة كثيرة لرموز دينية تحوّلت إلى وقودٍ دافعٍ للكثير من الوقائع المعاصرة أو القريبة من عصرنا، بدءاً من الحروب «الصليبية»، مروراً بالكيان اللقيط الغاصب الذي يستند إلى أساطيره الدينية لتبرير وجوده، ولا يقف العدّ عند بعض الحركات الصهيونية المسيحية. ولولا خشية الدخول في أزقّة الانقسامات اللبنانية لأشرت إلى «الصليب المشطوب»...
- الملاحظة الخامسة: أختم هذه الملاحظات بالإشارة إلى أمرٍ جدير بالتوضيح على الرغم من وضوحه وهو أنّ الشيعة يستذكرون حادثة عاشوراء ويستلهمونها، وهو أمرٌ لا يُنكر، ولا ينبغي أن يُستنكر؛ ولكنّهم، وهنا أسمح لنفسي بالتعميم، لا يعيشونها وكأنّهم في معسكر الحسين (عليه السلام) في مواجهة خصوم كائناً من كان هؤلاء الخصوم. وبالتالي لا يحتاج الفكر الشيعي إلى تبرئة أحدٍ من الأحياء من دم الحسين (عليه السلام)، كما اضطرّت الكنيسة الكاثولكية إلى تبرئة اليهود من دم المسيح، كما أنّ المعاصرين منهم لا يعيشون عقدة الذنب ولا تأنيب الضمير على التقصير عن نصرة الحسين (عليه السلام). على الرغم من هتافهم المتكرّر «يا ليتنا كنّا معكم». وهذا التمنّي يطلقه بعضٌ كأمنية مستحيلة للعودة إلى الوراء وبعضٌ آخر يطلقه وهو عازمٌ على الالتحاق بجبهة الحسين (عليه السلام) التي ترمز إلى المعركة التي لا تنتهي بين الحق والباطل، ويجسّد هذا الالتحاق بإباء الظلم ونصرة المظلوم. والظلم لا دين له، والمظلوم لا يسأل عن دينه. فإنّ «من حلّ لله أن ينفخ فيه من روحه، لا تحرم نصرته ورفع الظلم عنه»؛ إلا إذا قرّر أحدٌ من الناس أن يجرّد الإنسانية من هويتها.
* حوزوي وأكاديمي
