هل من بدائل عن مضيق هرمز؟

تعيد التطورات المتسارعة والأزمات الجيوسياسية المتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط إلى الواجهة سؤالاً استراتيجياً يتجاوز حدود الحسابات العسكرية المباشرة ليمسّ عصب الاقتصاد الدولي برمّته: هل تستطيع أسواق الطاقة العالمية، في حال اندلاع مواجهة شاملة أو حدوث انسداد في الشرايين المائية، إيجاد بدائل جغرافية وتقنية قادرة على تعويض تعطل الممرات البحرية الرئيسية في المنطقة، وعلى رأسها مضيقا هرمز وباب المندب؟
تزداد خطورة هذا الطرح بالنظر إلى أن مضيق هرمز يمثّل العصب الأكثر حرجاً في حركة التجارة الدولية لموارد الطاقة، إذ يمر عبر هذا الشريان المائي الضيق يومياً ما ينوف عن عشرين مليون برميل من النفط الخام، والمشتقات المكررة، والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي اليومي. وعلى الضفة الأخرى، يشكّل باب المندب البوابة الجنوبية شديدة الحساسية للربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ورغم العقود الطويلة التي قضتها الدول المنتجة والمستهلكة في البحث عن مخارج آمنة، تؤكد المعطيات الرقمية والهندسية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن التعويض الشامل عن هذين الممرين يعدّ مسألة غير ممكنة ضمن المعادلة الميدانية القائمة.
تتوزع البدائل المتاحة حالياً على شبكة جزئية من خطوط الأنابيب البرية التي شيّدت تاريخياً للالتفاف على العقد البحرية، وفي مقدمها «خط الأنابيب شرق - غرب» في المملكة العربية السعودية (بترولاين) الممتد من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، وخط «حبشان - الفجيرة» في دولة الإمارات العربية المتحدة. غير أن هذه الشبكات تعاني من ثغرة أمنية وهيكلية قاتلة في زمن الحروب المفتوحة، فالأنبوب البري، ولو نجح في تجاوز هرمز، يظل هدفا عسكرياً سهلاً ومكشوفاً للغارات الجوية، أو المسيرات الانتحارية، أو العمليات التخريبية. إن ضرب محطة ضخ واحدة أو ضرب جزء محدد من الأنبوب كفيل بتعطيل الممر بالكامل وإخراجه عن الخدمة لأسابيع متواصلة، ما يجعل الرهان عليها مجازفة أمنية عالية المخاطر.
على الضفة الأخرى، حتى لو تمكنت الشحنات النفطية من تجاوز مضيق هرمز عبر الأنابيب والوصول بنجاح إلى موانئ البحر الأحمر، فإن التوجه شمالاً لنقلها إلى الأسواق الأوروبية يصطدم بعقبة فنية وجغرافية لا تقل تعقيداً، وهي المحدوديّة التشغيلية لقناة السويس نفسها. فالقناة، ورغم أهميتها التاريخية والاستراتيجية، تظل ممراً مائياً ضيقاً وبغاطس محدد لا يتسع لعبور الناقلات النفطية العملاقة جداً من فئة (VLCC) أو الخارقة من فئة (ULCC) وهي بكامل حمولتها الثقيلة. هذه الناقلات الضخمة تضطر إما لتفرغ جزءاً كبيراً من شحنتها في أنبوب «سوميد» المصري ليتم شحنها مجدداً في البحر المتوسط، أو عدم سلوك القناة أصلاً، ما يجعل الاعتماد على السويس حلاً غير فاعل ولا يستوعب التدفقات الضخمة.
أمام هذه الانسدادات الفنية في القناة والمخاطر الأمنية المحدقة بالأنابيب البرية، يجد أسطول الشحن البحري العالمي نفسه مجبراً في حالات الأزمات المستعصية على اتخاذ الخيار الوحيد المتبقي: الدوران الطويل حول قارة أفريقيا عبر مسار «رأس الرجاء الصالح».
غير أن اللجوء إلى خيار رأس الرجاء الصالح لا يحل الأزمة بقدر ما يرحّلها ويكثف آثارها الاقتصادية، فبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يضيف هذا المسار البديل ما بين عشرة إلى أربعة عشر يوماً لإبحار السفن، مما يؤدي إلى استهلاك كميات ضخمة من الوقود، وارتفاع كلف التأمين البحري وأجور الشحن لنسب قياسية، فضلاً عن تعطيل سلاسل الإمداد والتوريد وتأخير وصول السلع الأساسية وموارد الطاقة إلى المقاصد النهائية، ما يترجم فورياً في صورة أزمات سوقية تصيب الاقتصاد العالمي بالضرر.
وفقاً لتقارير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة (OIES) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول مشاريع البنية التحتية والمسارات البديلة لنقل الطاقة في الشرق الأوسط، طُرحت عدة عقود مشاريع هندسية وجيوسياسية للالتفاف الكامل على هذه المضائق، كأفكار مد خطوط أنابيب عملاقة من جنوب العراق عبر الأردن إلى ميناء العقبة، أو إنشاء شبكات أنابيب تمتد من حقول الخليج عبر سلطنة عمان مباشرة نحو المحيط الهندي، وصولاً إلى مقترحات تاريخية لشق قنوات مائية تخترق شبه الجزيرة العربية. لكن هذه التصاميم ظلت حبيسة الأدراج نتيجة التكاليف الماليّة الهائلة التي تتطلب مئات المليارات من الدولارات، والتضاريس الجغرافية القاسية، فضلاً عن واقع أن الأنابيب الممتدة عبر آلاف الكيلومترات تزيد من مساحة السطح العرضة للاستهداف العسكري المباشر في منطقة تعج بالصراعات.
تقود القراءة الرقمية والميدانية إلى خلاصة استراتيجية مفادها أن الطاقة الاستيعابية الكلية لجميع أنابيب التجاوز المتاحة حالياً لا يمكنها تغطية أكثر من 35% إلى 40% من حجم التدفقات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز (هذا إن سلمت تلك الأنابيب ومحطات ضخها من القصف والمخاطر الأمنية). إن إغلاق هرمز وباب المندب لا يعني مجرد تغيير مسار السفن في البحر، بل يعني اقتطاعاً فورياً لمقدار 12% إلى 15% من الإمداد النفطي العالمي اليومي، وهو الفراغ الهائل الذي لا تملك أي بدائل تقنية، أو أنابيب برية معرضة للاستهداف، أو ممرات ضيقة كقناة السويس القدرة على تعويضه، أو حتى إمكانية لتعويض هذا النقص في الإنتاج، مما يترك الاقتصاد العالمي مكشوفاً أمام أزمة طاقة غير مسبوقة.
