ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

تفنيد كلام عون عن الاتفاق: لا يكفي أن تقول الدولة إنها لم تستسلم

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 4 تموز 2026
الخط


ليس أخطر ما قاله رئيس الجمهورية جوزاف عون في دفاعه عن «إطار واشنطن» أنّه اعتبره «أفضل الممكن»، بل أنّه أراد تحويل الاعتراض عليه من نقاش في الدستور والسيادة والاحتلال إلى شبهة فتنة وتشويه. هنا تبدأ المشكلة. فحين تكون الوثيقة محل النزاع متعلقة بالأرض المحتلة، وبالسلاح، وبعودة النازحين، وبالأسرى، وبحق لبنان في ملاحقة إسرائيل، لا يعود كافياً أن تقول السلطة: «لم نستسلم». في القانون والسياسة لا تقاس السيادة بالنيّات المعلنة، بل بالنتائج المكتوبة والآثار المترتبة.

قال عون إن «الإطار ليس اتفاقاً بل إطار». هذا الدفاع لا يصمد طويلاً. فإذا كان الإطار لا ينشئ التزامات، فلماذا يجري الدفاع عنه بهذه الحماسة، ولماذا يبدأ تطبيقه أو التحضير لتطبيقه؟ وإذا كان ينشئ التزامات، فالعبرة ليست باسمه بل بمضمونه. في القانون الدولي، لا تُعفى الوثيقة من طبيعتها لأنها اختارت لنفسها اسماً ناعماً. الاتفاق الذي يمس الانسحاب، والسلاح، والأسرى، والعودة، والملاحقات الدولية، ليس ورقة نوايا بريئة. إنه ترتيب له آثار سياسية وقانونية وميدانية. ولذلك لا يجوز التلاعب بين صفتين: حين يريدون إلزام الناس به يسمّونه التزاماً، وحين يُسألون عن دستوريته يسمّونه إطاراً.

قال عون إن السيادة تكمن في القرار المستقل، وإن لبنان تفاوض عن نفسه. وهذا صحيح في المبدأ، لكنه لا يكفي. فليس كل قرار تتخذه سلطة لبنانية قراراً سيادياً لمجرد أنه صدر عنها. قد تتخذ السلطة قراراً تحت ضغط الاحتلال، وقد تقايض حقاً ثابتاً، وقد تتجاوز الدستور، وقد تنقل الإرادة الوطنية من المؤسسات إلى غرفة تفاوض خارجية. السيادة ليست أن تجلس على الطاولة فقط، بل أن لا يتحول جلوسك إلى تصديق على شروط الطرف الأقوى.

المفاوضة حق للدولة، نعم؛ أما جعل الانسحاب مشروطاً، والعودة مشروطة، والعدالة مشروطة، فذلك ليس سيادة بل انتقاص منها. كما أن القول إن المادة 52 تعطي رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض لا يعني أنها تمنحه صلاحية تقرير المصير الوطني منفرداً. المادة 52 تتحدث عن تفاوض وإبرام بالاتفاق مع رئيس الحكومة وبعد موافقة مجلس الوزراء، وتضع للمعاهدات مساراً دستورياً. والمادة 65 تجعل الحرب والسلم من المواضيع الأساسية. فإذا كان الإطار يمس الحرب والسلم والاحتلال والسلاح والعدالة الدولية، فلا يكفي أن يقال إن الرئيس يفاوض. السؤال هو: هل سلكت الوثيقة الطريق الدستوري الكامل؟ وهل يملك أي مسار شكلي أن يطهّر مضموناً يصادم السيادة والحقوق الأساسية؟

قال عون إن المادة 13 لا تمنع لبنان من مقاضاة إسرائيل بل تعلق الأعمال القانونية ريثما تنتهي المفاوضات، فليس جواباً مطمئناً. التعليق نفسه مشكلة. حق الدولة في اللجوء إلى المحافل القانونية الدولية ليس زينة دبلوماسية، بل أحد مظاهر السيادة. وحين يطلب من الدولة تعليق هذا الحق في لحظة يكون فيها الاحتلال قائماً والانتهاكات مستمرة، فإن التعليق يتحول عملياً إلى حماية زمنية للمعتدي. ثم إن القول إن نقابة محامين أو مجموعة متضررة تستطيع أن ترفع دعوى لا يبرّئ الدولة من تنازلها. هناك فارق بين حق الأفراد والهيئات في التحرك، وبين واجب الدولة في استعمال شخصيتها الدولية لملاحقة المعتدي. الدولة لا تستطيع أن تقول للضحايا: اذهبوا أنتم إلى المحاكم، أما أنا، فسأعلّق حقي كي لا أزعج التفاوض.

