ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

ماذا يمكن لليسار أن يتعلّم من التجربة الإيرانية؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
نذير محمد
نذير محمد
الثلاثاء 25 آب 2026
الخط

إيران ليست بالضرورة نظاماً يُقتدى به؛ فعلى المستوى الاجتماعي هي نظام محافظ، كما أن قطاعات مهمة من اقتصادها تتشكّل وفق منطق نيوليبرالي رغم توجهاتها الوطنية وكونها "دولة صاعدة" بحسب تصنيف المفكر المصري الراحل سمير أمين. ومع ذلك، فإن التجربة الإيرانية تقدّم، لأولئك المنتمين إلى اليسار والمنخرطين بجدّية في سؤال كيفية بقاء المشاريع السياسية المناهضة للهيمنة وتعميقها بمرور الزمن، مجموعةً من الدروس التي انتُزعت بشقّ الأنفس ولم تحظَ بما تستحقّه من بحث. ليس القول هنا بأن إيران نجحت في بناء الاشتراكية أو حتى في إقامة مجتمع "عادل"، لكنها أظهرت قدرة لافتة على الصمود والمقاومة والتطوّر في ظل ظروف استثنائية من الضغط الخارجي.
ويبرز هنا درسان أساسيان: ضرورة مأسسة الثورة (أولاً)، وتطوير قوى الإنتاج (ثانياً).

أولًا- الثورة الثانية: مأسسة الثورة

يزخر التاريخ بقطائع ثورية انتهت إلى التراجع والانقلاب على نفسها. فمن كومونة باريس إلى بلدان الكتلة الشرقية السابقة، يتكرّر النمط ذاته: يبدأ تحوّل جذري، وتتحرك القوى المعادية، وتتعمق التناقضات الداخلية، ثم ينهار المشروع، سواء أكان ذلك عبر انقلاب عسكري أم تدخل أجنبي أم تآكل مؤسسي. أمّا لحظة القطيعة، على الرغم من كونها مشحونة بالحماسة، فلا تكفي أبداً بمفردها.

وتوحي التجربة الإيرانية بأن ديمومة المشاريع المناهضة للهيمنة تتطلّب ثورةً ثانيةً مُمأسسة؛ أي جهداً متعمّداً ومُستداماً لإدماج النظام الجديد في بنية الدولة والمجتمع. ويعني ذلك بناء نظام سياسي قوي ومترابط ومتجذّر مؤسسياً، قادر على الدفاع عن النظام الثوري في مواجهة التفكّك الداخلي والضغط الخارجي معاً. فمن دون هذا التوطيد، تتعرّض الحركات الثورية بصورة متكرّرة للاستيعاب أو الحل أو الإطاحة بها على أيدي قوى الثورة المضادة. أمّا بوجوده، فيستطيع حتى نظام معزول خاضع للعقوبات أن يحافظ على قدر من التماسك السياسي على مدى عقود.

لعلّ أكثر أبعاد التجربة الإيرانية إثارةً للانتباه وأقلّها تقديراً هو التزامها بتطوير القدرة العلمية والتكنولوجية في ظل ظروف من العزلة الاقتصادية القصوى

وهذا درس غير مريح؛ لأنه يفترض أن المتع الجمالية للثورة — عفويتها وفورانها الشعبي — لا بدّ أن تفسح المجال في نهاية المطاف لشيء أكثر دواماً وأشدّ تطلّباً. فالمؤسسات ليست نقيض الروح الثورية، بل هي شرط إمكان استمرارها عبر الزمن.
هذا يمكن استنتاجه من خلال الصمود الإيراني رغم الحرب وموجة الاغتيالات في بداية الحرب؟

ثانياً- قوى الإنتاج: التكنولوجيا بوصفها أداة السيادة

لعل أكثر أبعاد التجربة الإيرانية إثارةً للانتباه وأقلّها تقديراً هو التزامها بتطوير القدرة العلمية والتكنولوجية في ظل ظروف من العزلة الاقتصادية القصوى. فعلى الرغم من خضوعها لبعض أقسى العقوبات في التاريخ الحديث، حافظت إيران على أبحاثها النووية وطوّرتها، ووسّعت برنامجها الصاروخي، وبنت قدرات في مجالات الفضاء والتقنية الحيوية وغيرها من الحقول الاستراتيجية. وبصرف النظر عن الرأي في التطبيقات المحدّدة لهذه القدرات، فإن المنطق الكامن وراءها جدير بالتأمل: الاستقلال التكنولوجي شرط مُسبق للسيادة السياسية.

ويمكن أن نذكر بعض الأمثلة التاريخية. ففي الاتحاد السوفياتي، تحوّل الاقتصاد خلال أقل من عقدين من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي إلى قوة صناعية عظمى. وقد دفعت الخطط الخمسية إلى إنشاء مصانع الصلب ومحطات الطاقة والسكك الحديدية والصناعات الثقيلة على نطاق أدهش حتى المراقبين المعادين. وبحلول الحرب العالمية الثانية، أثبت هذا التصنيع القسري أنه حاسم؛ إذ استطاع الاتحاد السوفياتي أن يتفوّق على ألمانيا النازية في إنتاج الدبابات والمدفعية والطائرات. ومهما بلغت الكلفة الإنسانية الوحشية، فقد كان الدرس الاستراتيجي واضحاً: إن المجتمع الذي يسيطر على وسائل إنتاجه الخاصة يستطيع مقاومة الهيمنة بطرائق لا تستطيع الاقتصادات التابعة أن تقاوم بها.

ويمكننا أيضاً أن نذكر الصين؛ فالجمهورية الشعبية تقدّم، ربما، المثال الحديث الأكثر إثارةً للانتباه. فمن الاستثمارات التأسيسية في الحقبة الماوية محو الأمية الجماهيري، والصناعة الأساسية، والبنية التحتية إلى القفزة التكنولوجية في عهد دينغ شياو بينغ، عملت الصين بصورة منهجية على بناء القدرة الإنتاجية بوصفها شرطاً للسيادة. واليوم، فإن تقدّمها في مجالات الطاقة المتجددة والسكك الحديدية الفائقة السرعة والذكاء الاصطناعي يعكس عقوداً من الاستثمار المتعمّد، الذي تقوده الدولة، في العلم والتكنولوجيا. لا يبعث هذا على الدهشة. فتطوير القوى المنتجة لم يكن يوماً مسألة ثانوية أو اقتصادية محضة؛ بل هو مسألة سياسية واستراتيجية. والمجتمع الذي يفتقر إلى القدرة على إنتاج التكنولوجيات التي يعتمد عليها يظل خاضعاً بنيوياً داخل الهرمية العالمية للقوة، بصرف النظر عن سيادته الشكلية. أمّا المشاريع المناهضة للهيمنة التي تهمل هذا البعد، فتجد نفسها في نهاية المطاف مُقيّدةً بأشكال التبعية ذاتها التي سعت إلى الإفلات منها.

وعليه، توحي الحالة الإيرانية بأن المشروع الناجح المناهض للهيمنة يحتاج إلى مأسسة وإلى الأسس المادية والمؤسسية — ولا سيما في العلم والتكنولوجيا — اللازمة للحفاظ على الاستقلال بمرور الزمن. فإذا كان الصراع الطبقي هو محرّك التاريخ، فإن تطوّر قوى الإنتاج هو الوقود الذي يدفعه إلى الأمام

خاتمة: التعلّم من دون تبنٍّ

إن التعلّم من تجربة سياسية ليس هو نفسه الاحتفاء بها. حتى لو كنا منحازين إلى إيران حالياً لكونها دولة وطنية في حرب ضد الإمبريالية الأميركية والصهيونية لكن لا يعني أن نتبنى النظام السياسي لإيران أو نعتبره نموذجاً. غير أن اليسار كان، في أحيان كثيرة، انتقائياً أكثر مما ينبغي في دروسه التاريخية، إذ لم يستقِ منها إلا ما يؤكد افتراضاته القائمة. وإيران، بما تنطوي عليه من تعقيد وتناقض، تجبرنا على التفكير بعمق أكبر في أسئلة مهمة: كيف نُمأسس قطيعةً؟ كيف نحافظ على التعددية من دون أن نفتح الباب أمام ذوبان المشروع نفسه؟ وكيف نبني سيادةً تكنولوجيةً ونحن تحت الحصار؟
كيف نحافظ على وجودنا في عالم تحت السطوة الإمبريالية؟
هذه ليست أسئلةً بلاغية. إنها من بين أكثر الأسئلة الاستراتيجية إلحاحاً التي تواجه أي سياسة تحررية جادّة اليوم.

* باحث من تونس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك