لماذا نغضب كثيراً لكن لا نغيّر كثيراً؟

منذ السابع من أكتوبر، تعيش فلسطين ولبنان والمنطقة كلها حرباً وجودية إباديّة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. الإبادة الجماعية هي إحدى أكثر تجلّيات الأزمة البنيوية للنظام الرأسمالي-الإمبريالي عنفاً ووحشية. هذه الأزمات ليست انحرافاً عن الرأسمالية، بل جزء من طريقة عملها وتمظهر تناقضاتها البنيوية. الأزمة الرأسمالية واحدة في العالم، لكن أشكال تمظهرها تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب بنيتها السياسية والاجتماعية؛ ففي أوروبا، مثلاً، تتجلّى في صعود الفاشية، بينما تتجلّى في منطقتنا بأكثر صورها عنفاً عبر الإبادة الجماعية.
الإبادة ليست استثناءً في تاريخ الرأسمالية، بل جزء من سيرورة توسعها؛ فالتوسع الرأسمالي ارتبط تاريخياً بالإبادة والاستيطان الاستعماري. تراكم رأس المال تأسّس على اقتلاع الشعوب الأصلية، واستعباد البشر، والاستيلاء على الأرض بالقوة، ومن الأمثلة التاريخية إبادة الشعوب الأصلية في أميركا وأستراليا خلال التوسع الاستعماري الأوروبي، وما نعيشه منذ أكثر من قرن، وما نشهده اليوم في فلسطين والمنطقة.
وإذا كانت الإبادة جزءاً من سيرورة التوسع الرأسمالي، فإن الكيان الصهيوني يشكّل اليوم أبرز الأدوات التي يتحقق من خلالها المشروع الإمبريالي في منطقتنا، بوصفه امتداداً عضوياً لهذا المشروع. لذلك، فالمعركة ليست محصورة في فلسطين، بل هي جزء من مواجهة أوسع بين مشروع إمبريالي يسعى إلى إعادة إنتاج هيمنته عبر الحروب والاستعمار والتبعية والإبادة، ومشروع تحرري معادٍ للإمبريالية تقوده قوى المقاومة، وفي مقدمتها اليوم إيران.
لماذا يبدو العمل النضالي أصعب اليوم؟
شعوب المنطقة تعيش اليوم الأزمة الرأسمالية العالمية وتداعياتها: حروب، إبادة، احتلال، تطبيع، قلق دائم، انهيار اقتصادي وأزمات اجتماعية متتالية. والغضب في نفوس شعوب المنطقة حيال ما يحصل في غزة ولبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن كبير جداً. ومع ذلك، لم تستطع شعوب منطقتنا، التي تعيش تداعيات الأزمة الرأسمالية الأكثر عنفاً، تحويل هذا الغضب إلى فعل نضالي مُنظّم.
من جهة، تخوض المقاومة المعارك في الميدان وتسطّر بطولات وملاحم تاريخية، وفي المقابل، لم ترتفع المواجهة الشعبية، في مختلف المساحات النضالية، إلى مستوى الخطر الوجودي الذي نعيشه. وهذا، إن دلّ على شيء، فعلى حجم أزمة العمل النضالي اليوم.
لا تكتفي الرأسمالية-الإمبريالية بمواجهة حركات التحرر عسكرياً، بل تعيد تشكيل أدوات الهيمنة للحفاظ على استمراريتها. ومع إنتاجها للعنف، تعيد تشكيل الوعي والتنظيم وأشكال الانخراط السياسي، بما يجعل العمل النضالي نفسه يعيش أزمة.
الرأسمالية تُثقِل كاهل الناس؛ تجعل الإنسان مُستنزفاً قبل أن ينخرط سياسياً: ساعات عمل طويلة، أجور منخفضة، وعمل غير مستقر. وعندما يصبح تأمين الطعام والسكن والتعليم والصحة معركة يومية، يتقلّص الوقت وتنخفض الطاقة المتاحة للعمل السياسي.
لفهم أزمة العمل النضالي اليوم، يجب العودة إلى أحد المفاهيم الماركسية المركزية: الاستلاب. العامل ينتج، لكنه لا يتحكم بما ينتجه؛ يعمل وفق منطق رأس المال، ويصبح منفصلاً عن عمله وعن الآخرين وعن ذاته. فإذا كانت آلة المصنع في القرن التاسع عشر قد أخضعت العامل لإيقاع الإنتاج، فما هي الآلة اليوم؟
لم تعد الآلة محصورة في المصنع، بل أصبح هناك ما يمكن تسميته بالماكينة الرأسمالية العالمية الرقمية: شبكة من رأس المال والتكنولوجيا والعمل والبيانات والسلطة والبنية التحتية والمنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والإعلام. داخل هذه المنظومة العالمية المتكاملة دخل مفهوم جديد من الاستلاب هو الاستلاب الرقمي. اليوم لا تُستغل قوة عملنا فقط، بل يُستغل أيضاً وقتنا وانتباهنا وبياناتنا.
هذه الماكينة الرقمية لا تنتج السلع فقط، بل تنتج وعينا واهتماماتنا، وتؤثر في ما نراه، وما نهتم به، وما نغضب له، وما لا نهتم به وما ننساه. وهكذا تصبح التكنولوجيا أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا مجرد وسيلة للتواصل. يصبح التفاعل أسرع، لكنّ التنظيم أضعف: يتحول المناضل إلى «مؤثّر»، وفي أحسن الأحوال إلى «ناشط»؛ تصبح القضية تفاعلاً لحظياً، والموقف «محتوى»، والتضامن «مشاركة»، والحملة «هاشتاغاً». المشكلة ليست في استخدام المنصات، بل عندما تصبح المنصة بديلاً عن التنظيم.
تُفرَّغ الأحزاب الثورية والتنظيمات الشعبية والنقابات، وتُستبدل بها أشكال يسهل احتواؤها، كمنظمات المجتمع المدني المنزوعة من الصراع الطبقي وذات التمويل المشبوه: حيث يُستبدل بناء الخلية بمجموعة رقمية، والكوادر بصناعة محتوى، ويتحوّل التراكم والتنظيم إلى تفاعل مع الحدث.
وتتحول القضية إلى نزاعات مُفكّكة؛ فتصبح لدينا عشرات القضايا، لكن لا يوجد مشروع جامع يربطها. تُفصل مثلاً قضايا التطبيع مع الكيان الصهيوني عن القضية الفلسطينية، والفقر عن الطائفية، والقضايا المحلية عن الصراع العالمي، بينما تتقاطع هذه القضايا في الحقيقة داخل بنية اقتصادية وسياسية واحدة.
تفكيك النضالات عن بعضها يساهم في تفكيك الكتلة التاريخية صاحبة المصلحة في التغيير. فالتغيير لا يصنعه أفراد، بل طبقات اجتماعية تنظّم نفسها حول مشروع سياسي مشترك. لذلك تعمل الرأسمالية على منع تشكّل هذه الكتلة التاريخية.
ومن هنا نصل إلى واحدة من أهم أدوات إعادة إنتاج الهيمنة: الهيمنة الثقافية.
يرى غرامشي أن الهيمنة لا تقوم فقط على السيطرة على السلطة، بل تمتد إلى الثقافة ووسائل الإعلام واللغة والمفاهيم. الهيمنة الثقافية لا تمنع الناس من التفكير، بل تحدّد الإطار الذي يفكرون من خلاله، فتجعل قيم الطبقة المهيمنة تبدو طبيعية وبديهية عبر الإعلام والتعليم والإعلان والثقافة. وتعمل البروباغندا داخل هذا الإطار على تفتيت الوعي الجماعي، وتعزيز الفردانية والمنافسة والعجز السياسي، بما يعيق تشكّل وعي مشترك قادر على تغيير البنية الاجتماعية.
فالذي يحدّد المفاهيم ومعانيها، يحدّد أيضاً طريقة فهم الناس للصراع السياسي. عندما تصبح الإمبريالية «نظاماً دولياً»، والاستعمار «نزاعاً»، والتطبيع «سلاماً»، والمقاومة «مجموعة خارجة عن القانون»، والمناضل «ناشطاً»، ويصبح الحزب والتنظيم السياسي شكلًا قديماً لا فائدة منه، تتغيّر الطريقة التي نفهم بها الواقع السياسي وطبيعة الصراع وأدوات النضال. الصراع على اللغة هو جزء من الصراع على الوعي.
شيطنة المقاومة، خاصة المقاومة المسلحة، هي جزء من إعادة إنتاج الهيمنة؛ إذ تُنتزع عنها شرعيتها السياسية والأخلاقية، ويُفصل فعلها عن سياقه الاستعماري والتاريخي. وبذلك تتحوّل المقاومة من فعل تحرري إلى «إرهاب» أو «عنف»، بينما يُقدَّم الاستسلام أو التسوية بوصفهما الخيار «العقلاني» و«المتحضّر».
إذا كانت الهيمنة منظّمة، فإن مقاومتها تحتاج إلى تنظيم أقوى لمواجهة أدواتها. فالطبقة الحاكمة تحكم لأنها تبني كتلة تاريخية توحّد الدولة والإعلام والتعليم والثقافة والاقتصاد لخدمة مشروعها، وبالتالي مشروع الهيمنة. ومواجهة الهيمنة تكون ببناء كتلة تاريخية مضادة تحمل مشروعاً تحررياً.
إذا كانت الرأسمالية قد فكّكت الروابط الجماعية، فإن مهمة الحركة التحررية هي إعادة بنائها. وإذا كانت تنتج الإنسان الفردي والمُستلب، فإن مهمة الحركة التحررية هي إعادة بناء الإنسان المنظّم. وإذا كانت قد فرّقت النضالات، فالمطلوب ربطها ضمن مشروع سياسي جامع.
إعادة إنتاج النضال العضوي المنظّم
المطلوب إعادة إنتاج النضال العضوي: نضال ليس ردّ فعل على حدث، ولا نشاطاً موسمياً، ولا حضوراً إعلامياً أو رقمياً، بل تنظيم طويل النفس، وبناء للوعي داخل المجتمع، وإنتاج مؤسسات وتنظيمات مستقلة، ومراكمة للخبرة والتنظيم، ومنازعة للهيمنة داخل المجتمع المدني، وبناء كتلة اجتماعية واعية قادرة على تحويل المقاومة إلى مشروع تحرري.
إذا كان غرامشي قد تحدّث عن المثقف العضوي، فقد تحدّث أيضاً عن الحزب بوصفه «المثقف الجماعي». الحزب هو وسيلة لتحويل التجارب المتفرقة إلى رؤية مشتركة، والرؤية إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعل سياسي.
وإذا كانت الأحزاب الثورية والوطنية متقاعسة عن دورها، فهذا لا يعني أن الحل هو إلغاؤها، بل العمل على أن تستعيد دورها التاريخي. لهذه الأحزاب تاريخها النضالي الكبير، وبوسعها الاستفادة منه لتجاوز أزماتها وإعادة بناء تنظيم قادر على مواجهة المخاطر الوجودية الإبادية في المنطقة.
في هذه اللحظة، لا يكفي أن نكون متضامنين مع المقاومة أو رافضين للتطبيع على وسائل التواصل. السؤال هو: كيف يتحوّل هذا الموقف إلى قوة اجتماعية منظّمة؟
ليست المشكلة اليوم أننا لا نغضب بما يكفي. نحن نغضب كثيراً ونتفاعل كثيراً، لكننا نفتقد في كثير من الأحيان الأدوات التي تحوّل هذا الغضب إلى تراكم، والتراكم إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة.
المطلوب ليس العودة إلى الماضي كما كان، ولا رفض التكنولوجيا أو وسائل التواصل، بل إعادة وضعها داخل مشروع سياسي وتنظيمي أوسع.
إذا كانت الرأسمالية تعيد إنتاج الفرد المعزول، فإن مهمتنا أن نعيد إنتاج الإنسان القادر على التنظيم. وإذا كانت تفكك النضالات، فعلينا أن نعيد وصلها. وإذا كانت تفرض لغتها على الواقع، فعلينا أن نستعيد قدرتنا على استخدام المفاهيم الصحيحة لفهم الواقع، لا أن نتخلى عنها خوفاً من وصفها بـ«اللغة الخشبية». وإذا كانت الهيمنة منظّمة، فعلى مقاومتنا أن تكون أكثر تنظيماً وأكثر قدرةً على المواجهة.
* كاتبة ومعمارية