والأخطر أن المادة 13، إذا كانت تصوغ وقف «الأعمال المناوئة» في المحافل القانونية والسياسية الدولية، فإنها لا تفرّق بوضوح بين العدوان والدفاع القانوني عنه. مقاضاة المعتدي ليست عملاً عدائياً غير مشروع، بل وسيلة سلمية مشروعة. الشكوى إلى مجلس الأمن، أو محكمة العدل الدولية، أو آليات حقوق الإنسان، أو فتح باب المساءلة عن جرائم الحرب، ليست فعلاً حربياً. إنها البديل القانوني عن الحرب. فكيف يصبح الطريق السلمي إلى العدالة موضوع تعليق، فيما يقال للبنانيين إن الإطار اختير لتجنب الحرب؟

قال عون إن الوثيقة لا تشرعن الاحتلال لأن بنودها تتحدث عن خروج الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى والجثامين. لكن العبرة ليست في ذكر الانسحاب بل في شروطه. كل اتفاق سيئ يستطيع أن يكتب كلمة «انسحاب». السؤال: هل الانسحاب واجب فوري غير مشروط، أم نتيجة اختبار أمني يقرره المعتدي أو راعيه؟ إذا كان خروج الاحتلال مرتبطاً بنزع السلاح، أو بمناطق تجريبية، أو بتقييم إسرائيلي للتهديد، فالمشكلة ليست في وجود كلمة الانسحاب، بل في تحويل الانسحاب من حق لبناني ثابت إلى مكافأة مشروطة. وهذا هو جوهر الاعتراض: الاحتلال لا يملك أن يساوم على خروجه من الأرض. واجبه أن يخرج لأنه احتلال، لا لأن لبنان أعاد ترتيب داخله وفق ما يرضيه.

قال عون إن الإطار يحقق منطق الدولة لأنه يتحدث عن حصر السلاح، وإن الطائف نفسه قال بذلك. هنا يقع الخلط الأكبر. الطائف لم يكن وثيقة لتسليم الأرض، بل وثيقة لإعادة بناء الدولة بعد الحرب على قاعدة السيادة والتحرير. والتجربة اللبنانية اللاحقة ميزت بين الميليشيات التي انتهت وظيفتها الداخلية، وبين المقاومة المرتبطة بمواجهة الاحتلال. أما استعمال الطائف اليوم لتجريم المقاومة فيما الاحتلال قائم، والقرى مهددة، والنازحون ينتظرون العودة، فهو قلب لوظيفة الطائف. حصر السلاح في الدولة لا يتحقق بإخضاع الدولة لشروط الاحتلال، ولا بتحويل الجيش إلى أداة ضغط داخلي قبل ضمان الانسحاب الكامل. الدولة لا تبنى بأن يُطلب من أبنائها أن يتجردوا من عناصر الردع بينما يبقى العدو فوق الأرض.

أما عبارة «أعطونا البديل»، فهي ليست حجة، بل فخ سياسي. البديل من اتفاق سيئ ليس الحرب بالضرورة. البديل هو تفاوض مشروط بالثوابت: انسحابٌ غير مشروط، لا اعتراف مقنعاً، لا تعليق للملاحقات الدولية، لا رهن للعودة، لا مناطق اختبار يقيّمها الاحتلال، لا مساس بحق المقاومة قبل زوال الاحتلال. والبديل أيضاً أن لا توقع الدولة ما لا يجوز توقيعه. في السياسة كما في القانون، ليس كل ما يُعرض عليك يصبح قدراً. أحياناً يكون البديل هو الرفض، أو إعادة التفاوض، أو الذهاب إلى المؤسسات، أو تدويل المطالبة بالانسحاب لا تدويل الشروط على الداخل اللبناني.

