ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

في علي الخامنئي

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
موسى السادة
موسى السادة
الثلاثاء 7 تموز 2026
(مروان بو حيدر)
(مروان بو حيدر)
الخط

«فريد عصره»، هكذا وصفته بيانات برامج تشييع قائد الثورة الإيرانية، وقد تختلف أسباب هذه الفرادة بين منطلقات محبّيه بل وحتى مناوئيه وأعدائه. إلا أنه، حتماً، لعلي الحسيني الخامنئي، المولود في أقصى شرق إيران على أطراف آسيا الوسطى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، فرادة تاريخية مرتبطة بأثره على أصل مفاهيم الدولة والقيادة والنضال ضد الاستعمار، وأخيراً الشهادة.

في الكاريزما

تقدّم لنا حياة خامنئي وشهادته إجابات فريدة على كل من هذه المفاهيم على حدة، فيما يمكن المجادلة أنها إجابات تمثّل اختراقاً لكل التجارب التاريخية التي بنيت عليها هذه المفاهيم نفسها. بيّن لنا ماكس فيبر معضلة أن كل شخصية قيادية وكاريزماتية تعاني بالضرورة قصوراً ذاتياً، وحالة من عدم الاستقرار تؤدّي في الأخير إلى منحنى من التآكل في سلطتها وهيبتها، أو أن تتضخم فتُكسر أمام الثقل المُعوّل عليها. ولذلك، ووفقاً له، فعلى هذه الكاريزما أن تروّض وتنتقل شرعيتها السياسية إلى أشكال تتمتع باستقرار أكبر، أي مأسستها في بيروقراطية منظّمة، أي في دولة.

إنّ عمليّة التحوّل هذه، والمأسسة، ليست بالسهلة، خصوصاً في الظرف الثوري لدول عالم الجنوب، والتي تنتمي إلى مسار تاريخي مختلف، بل على النقيض، من مسار التحليل الفيبري. حيث إن الظرف الثوري الطامح إلى الاستقلال والتنمية يقف أمام قوة سياسية قاهرة، متمثّلة في المطامع الاستعمارية الغربية.

وعليه، تكتسي الشخصية القيادية هنا دوراً مختلفاً وذا أهمية، في مجمل العملية التاريخية، أي لا تروّض الكاريزما ضمن عملية بناء الدولة، بل إنّ عملية البناء نفسها كصيرورة ثورية ضد النهب الاستعماري تحتاج إلى الشخصية القيادية الملهمة. وهو ما يعني بالضرورة تحمّل هذه الشخصية مسؤولية تاريخية وثقلاً كبيراً، فيما قد نجحت فيه العديد من الشخصيات الثورية في أوله.
إنما المسؤولية الأصعب هي تلك المزاوجة بين مسارين متوازيين: مأسسة الدولة وتمكينها من أدوات ترويضية ومؤطّرة للكاريزما، كي لا تتضخم، فيختل توازن ثلاثية: المؤسسة والأيديولوجيا والقائد، وعليه، يؤثر غياب الأخير على تماسك المؤسسة بشكل مصيري. والمسار الآخر، الحفاظ على هذه الكاريزما كي لا تخسر دورها وقيمتها المعنوية الملهمة والممثّلة للقيم الأيديولوجية.

إنّ هذه التوليفة من الصعوبة بمكان أن لا نموذج تاريخياً في عصرنا لها. فمثلاً، في الصين الماوية تضخّمت الكاريزما الماوية، بشكل متزامن مع الكبر العمري لقائدها نفسه، وتأثير ذلك على مرونتها وعنادها واستجابتها لضرورة تأمين الانتقال المرحلي التاريخي ومتطلباته. ولذلك، يُنقل بالإشارة عن القائد الصيني أنه لو توفي عام 1956، لكانت إنجازاته خالدة، ولو توفي عام 1966، لبقي رجلاً عظيماً، وإن كانت له أخطاء، لكنه توفي عام 1976، في لحظة مُعقّدة، أثّرت على هالته التاريخية، وغير مستقرة ضمن التوازنات الصينية الداخلية، وهو في الثمانينيات من عمره.

فرادة خامنئي، أنه وفي أواخر الثمانين من عمره، كان يعمل بإدراك على هندسة هذه المفاعيل، أي هندسة الواقع بوعي وتنبّؤ، في رسم مسرح أنه وفي حال غيابه، وتحديداً شهادته، فإنه يترك بنية جاهزة لاستثمارها

وهو ما ينطبق على مجمل تجارب التنمية والاستقلال العالم ثالثي العربية والآسيوية والأفريقية وصولاً إلى فنزويلا التشافيزيةـــ لعل التواضع الكاريزماتي والتسليم للمؤسسة للأخوين كاسترو الأقرب إلى نموذجنا.
إنما تنطلق فرادة خامنئي ليس فقط من نجاحه المبهر في تأمين هذه التوليفة المتزامنة فقط، بين بناء المؤسسات وحيثياتها ومنطقها الداخلي والأيديولوجي، وبقاء فعالية لدوره الكاريزماتي، الأمر الذي يتطلب القدر الكبير من التواضع والمسؤولية أمام حجم السلطة الكبيرة الذي تمكّنه الكاريزما للإنسان. بل إن فرادته هي في وعيه بكل هذه العملية التاريخية وتصريحه المباشر بذلك، أي إن القائد الإيراني كان من الحكمة والاستقرار النفسي والإيماني الذي يمكّنه من إدارة كل ذلك، وفي دولة ومجتمع واسع النطاق ومُعقّد ومترامي الأطراف، وبكل ما يتطلبه الأمر من سعة بال ومرونة أمام متغيّرات الزمن، وإدارة التناقضات والتوجهات والتيارات المختلفة.

الأمر الذي جعله يناور أمام علاقة كبر السن والعمر مع عناد وتحجّر الشخصية الكاريزماتية وقابليتها لفهم تحولات الزمان والمكان. يأتي كل ذلك، في هرم سلطة دولة تخوض مواجهة مباشرة وراديكالية ضد السلطة الكونية للولايات المتحدة الأميركية، ما يضفي عاملاً آخر بالغ التعقيد والصعوبة.

في «الموت لأميركا»

قد يغلب على رؤية شعار «الموت لأميركا» طابع الحماسة الثورية، وعنفوان الشباب المنطلق من ردة الفعل الانتقامية على جرائم الإمبراطورية الأميركية، ليكون انعكاساً لموقف سياسي، عنوانه الرفض والطموح بالاستقلال والتحرر من الهيمنة. فهو بهذا المنظور شعار عام تعبيراً عن كل ذلك. إلا أن المسألة مع خامنئي مختلفة، فقد كان في منظوره كبرنامج عمل حقيقي، وصلبه سؤال مركزي: كيف يتمكّن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران من المساهمة القصوى في صنع إزاحة تاريخية نحو تشكيل العالم ما بعد السلطة الكونية للولايات المتحدة الأميركية؟ أي موت للإمبراطورية الأميركية، كجزء مما يراه خامنئي من واجب تحتمه الرسالة الإسلامية نحو خير البشرية.

ولذلك، كان أحد أبرز دوافع تركيبه لتوليفة المؤسسة والكاريزما قائماً على إنتاج أفضل نموذج بقاء وديمومة للجمهورية الإسلامية للقيام بدورها التاريخي هذا. وهو ما لا يشذ عن الواجب القومي ذاته تجاه الأمّة الإيرانية ومستقبلها وأجيال العقود بل القرون القادمة، حيث إن النضال ضد الإمبراطوريات وعدم الاستسلام والارتهان لها، هو خيار عقلاني لديمومة وعنفوان أي أمّة، بحيث تشق تاريخها بشكل مستقل وذاتي، ليس مشروطاً بقوى خارجية وتحولاتها.

وهذا تحديداً ما نجح فيه القائد الإسلامي الإيراني، فهو جعل من إيران، أمّة التسعين مليون نسمة، ترتقي بلعب دور تاريخي، أكبر مما يمكن لأحد افتراضه نسبة إلى حجمها بين الأمم، في تشكيل المجال العالمي وموازينه كله. نجاح لم يتأمّن لولا وعي الرجل بأنه لن يحمي الجمهورية الإسلامية ما بعد موته أو اغتياله وشهادته سوى مأسسة صلبة تجعل ترسانة أكبر الإمبراطوريات في تاريخ البشرية كلها تعجز عن تحطيمها.

في الشهادة

أحد أسس عظمة جيل القادة الشهداء الذين دأبت الصهيونية على اغتيالهم في العقود الثلاثة الأخيرة، هو في إيمانهم الكبير بحيّز الغيب المرتبط بمفهوم الشهادة، أي إنها هي بحد ذاتها، ومهما حصلت كيفيتها، فإنهم موعودون من الغيب ببشارة تنتج منها. فيحصل مزيج أيديولوجي صلب بين مفهومي الشهادة والنصر.

إلا أن فرادة خامنئي، أنه وفي أواخر الثمانين من عمره، كان يعمل بإدراك على هندسة هذه المفاعيل، أي هندسة الواقع بوعي وتنبؤ، في رسم مسرح أنه وفي حال غيابه، وتحديداً شهادته، فإنه يترك بنية جاهزة لاستثمارها في الانتقام وتدفيع الثمن وحماية النموذج ككل. بينما غيره من الشهداء العظام يتركوننا لمواجهة مسؤوليتنا في البناء من جديد ثم العمل على الانتقام واستعادة المبادرة، أي أن تأخذ السنن التاريخية مجراها، بينما خامنئي كان من مستوى الوعي والتأثير في صناعة السنن نفسها.

لم يكن قائد الثورة الإسلامية هنا قد قرّر التضحية أو الشهادة فجعل نفسه مكشوفاً للعدو، إلا أن ما كان يريده هو أن يمارس السياسة من على حافة الموت باطمئنان، مستبشراً بالذين لم يلحقوا به لأنه عمل طوال السنين على تربيتهم وصناعتهم، ليحقق غايته الأخرى، بعد نيل المنى، في الرجوع إلى ربّه كنفس شريفة مطمئنة.

* كاتب عربي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك