المارونية السياسية بين مزمارها وإزميرها

ليست الأزمة اللبنانية الراهنة خلافاً عابراً على صلاحيات، ولا سجالاً دستورياً بارداً بين الرئاسات، ولا نزاعاً إدارياً. الأزمة في جوهرها، عودة مكشوفة إلى السؤال الأول الذي حكم لبنان منذ نشأته الحديثة: أين يكون مركز القرار، ومن يملك حق تعريف السيادة، وهل الدولة إطار توازن وطني أم أداة بيد زعماء طائفة، أو محور خارجي، أو مشروع إقليمي يريد استخدام لبنان ساحةً لتصفية حساباته مع المقاومة؟
تاريخياً، لم يكن للحكم السعودي، مشكلة حقيقية مع من يمسك القرار في لبنان ما دام لا يخرج من المدار الغربي. كان رئيس الجمهورية، في الصيغة اللبنانية الأولى، عنواناً لامتياز سياسي ماروني محروس من الخارج، بدءاً من فرنسا، مروراً ببريطانيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة التي لم ترث الاستعمار الأوروبي القديم فحسب، بل أعادت إنتاجه عبر أدوات مثل: مساعدات، بعثات، سفراء، إصلاح، مؤتمرات دعم، وضغوط ناعمة أو خشنة بحسب الحاجة. وكان الحكم السعودي، بحكم تكوينه السياسي وموقعه الوظيفي في النظام الإقليمي، جزءاً من هذا المدار لا خصماً له. لذلك لم يكن الخلاف السعودي مع الحكم اللبناني خلافاً على التبعية، بل على إدارة التبعية وتوزيع أرباحها.
أما سوريا، فكانت ترى لبنان من زاوية أخرى.
لم تكن مشكلتها مع لبنان المجتمع، ولا مع لبنان الجغرافيا، بل مع لبنان السلطة حين يكون رأسه السياسي بوابة مفتوحة للتدخل الخارجي في خاصرة دمشق. ومن هذه الزاوية يمكن فهم حرص حافظ الأسد، بعد تجربة الحرب الأهلية وما رافقها من تدخلات إسرائيلية وغربية وعربية، على دعم التغيير الذي جاء به اتفاق الطائف، بنقل مركزية القرار من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء، أي إلى بنية أكثر تعدداً وأقل قابلية للاختطاف الفردي.
لم يكن اتفاق الطائف بريئاً من الحسابات الإقليمية والدولية، ولم يكن نصاً منزلاً من سماء الوفاق الوطني، لكنه، في لحظة تاريخية محددة، شكّل تسوية كبرى: تقليص امتياز الرئاسة الأولى، إعادة توزيع السلطة التنفيذية، وفتح الباب أمام شراكة أوسع، ولو بقيت أسيرة الطائفية نفسها. وهي صيغة سارت فيها الإدارة الأميركية والحكم السعودي، لا حباً بإصلاح النظام اللبناني، بل استمالةً لسوريا في لحظة عربية ودولية كان عنوانها الأكبر معركة إطاحة صدام حسين.
اليوم، يبدو أن بعض القوى تريد الانقلاب على روح تلك التسوية لا بنص دستوري معلن، بل بممارسة سياسية يومية. فحين أحبط الحكم السعودي من نجاعة استخدام السنّة في مواجهة المقاومة، وتراجعت قدرة أدواته التقليدية على تحويل الساحة الإسلامية إلى جبهة داخلية ضدها، وجدت الرياض نفسها تستدعي المارونية السياسية، من الكنيسة إلى الأحزاب، لتلعب دور رأس الحربة ضد المقاومة، وعندها صار إحياء صيغة الـ1943 حلماً مغرياً. فالرهان الجديد ليس على توازن وطني، بل على رئيس جمهورية يتصرف كأن الطائف تفصيل عابر، وكأن مجلس الوزراء مكتب تصديق، وكأن رئيس الحكومة موظف ينتظر الإشارة، لا أنه شريك دستوري في السلطة التنفيذية.
هنا تتجلى المقايضة المضمرة بكل وضوح: المارونية السياسية تخوض مواجهة ضد المقاومة، في موازاة الحرب الإسرائيلية عليها واستكمالاً لوظيفتها السياسية، مقابل وعد غير مكتوب بإعادة القرار إلى رئاسة الجمهورية، أو أقله بإطلاق يد الرئيس ليتصرف كما لو أن البلاد عادت إلى ما قبل دستور الطائف. إنها صفقة بين ذاكرة امتياز قديم ومشروع إقليمي جديد. الأول يريد استعادة مجد مفقود، والثاني يريد ضرب المقاومة من الداخل بعدما عجزت إسرائيل عن كسرها من الخارج.
في لبنان، يمين صهيوني يقايض الخارج، بأن يتولى هو المعركة ضد المقاومة مقابل إعادة الزمن إلى دستور العام 1943، غير آبه بالفتنة التي تقضي على ما بقي له
وصف الرئيس الشهيد رشيد كرامي موقع رئيس الحكومة في دستور ما قبل الطائف، بأنه أقرب إلى «باش كاتب». لكن ما يجري اليوم، يكاد يحوّل رئيس الحكومة، في الممارسة السياسية لا في النص، إلى «شرّابة خرج»، على ما يتندر به كثير من الساسة لا سيما السنة. وليس سراً أن رؤساء حكومات سابقين، اختلفت مواقعهم وخلفياتهم، يهمسون بغضب مكتوم من ضعف الرئاسة الثالثة، ومن جموح الرئاسة الأولى، ومن هذا الميل الخطير إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فالسنّة، الذين قبلوا بالطائف بوصفه تسوية تعيد إليهم موقعاً تنفيذياً مركزياً، لا يستطيعون أن يشاهدوا موقعهم يتحول إلى ظلّ بلا مضمون، فيما يُطلب منهم في الوقت نفسه أن يكونوا شهود زور على انقلاب سياسي لا يجرؤ أصحابه على تسميته باسمه.
من هنا، يصبح ما يسمى «اتفاق واشنطن» أكثر من ورقة تفاهم أو إطار أمني أو ممر إلزامي لتهدئة مزعومة. إنه، في حقيقته السياسية، حلف غير معلن بين المارونية السياسية واليمين الصهيوني، يمني كل طرف فيه النفس بتحقيق غايته عبر الآخر. اليمين الصهيوني يريد أن تستكمل الدولة اللبنانية ما عجزت عنه آلة الحرب الإسرائيلية: محاصرة المقاومة، نزع بيئتها السياسية، دفع الجيش والأجهزة الأمنية إلى مواجهة داخلية، وتحويل الصراع مع العدو إلى صراع بين اللبنانيين. أما المارونية السياسية، أو جناحها الأكثر وهماً، فتريد أن تقايض هذا الدور بعودة رمزية ومادية إلى زمن كانت فيه الرئاسة الأولى مركز الثقل، لا شريكاً بين شركاء.
لكن البضاعة المطلوبة من رئيس الجمهورية خطيرة ومسمومة: أن يشن حرباً سياسية وأمنية على المقاومة باسم الدولة، وأن يستخدم الجيش والأجهزة الأمنية في معركة لا يمكن للدولة أن تربحها لأنها، ببساطة، ليست معركة الدولة بل معركة الخارج على جزء أصيل من شعبها وتاريخها وقوتها. هنا يغيب عن أصحاب الحلم الجديد درس أمين الجميل وإبراهيم طنوس بين 1982 و1984. لقد ظنّ ذلك العهد، يومها، أن حماية إسرائيلية وأميركية تكفي لإعادة تركيب لبنان بالقوة، وأن الجيش قادر على أن يكون أداة غلبة داخلية. فانتهى الأمر إلى انكسار المشروع، وانكشاف الرهان، وسقوط اتفاق 17 أيار تحت ضغط انتفاضة وطنية لم تكن مجرد حدث عابر، بل إعلاناً بأن لبنان لا يُحكم بمنطق الغلبة ولا يُسلّم إلى العدو ولو وقّعت باسمه سلطة رسمية.
الجيش اللبناني، بكل ما فيه من تناقضات وضغوط وحاجات، ليس ميليشيا عند رئيس، ولا شركة أمنية عند سفارة، ولا قوة مرتزقة في خدمة مشروع إقليمي. هو مؤسسة وطنية لا تستطيع أن تنجو إلا إذا بقيت على مسافة من الفتنة. ولعل الوعي الوطني عند قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية هو ما يفسّر حال التوتر المكتوم في أعلى السلطة. فحين يشعر رئيس الجمهورية بأن المؤسسة العسكرية لا تسير كما يريد في طريق التصادم، يصبح الضغط على قائد الجيش، أو محاولة تبديل القادة العسكريين والأمنيين، جزءاً من معركة السيطرة على أدوات القوة. وهذا، في بلد كلبنان، ليس تفصيلاً إدارياً، بل لعب بالنار على حافة هاوية.
المشكلة أن بعض الموارنة السياسيين لا يقرأون التاريخ إلا من الصفحة التي تعجبهم. يستعيدون لحظة الامتياز، وينسون كلفتها. يتذكرون زمن الرئاسة القوية، وينسون أنها كانت قوية بالخارج وضعيفة في الداخل. يحلمون بلبنان يُدار من قصر واحد، وينسون أن القصر نفسه احترق سياسياً حين صار عنواناً للانقسام. يراهنون على إسرائيل، وكأن إسرائيل تمنح حلفاءها حياة، لا تستخدمهم ثم تتركهم على قارعة الهزيمة. يراهنون على واشنطن، وكأن واشنطن تعرف الوفاء لمن تورطوا في حروبها الصغيرة. ويراهنون على حرب أهلية بين اللبنانيين، وكأن الحرب الأهلية قطار يمكن إيقافه عند المحطة التي يريدونها.
قرأتُ قبل أيام تعليقاً طريفاً لكاتب ينصح السياسيين الموارنة بألا يبالغوا في أحلامهم، حتى لا يصيبهم ما أصاب اليونانيين حين غزوا أنقرة فخسروا أزمير. في هذه الصورة التاريخية ما يكفي من العبرة. فليس أخطر على جماعة سياسية من أن تخلط بين الذاكرة والأسطورة، وبين القدرة والوهم، وبين دعم الخارج وضمان النصر. لقد ظنّ اليونانيون أنهم ذاهبون إلى أنقرة، فإذا بهم يخسرون أزمير. كذلك قد يظن بعض اللبنانيين أنهم ذاهبون إلى نزع قوة المقاومة، فإذا بهم يكتشفون أنهم نزعوا آخر ما تبقى من توازن داخلي، وفتحوا الباب أمام خراب لا يختار ضحاياه بحسب الطائفة.
إن غباء المراهنة على الجزار الإسرائيلي لا يفوقه إلا غباء المراهنة على حرب أهلية بين اللبنانيين. فإسرائيل لا تريد للبنان دولة قوية، ولا جيشاً قوياً، ولا مسيحيين أقوياء، ولا سنّة أقوياء، ولا شيعة أقوياء. تريد بلداً مكسوراً، مشرذماً، محكوماً بالخوف، تستيقظ طوائفه كل صباح لتسأل من يحميها من الطائفة الأخرى، لا من يحميها من العدو. وكل من يظن أن بإمكانه استخدام إسرائيل ضد خصمه الداخلي ثم العودة إلى بيته آمناً، لا يعرف إسرائيل ولا يعرف لبنان ولا يعرف التاريخ.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان رئيس الجمهورية قادراً على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الطائف. السؤال هو: هل ينتبه النافخون في مزمار الفتنة ضد المقاومة إلى أنهم لا يفتحون طريقاً إلى الدولة، بل طريقاً إلى الانتحار الوطني؟ وهل يفهمون أن لبنان، مهما ضعف وتعب ونزف، لا يُحكم بالمغامرة، ولا يُسلّم بالصفقات، ولا يقبل أن تكون دولته بندقية مأجورة في حرب الآخرين.