قال عون إن المعارضين يشوهون الحقيقة ويجرون البلد إلى الفتنة، وإن الخلاف ممنوع. وهنا يجب التوقف. من حق رئيس الجمهورية أن يدعو إلى منع الفتنة، بل هذا واجبه. لكن منع الفتنة لا يعني منع الخلاف. في الديمقراطية الخلاف ليس جريمة، والاعتراض ليس تشويهاً، والنزول السلمي إلى السياسة ليس تهديداً للجيش. الأخطر من الفتنة هو استعمال الخوف منها لإسكات النقاش. حين يقال للبنانيين: ناقشوا لكن لا تختلفوا، فالمعنى العملي أن السلطة تريد موافقة بلا اعتراض. وهذا يناقض أبسط معنى للدستور. الجيش لا يُحمى بإخراجه من النقاش، بل بمنع تحويله إلى أداة لتنفيذ ترتيبات مطعون في مشروعيتها.

قال عون إن للجنوبيين الحق في الحياة والأمان. صحيح، هذا حق لا يجادل فيه أحد. لكن تحويل دم الجنوبيين إلى حجة لقبول شروط الاحتلال فيه ظلم مضاعف لهم. الجنوبيون لا يريدون الحرب، لكنهم أيضاً لا يريدون سلاماً زائفاً يبقي أرضهم رهينة، وعودتهم مشروطة، وأمنهم مرهوناً برضا المستوطنات الشمالية. من قال إن أبناء الجنوب ولدوا للموت؟ لا أحد. لكن من قال إن حياتهم تُحمى بتوقيع إطار يمنح الاحتلال حق تقييم سيادتهم وعودتهم؟ الحياة لا تُصان بتسوية تجعل المعتدي حكماً على أمن الضحية.

ثم إن اختزال التاريخ بالقول إن الميدان لم يحقق شيئاً يتجاهل حقيقة أساسية: ما من احتلال خرج في لبنان بفضل النوايا الحسنة وحدها. عام 2000 لم تكن الدبلوماسية وحدها هي التي حررت الأرض. وحتى حين فشلت الحروب في منع الدمار، فإن ذلك لا يعني أن البديل هو تسليم شروط العدو. بين الحرب المفتوحة والاستسلام المقنّع توجد مساحة واسعة: مقاومة سياسية وقانونية ودبلوماسية مشروطة بالثوابت، لا تفاوض يجعل الثوابت نفسها موضوع مساومة.

قال عون إن «الإطار ليس مثالياً لكنه أفضل الممكن» لا يكفي. فهناك أشياء لا تدخل في منطق الممكن والمساومة: حق الناس في العودة، حق الدولة في ملاحقة المعتدي، عدم شرعنة الاحتلال، عدم رهن الانسحاب بشروط داخلية، وعدم تحويل الجيش إلى أداة صدام مع بيئة لبنانية أساسية. السياسة فن الممكن، نعم، لكنها ليست فن تحويل المحظور إلى ممكن. والواقعية لا تعني أن نسمّي الإذعان تسوية، ولا أن نغلف التنازل بلغة الدولة.

إن كلام عون لا يبدد المخاوف بل يؤكدها. فهو يقول إن الوثيقة ليست اتفاقاً، ثم يدافع عن إلزاميتها. يقول إن السيادة قرار مستقل، لكنه يقبل إطاراً يربط السيادة بتقييم خارجي. يقول إن المادة 13 لا تسقط حق التقاضي، لكنها تعلّقه في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان إلى تفعيله. يقول إن الاحتلال غير مشرعن، لكنه يقبل انسحاباً بلا ضمان واضح وغير مشروط. يقول إن الطائف يفرض حصر السلاح، لكنه يتجاهل أن الطائف نفسه يقوم على التحرير والوفاق لا على إخضاع الداخل لمعادلة الاحتلال.

ليس المطلوب من رئيس الجمهورية أن يعلن الحرب. المطلوب أن لا يوقّع سلاماً ناقص السيادة. وليس المطلوب أن يترك الدولة بلا قرار. المطلوب أن لا يجعل قرار الدولة جسراً لعبور شروط العدو. وليس المطلوب أن يرضي المعارضين. المطلوب أن يحترم أن الاعتراض على وثيقة تمس الأرض والدم والعدالة ليس فتنة، بل حق وواجب.

في النهاية، لا تُقاس الوثائق بما تقوله السلطة عنها، بل بما تكتبه هي في بنودها. وإذا كان الإطار يعلّق العدالة، ويرهن الانسحاب، ويعيد تعريف الاحتلال، ويحوّل المقاومة إلى مشكلة داخلية قبل زوال العدوان، فلا تكفي كل خطابات الطمأنة لتغيير حقيقته. السيادة ليست أن تفاوض باسم لبنان فقط؛ السيادة أن لا توقّع باسم لبنان ما لا يملك لبنان أن يتنازل عنه.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك