السلام حقل ألغام

تتجلّى المسؤولية الوطنية بالتحذير من حقول الألغام الفكرية، والعمل على تفكيكها عبر دليل الألغام الإدراكية المضادة. لذلك يُرجى عدم الاقتراب من مفاهيم «السلطة» و«السيادة» و«العدو» و«الاحتلال» قبل وصول فريق التفكيك.
نحن لا نتكلم عن الحدود الجنوبية، بل عن ألغام لغوية مزروعة في بيانات الرؤساء. عادة ما يُطلب من المدني أن ينتبه أين يضع قدميه، لكنّ هذا النوع حريص على التموضع العقلي، قبل أن يطير العقل.
هي تنفجر داخل الإدراك بآثار تغيّر الطريقة التي نقرأ بها جغرافيا البلد المتحوّلة غيابياً وتدريجياً إلى مستوطنات على الأرض وفي الأفكار. لهذا السبب، نهدف إلى تفكيك العبوات المزروعة في المفردات والخطاب. بعض هذه الألغام لا يحتاج تفكيكها إلى فريق هندسة أصلاً، فقد تتكفّل ألغام الصهاينة المربّعة والمكعّبة بنسف بعضها بعضاً دون أن نتكبّد عناء التفكيك الإدراكي. فخارٌ فكري يكسّر بعضه، ونحن لا نفعل أكثر من جمع شظايا الكذب والتحايل علينا.
تكمن أول الألغام في «الخطوة الأولى لاستعادة السيادة اللبنانية» و«عودة اللبنانيين إلى أرضهم المحرّرة» عبر قناة العدو، كما أكّد الرئيس جوزيف عون أخيراً. يقابله اللغم المربّع في تصريحات رئيس حكومة الاحتلال المطلوب إلى العدالة بنيامين نتنياهو ووزير حربه، التي يقول فيها إن الصهيوني «سيبقى في الجنوب» حتى إشعار آخر. هكذا فجّر نتنياهو لغم عون بنفسه، من دون حاجة التفكيك الإدراكي إلى كثير من الشرح. فإذا بدأت السيادة من اتفاق يبقي جيشاً أجنبياً على أرض الوطن إلى أن يقرر هو متى تتحقق الشروط، فالمشكلة في تعريف كلمة «سيادة» قبل تبرير الاحتلال. هكذا، في الأثر الإدراكي، يتحوّل الحق إلى امتحان في أذهاننا جميعاً.
يظهر سريعاً لغم رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الفكري ليهدّد أن «الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم...» الذي طاشنا به وسئمنا منه، لكنّ القسم الملغوم هو الكلمة المحجوبة والمتمّمة لعبارته: «...والاحتلال». يعني المختصر المفيد «الدولة وحدها صاحبة قرار الاحتلال». فيأتي، سريعاً أيضاً، اللغم المربّع في المواقف الرسمية للكيان الذي «يحتفظ بحقه في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنه إذا رأى أن الاتفاق لا يُنفّذ». يا حلاوة. إذا كانت الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم، فمَن صاحب قرار الاحتلال؟ ومَن صاحب قرار الغارة؟ ومَن صاحب قرار البقاء على أرضٍ لبنانية؟ اللغم مزروع في النصف الذي لم يُقَلْ على لسان سلام لكن كُتب في إطار الاتفاق، فيكمن الأثر الإدراكي في تحويل الاحتلال إلى تفصيل إداري.
يكمل نواف سلام زراعة ألغامه الفكرية في رؤوسنا عن «بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية»، قبل أن يفجّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في وجهه لغماً مربّعاً عن «إنشاء آلية تنسيق ومتابعة بإشراف أميركي لتنفيذ الاتفاق». لكنّ التفكيك الإدراكي يسأل، من قال إن «السلطة» هي «الدولة» في عبارة «بسط سلطة الدولة»؟ السلطة جهاز. الدولة كيان. والوطن أوسع من الاثنين. إذا احتاجت السلطة إلى غرفة عمليات خارجية كي تمارس سيادة الدولة، فالخلل ليس في الجيش ولا في المقاومة ولا من يحزنون. الخلل في السلطة وفي تعريف «الدولة» وفي مَن يفرحون بألغام السلطة. آن الأوان لتفكيك اللغم عبر دمج السلطة في الدولة، بعد أن أصبحت خارج الدولة والوطن، قبل التفكير في دمج المقاومة في الجيش.
كيف يجرّب الإنسان لغماً؟ لا تُعامَل الألغام بـ«الطرّة نقشة»، لأنها قد تنفجر، فيطير معها جبل عامل ويلحقه جبل لبنان. لكنّ ألغام السلطة تريد مناطق تجريبية وتنفيذ الاتفاق على مراحل وآليات تحقّق. هكذا يريدون تحويل الوطن بجيشه وشعبه ومدنه إلى حقول تجارب على صيغة الضفة الغربية. لكنّ هذا اللغم سهل التفكيك الإدراكي. إذا كانت التجارب ضرورية، نبدأ بوزراء حكومة نواف سلام ورئاسة جوزيف عون. ليكن مجلس الوزراء وقصر بعبدا أول منطقة تجريبية. فلْتُختبر قدرتهم على تصليح الكهرباء والمصارف والقساطل، والالتزام بخطاب القسم، وتنفيذ البنود قبل مطالبة الجيش والناس بتنفيذها، وقبل تحويل الجنوب اللبناني إلى مختبر بعيد كل البعد عن مفاهيم السياسة الأمنية للأوطان. إن الفكرة «التجريبية» بحد ذاتها اعتراف صارخ بأن أصحاب النص لا يعرفون إن كان نصهم قابلاً للحياة أصلاً!
طبعاً يستحق نتنياهو أقراصاً بكل الأعراس، فيرمي بالسلطة اللبنانية لغماً مربّعاً على طريق السلام والاستقرار ونزع السلاح، عندما يصرّ على استمرار العمليات العسكرية عند الضرورة الأمنية. ويزيده سفير الاحتلال في واشنطن يحيئيل لايتر بتلغيم «الإطار الثلاثي المشروط على اختبار الأداء واجتياز الاختبارات». هذه ألغام مُكعّبة عصية التفكيك في إدراك عون وسلام، لأنها تحوّل التوازن إلى استسلام. فتبقى النتيجة لغماً جوياً في سماء السلام، لأنه بالمبدأ، السلام الذي يبدأ بنزع قدرة طرف واحد على الردّ، فيما يحتفظ الطرف الآخر بكل أدوات القوة، هو إعادة تعريف لموازين القوة باسم السلام.
في هذا السياق، أطلق ماركو روبيو لغماً فكرياً يصرّح بأن الاتفاق خطوة أولى نحو الاستقرار، وزرعت السفيرة اللبنانية في أميركا حمادة معوّض لغماً مواكباً على «طريق استعادة وحدة الأراضي اللبنانية». لكن رمت تصريحات الكيان لغماً مربّعاً في اليوم نفسه عن التنفيذ المرتبط بتقدير الكيان وحده للواقع الأمني، بينما شهرت السلطة اللبنانية ألغامها أن السيادة قد بدأت فعلاً، واصفةً الاتفاق للرأي العام اللبناني بالمدخل إلى مرحلة جديدة. ثلاثة ألغام مكعّبة، كل واحدٍ منها يفجّر الآخر. طوشتونا.
إلى أن فكّكناها بالمفرق والجملة في إدراكنا البسيط أنه ليس المطلوب من اللبناني أن يصدّق شيئاً بعد الآن، خصوصاً إذا كان علينا تصديق ثلاث روايات متناقضة تصف الواقع نفسه.
إن أخطر الألغام هي الطائرة على أجنحة الألفاظ، المزروعة في المفاهيم لإعادة برمجة العقل اللبناني. الوصاية سيادة، العدو حليف، الاحتلال تحرير، المقاومة عدو، الانسحاب انتشار، الشكوى عدوان. حقل ألغام تراكمية على كامل مساحة ورقة الاتفاق الصالحة لمراحيض الأوطان.
الميدان لا يقرأ البنود. ولا يحضر المؤتمرات. ولا ينتظر اللجان. الميدان لا يحتاج إلى مترجم. هو اللغة الأصلية. الأرض التي تُزرع فيها الألغام قد تُطهَّر خلال أشهر، لكن قد تحتاج اللغة إلى جيل لبناني كامل، يتّحد مع جبل عامل وبقية جبال البلد، كي يتخلص من ألغامٍ فكرية لسلطةٍ فاشلة.
*كاتب لبناني
