ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الانتفاضة الآتية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الأربعاء 1 تموز 2026
الخط


لم يعد النقاش في ما يُسمّى «اتفاق واشنطن» نقاشاً سياسياً عادياً بين موالاة ومعارضة، ولا خلافاً عابراً حول وجهة من وجهات الحكم. نحن أمام لحظة فاصلة: هل تبقى السيادة قاعدة تأسيسية في وجود الدولة، أم تتحوّل إلى لفظة بروتوكولية تُستعمل في الخطب ثم تُداس عند أول أمر عمليات يأتي من الخارج؟ وهل يبقى الدستور مرجعاً مُلزِماً للسلطات، أم يصبح ورقة مؤجّلة حين تريد السلطة أن تنفّذ التزامات لم تمر في القنوات الدستورية ولم تَنَلْ شرعية وطنية؟

الخطر في اتفاق واشنطن لا يقتصر على مضمونه، بل يبدأ من طريقته. الاتفاق لا يكتسب قوة الإلزام الوطني، ما لم يمر في المؤسسات وفق الأصول، وما لم يخضع للنقاش والمُساءلة والموافقة حيث يجب أن تكون الموافقة. وهو يبقى فعلاً سياسياً مبتور الشرعية، ولو حاول أصحابه إلباسه ثوب الدولة. السلطة ليست مالكة للدولة، ولا يحقّ لها أن تتصرف بالسيادة كأنها تفويض شخصي أو وكالة مفتوحة من الشعب. السيادة ليست ملك الرئيس، ولا الحكومة، ولا أيّ فريق سياسي. السيادة ملك الشعب، والدستور هو العقد الذي يمنع السلطة من تحويل إرادتها الخاصة إلى قدر وطني مفروض.

الأخطر من ذلك أن السلطة، شرعت عملياً في تنفيذ الاتفاق بالتنسيق مع القوات الأميركية وقوات الاحتلال الإسرائيلي. هنا لا يعود الأمر مجرّد خطأ في الشكل، بل يتحوّل إلى مسار يمسّ جوهر الكيان. فالخطر لا يكمن فقط في توقيع وثيقة أو تبنّي بيان، بل في تحويل أرض لبنان ومؤسساته وأجهزته إلى أدوات تنفيذ لإرادة أجنبية معادية أو متحالِفة مع العدو. وحين يصبح التنفيذ واقعاً، تصبح المسؤولية مباشرة: مسؤولية سياسية، ومسؤولية دستورية، ومسؤولية قانونية، ومسؤولية وطنية لا تسقط بالتقادم.

من هنا يجب فتح باب المُساءلة على مصراعيه. إنّ كل من تورّط في تمرير هذا الاتفاق أو تنفيذه، أياً يكن موقعه، يجب أن يخضع للمُلاحقة وفق القانون. لا حصانة أمام خرق الدستور، ولا حصانة أمام التفريط في السيادة، ولا حصانة أمام أي شبهة تعاون مع العدو أو مع جهة أجنبية على حساب المصلحة الوطنية. الموظف العام ليس مُنفِّذاً أعمى لأوامر السلطة حين تكون هذه الأوامر موضع مخالفة دستورية أو تمسّ أمن البلاد. والسلطة السياسية لا تستطيع أن تختبئ خلف الإدارة أو الجيش أو الأجهزة لكي تمرّر ما لا تستطيع الدفاع عنه أمام الشعب.

إن أخطر ما في اللحظة الراهنة هو محاولة استخدام الدولة ضد معناها. فالدولة، في أصلها، وُجدت لحماية الشعب والأرض والسيادة. فإذا تحوّلت بعض مواقع السلطة إلى أدوات لتنفيذ إرادة خارجية، وجب التمييز بين الدولة بوصفها وطناً ومؤسسات وطنية، والسلطة بوصفها فريقاً حاكماً قد يفرّط أو يخطئ أو يرتبط بحسابات خطيرة. الدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن انحراف السلطة. وحماية المؤسسة الوطنية لا تعني تسليمها لمن يريد استخدامها لضرب الشعب اللبناني أو لتطويع إرادته.

لقد صار واضحاً أن رئيس الجمهورية يتحمّل المسؤولية السياسية الأولى عن هذا المسار. فبدلاً من أن يكون حارساً لوحدة البلاد، بدا في موقع من يفتح أبواب الانقسام الوطني الأشد خطراً. وبدلاً من أن يكون رأس الدولة الحامي للسيادة، ظهر كمن يغامر بما تبقّى من الإجماع الوطني لمصلحة ترتيبات مفروضة من الخارج. والأنكى ما يُتداول عن ضغوط تُمارس على قائد الجيش لدفعه إلى الاستقالة أو لتطويع المؤسسة العسكرية في اتجاه لا يليق بتاريخها ولا بدورها الوطني. الجيش ليس أداة في يد فريق، ولا ينبغي أن يُدفع إلى مواجهة شعبه، ولا إلى حماية اتفاق فاقد للشرعية الوطنية. الجيش مؤسسة وطنية جامعة، وأي محاولة لزجّه في مشروع صدام داخلي هي اعتداء على الجيش قبل أن تكون اعتداء على الناس.

كلّ من تورّط في هذا الاتفاق أو تنفيذه، يخضع للمُلاحقة وفق القانون. لا حصانة أمام خرق الدستور والتفريط في السيادة، وشبهة التعاون مع العدو، والموظف العام ليس مُنفِّذاً أعمى لأوامر مُخالِفة للدستور وتمسّ أمن البلاد


لذلك يصبح الشعب اللبناني، بأحزابه الوطنية وقواه النقابية والشعبية والبلدية والطالبية والإعلامية، معنياً بالتصدّي لهذا المسار. وثمّة حاجة إلى حركة اعتراض وطنية على كل المستويات: دعاوى وملاحقات، بيانات ومواقف، اعتصامات وإضرابات، ضغط شعبي وإعلامي، فضح للوثائق والمسارات، منع سياسي وشعبي لتحويل الأرض اللبنانية إلى ممر أو منصة أو غطاء لأي تحرّك مُعادٍ. فالعدوان لا يصبح وطنياً إذا حمل ختماً رسمياً، والتفريط لا يصبح سيادة إذا صدر عن مكتب رئاسي.

يوم فُرض اتفاق 17 أيار، ظنّ أصحابه أن الدعم الخارجي يكفي لصناعة شرعية داخلية، وأن ميزان القوة قادر على كسر الإرادة الوطنية. لكنّ انتفاضة 6 شباط 1984 أسقطت الاتفاق وأسقطت معه وهم تحويل لبنان إلى تابع في معادلة العدو. لم يسقط ذلك الاتفاق لأنه كان ضعيف الصياغة فحسب، بل لأنه كان فاقداً للجذر الوطني. كان اتفاقاً فوقياً، غريباً عن وجدان الناس، ومناقضاً لمصلحة البلاد. ولهذا سقط.

اليوم يعيد اتفاق واشنطن إنتاج المنطق نفسه: سلطة تراهن على الخارج، ترتيبات تُفرض من فوق، استخفاف بالإرادة الشعبية، محاولة لتطويع المؤسسات، وتقديم التنازل على أنه واقعية سياسية. لكنّ لبنان لم يكن يوماً محكوماً فقط بتوقيع من هنا أو ضغط من هناك. في لبنان ذاكرة مقاومة، وذاكرة انتفاضات، وذاكرة إسقاط اتفاقات أُريد لها أن تكون قدراً ثم صارت عبئاً على أصحابها. ما فشل في 17 أيار لن ينجح اليوم باسم جديد وبلغة جديدة.

إن الانتفاضة الآتية ليست ترفاً سياسياً ولا استعراضاً خطابياً. إنها ضرورة وطنية إذا استمر هذا المسار. لكنها يجب أن تكون انتفاضة واعية، مُنظّمة، شاملة، تعرف عدوّها وتعرف أدواتها. انتفاضة في الشارع، وفي القضاء، وفي الإعلام، وفي البرلمان إن وُجد من يملك شجاعة الموقف، وفي النقابات والجامعات والبلديات. انتفاضة تحاصر الاتفاق سياسياً وأخلاقياً وقانونياً، وتمنع تحويله إلى أمر واقع.

لبنان ليس أرضاً سائبة، ولا شعبه قطيعاً يُقاد إلى مصيره بصمت. ومن يظن أن تمرير اتفاق فاقد للشرعية ممكن بقوة الضغط الأميركي أو الغطاء الإسرائيلي أو تواطؤ بعض مواقع السلطة، لا يعرف أن في هذا البلد مخزوناً وطنياً قادراً على قلب المعادلة. قد تتأخّر الانتفاضة، لكنها حين تصبح ضرورة تولد من عمق الخطر.

الانتفاضة الآتية، ليست فوضى، بل استعادة للمعنى الوطني، للقول إن الدستور ليس تفصيلاً، والسيادة ليست وجهة نظر، والمؤسسات ليست أدوات عند فريق، والجيش ليس عصا في يد سلطة، ولبنان ليس مُلحقاً بغرفة عمليات أجنبية.
اتفاق واشنطن، سيُسقِطه اللبنانيون كما أسقطوا ما قبله: بوحدة وطنية صلبة، وبمقاومة سياسية وشعبية وقانونية شاملة، وبإيمان أن الاحتلال لا يكتسب شرعية، وأن التفريط لا يصير دولة، وأن السيادة لا تُستعاد إلّا حين ينهض الشعب لحمايتها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك