
دفعت حرب حزيران بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، الأطراف كافة إلى إعادة رسم حساباتها الاستراتيجية. ذلك بأن الخطط التي كانت مُعدّة مسبقاً، والسيناريوات المحسوبة بدقة، سرعان ما تَبيّن أنها لم تصمد أمام واقع ميداني مختلف، فرَض معادلات جديدة لا تزال تلقي بظلالها على المشهدَين السياسي والعسكري في المنطقة حتى اليوم. تشير المعطيات المتداولة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب وهما تمتلكان تصوّراً واضحاً لمسارها ونهايتها؛ إذ بُنيت الضربة الافتتاحية على أهداف محدّدة شملت قيادات عسكرية وعلماء نوويين، ثمّ تلاها ضرب منشآت نووية ومصانع عسكرية ومخازن صاروخية ومنصات إطلاق، وذلك بناءً على افتراض بأن طهران ستردّ ضمن سقف مضبوط، بما يسمح بإدارة التصعيد، ثمّ الانتقال سريعاً إلى إنهاء المواجهة بشروط تفرضها واشنطن. ولهذا، بدا سيناريو إنهاء الحرب حاضراً منذ البداية في الحسابات الأميركية، على أساس أن الضربة الافتتاحية وما يليها من ردود متبادلة، يمكن احتواؤها ضمن إطار زمني قصير.
غير أن ما حدث عملياً، بدّد تلك الفرضيات؛ فالرد الإيراني جاء دقيقاً، واسع النطاق، ومتجاوزاً للتوقعات، سواء من حيث القدرة التقنية أو من حيث الجرأة على توسيع دائرة الاستهداف داخل كيان الاحتلال، أو حتى من حيث إضافة بعد إقليمي تمثّل في استهداف قاعدة «العديد» في قطر. وهكذا، ومع انطلاق الضربات الصاروخية وتطورها، تبيّن أن سيناريو الاحتواء لم يعُد قابلاً للتطبيق، وأن هامش السيطرة على مسار الحرب بدأ يتآكل بسرعة، لتجد إسرائيل نفسها أمام مأزق حقيقي: فإمّا الاستمرار في المواجهة، ما يعني الانزلاق إلى تصعيد غير مضمون النتائج؛ وإمّا التراجع، ما يتطلّب مظلّة أميركية عاجلة لفرض وقف للنار.
هذه التجربة لم تمرّ من دون استخلاص دروس استراتيجية عميقة منها في طهران، حيث خلصت القراءة الإيرانية إلى أن وضوح حدود الردّ يمنح الخصم قدرة على التخطيط والاحتواء، بينما «الغموض» يحرمه القدرة على التنبّؤ أو التحكّم في مسار المعركة بعد «الطلقة الأولى». ومن هنا، جاء التحوّل في الاستراتيجية الإيرانية، والذي يقتضي أن أي مواجهة مقبلة لن تُدار بمنطق الردّ المتكافئ أو المحدود، بل ضمن ردّ إقليمي متراكم ومتعدّد الجبهات يجعل من شبه المستحيل تحديد مداه الزمني أو الجغرافي. ويُسقط هذا التحوّل عملياً فكرة وجود سيناريو أميركي واضح لإنهاء حرب محتملة مع إيران؛ فحتى اللحظة، لا تَظهر مؤشرات على امتلاك واشنطن تقديراً دقيقاً لكلفة مواجهة شاملة، سواء من حيث الخسائر العسكرية أو التداعيات الاقتصادية والسياسية. كما إن المصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة، من قواعد عسكرية إلى خطوط إمداد وطاقة، تجعل أيّ تصعيد مفتوح محفوفاً بمخاطر يصعب احتواؤها.
تزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع غموض أهداف الحرب المحتملة؛ فإذا كان الهدف المعلن هو تدمير البرنامج النووي الإيراني، فإن تجربة الحرب الأخيرة أظهرت أن هذا الهدف لم يتحقّق، وأن القدرات الأساسية ما تزال قائمة. أما إذا كانت الغاية أوسع، وتتّصل بإسقاط النظام أو إحداث تغيير جذري في بنية الدولة، فإن ذلك يستدعي حرباً طويلة الأمد وعالية الكلفة وغير مضمونة النتائج، بل وتحمل مخاطر إقليمية تتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على التحمّل. ولذا، يمكن فهم العودة الأميركية إلى المسار الديبلوماسي كخيار اضطراري في ظلّ انخفاض حظوظ البدائل - وإن كانت فرص نجاحه هو الآخر محدودة -.
على المقلب المضادّ، تعاملت إيران مع التحوّل الأميركي المشار إليه ببراغماتية محسوبة؛ إذ سعت إلى فصل ملفات التفاوض، ورفضت إدخال القدرات الصاروخية أو الدور الإقليمي ضمن سلّة واحدة مع الملف النووي، إدراكاً منها أن خلط هذه الملفات يشكّل مدخلاً تقليدياً لاستنزاف المفاوضات وتحويلها إلى مسار تنازلي متدرّج. ويعكس ما تقدّم قراءة إيرانية دقيقة لتجربة السنوات الماضية، ولطبيعة المقاربة الأميركية في إدارة الأزمة؛ فطهران لا يمكن أن تتجاهل التحشيد العسكري الأميركي القائم حالياً في المنطقة باعتباره عاملَ ضغطٍ مستمرٍّ على المسار التفاوضي، خصوصاً في ظلّ وجود طرف ثالث (إسرائيل) يرى في أيّ انفجار عسكري فرصة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. وفي ما يتّصل بهذا الطرف الأخير تحديداً، تتصاعد المخاوف من احتمال لجوئه إلى عمليات سرّية من دون بصمات، عبر مسيّرات أو أيّ وسائل قتالية أخرى، تستهدف التحشيدات الأميركية في الخليج، وذلك بهدف اتهام إيران بها ومن ثمّ استدراج ردّ أميركي عليها يُشعل مواجهة أوسع.

