زيارة كوبر تكشف ما أخفاه خطاب عون: الإطار اختبار للبنان لا انسحاب لإسرائيل

لم يكن دفاع رئيس الجمهورية جوزاف عون عن «إطار واشنطن» سوى محاولة لإقناع اللبنانيين بأن الوثيقة التي وُقّعت في أميركا تحفظ حقوق لبنان، وأنها لا تشرعن الاحتلال، ولا تتنازل عن العدالة، ولا تخرج عن منطق الدولة. لكن الوقائع التي بدأت تتكشف بعد زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى بيروت، تقول شيئاً آخر تماماً: الإطار لم يدخل التنفيذ، لا لأن المعترضين شوّهوا صورته، بل لأن بنيته نفسها عاجزة عن إنتاج تنفيذ متوازن. إنه لا يبدو اتفاق انسحاب، بل اختباراً للبنان؛ ماذا سيفعل الجيش؟ ماذا سيفعل حزب الله؟ ماذا تقبل السلطة؟ أما إسرائيل، فباقية في موقع من يطلب ويقيّم وينتظر، من دون التزام واضح ومحدد بالخروج.
جاء كوبر، وفق المعلومات المتداولة، على أساس أن زيارته ستواكب بداية انتشار الجيش اللبناني في ما سُمّي «المناطق التجريبية». لكنه اصطدم بحقيقة بديهية كان ينبغي أن تكون في أصل الإطار لا في ذيله: الجيش لا يقرّر السياسة، بل ينفذ قرار الدولة. لا يستطيع قائد الجيش أن يباشر ترتيبات تمسّ الحرب والسلم، والحدود، والسلاح، والانتشار، من دون قرار سياسي ودستوري واضح. وهذه وحدها تكفي لإسقاط خطاب الاستعجال الذي يطلب من اللبنانيين «إعطاء فرصة» لوثيقة لم تُحسم بعد داخل المؤسسات التي يفترض أن تمنحها الغطاء.
هنا تظهر أولى مشكلات كلام عون. فهو يقول إن لبنان تفاوض عن نفسه، وإن الدولة استعادت قرارها السيادي. لكن زيارة كوبر كشفت أن الدولة نفسها لم تقرر بعد كيف يتحول هذا التفاوض إلى تنفيذ. فإذا كان الجيش لا يستطيع التحرك قبل قرار مجلس الوزراء، وإذا كان الاتفاق يحتاج إلى مسار دستوري واضح، وإذا كانت الملاحق الأمنية سرية، فأين هي السيادة المكتملة التي يتحدث عنها الرئيس؟
الأهم أن ما نُقل عن موقف قيادة الجيش يهدم إحدى الركائز الأساسية في دفاع عون عن الإطار. فقد قيل إن لبنان نفّذ كل ما طُلب منه منذ وقف الأعمال العسكرية: الانتشار جنوب الليطاني، الدخول في مفاوضات مباشرة، ثم توقيع الإطار. في المقابل، لم تقدّم إسرائيل خطوة مقابلة: لا انسحاباً، ولا جدولاً زمنياً، ولا ضمانة واضحة، ولا تحديداً لما يلي المرحلة الأولى. فإذا كان الأمر كذلك، فبأي معنى يكون الإطار «أفضل ممكن»، بينما تبقى التزامات إسرائيل مؤجلة ومشروطة ومفتوحة على تفسيرها هي وتفسير الراعي الأميركي؟
لقد قال عون إن الإطار لا يشرعن الاحتلال، لأن بنوده تتحدث عن خروج الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى والجثامين. لكن زيارة كوبر وما تلاها من مواقف إسرائيلية يكشفان أن السؤال ليس هل ذكرت الوثيقة كلمة الخروج، بل هل جعلته واجباً محدداً ملزماً؟ هل قالت إن إسرائيل تنسحب في تاريخ معلوم؟ هل ربطت تنفيذ لبنان لأي التزام بخطوة إسرائيلية مقابلة وفورية؟ هل منعت إسرائيل من إبقاء «منطقة أمنية» باسم جديد؟ الجواب العملي جاء من بنيامين نتنياهو نفسه حين أعلن، من داخل إحدى المناطق المحتلة في الجنوب، أنه لا انسحاب من المواقع التي تسيطر عليها إسرائيل. هذه ليست تفصيلاً دعائياً، بل إن التفسير الإسرائيلي الأول للإطار: لبنان يختبر، والجيش يضغط عليه، والمقاومة تُطالب بالانسحاب من الحدود، أما الاحتلال فيبقى حتى يقرر هو.
كيف تطلب من الجيش تنفيذ اتفاق لم يأخذ طريقه إلى المصادقة داخل المؤسسات الدستورية في الحكومة أو غيرها؟
من هنا، تبدو عبارة «المناطق التجريبية» أخطر من مجرد تفصيل أمني. فهي لا تعني، كما يوحي خطاب السلطة، مرحلة تقنية تمهد لانسحاب واضح. بل قد تتحول إلى أداة لقياس مدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ المطالب الإسرائيلية داخل لبنان. والأخطر، وفق ما نُقل عن النقاشات، أن إسرائيل تطلب انتشار الجيش في مناطق لا تحتلها أصلاً. فإذا صح ذلك، فنحن لا نكون أمام خطة لإنهاء الاحتلال، بل أمام توسيع وظيفة الإطار: من إخراج الاحتلال من الأرض التي يحتلها، إلى إدخال الجيش في اختبار أمني في مناطق يقرر العدو أهميتها. عندئذ لا يصبح السؤال: متى تنسحب إسرائيل؟ بل: ماذا سيفعل لبنان كي ترضى إسرائيل؟
ما قيل عن رفض الوفد العسكري اللبناني الرقابة على الجيش، ورفض التواصل المباشر مع الجانب الإسرائيلي، والمطالبة بانسحاب واضح ومحدد زمنياً، يثبت أن الاعتراض على الإطار لم يكن اختراعاً من «المشوّهين» ولا تحريضاً سياسياً من الخارج. الاعتراض وُلد داخل المسار نفسه. كان هناك من رأى في النص خللاً، ومن حذّر من عباراته، ومن رفض مبدأ المناطق التجريبية، ومن طلب ضمانات أوضح. لكن الاعتراضات لم تجد طريقها إلى الصيغة النهائية، لأن الأميركي تعامل، كما تقول المعلومات، مع النص بوصفه صيغة جاهزة لا مجال لتعديلها. فأين التفاوض السيادي هنا؟ وأين القرار المستقل إذا كان الوفد يعترض، والراعي يرفض، والنص يمر كما أراده الطرف الأقوى؟
أما حجة عون بأن الإطار يحقق «منطق الدولة» لأنها تريد بسط سلطتها على كامل الأراضي، فتسقط أمام الوقائع نفسها. منطق الدولة لا يكون بأن تُطلب من المؤسسة العسكرية خطوات داخلية قبل انسحاب العدو. ولا يكون بأن تُحوّل مهمة الجيش من حماية الحدود إلى اجتياز اختبار يحدده الاحتلال أو الراعي الأميركي. الدولة تُبسط سلطتها أولاً حين يخرج الاحتلال بلا شرط، وحين يُنتشر الجيش على كامل الحدود بعد زوال الاحتلال، وحين يصير القرار الأمني لبنانياً لا وظيفة ضمن هندسة أمنية إسرائيلية. أما أن يُطلب من الدولة أن تثبت أهليتها للسيادة قبل أن تستعيد أرضها، فذلك ليس منطق الدولة، بل منطق الوصاية.
في هذا المعنى، يكشف تأخر الإقرار الدستوري للإطار عن أزمة أعمق. فالاتفاق، كما يبدو، يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء على الأقل، لأنه يمسّ مسائل من طبيعة الحرب والسلم والانتشار العسكري والالتزامات الدولية. وهذا يفسر حرج السلطة في طرحه على الحكومة وخشيتها من الانقسام أو المقاطعة. لكن هذا الحرج ليس تفصيلاً سياسياً. إنه دليل على أن الوثيقة وُقّعت قبل أن تُبنى لها شرعية داخلية كافية. وإذا كانت السلطة تخشى عرض الإطار على مؤسساتها، فكيف تطلب من الجيش والناس والمقاومة والنازحين أن يتعاملوا معه كأنه قدر وطني لا يُناقش؟
زيارة كوبر لم تكشف نجاح الإطار، بل كشفت هشاشته. كشفت أن واشنطن تنتظر من لبنان التنفيذ قبل أن تلزم إسرائيل بالانسحاب. وكشفت أن الجيش لا يستطيع السير بلا قرار سياسي ودستوري. وكشفت أن إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة بالخروج. وكشفت أن الاعتراضات العسكرية اللبنانية على النص لم تُحترم. وكشفت أن ما سُمّي إطاراً ليس حتى الآن خطة انسحاب، بل آلية ضغط على لبنان.
لذلك لا يكفي أن يقول عون إننا لم نستسلم. الاستسلام لا يُقاس بالنيات بل بالنصوص والنتائج. حين يلتزم لبنان الآن وتعد إسرائيل لاحقاً، فهذا خلل. وحين يُطلب من الجيش أن ينتشر في مناطق يحددها منطق أمني خارجي، فهذا خلل. وحين يبقى الاحتلال بلا جدول زمني، فهذا خلل. وحين يعلن نتنياهو من الأرض المحتلة أنه لن ينسحب، فهذا ليس سوء فهم بل حقيقة الإطار كما يقرؤه العدو.
