عودة إلى جورج بوش: ترامب لا يصنع «إجماعاً» على الحرب
يرى العديد من صنّاع السياسة في حديث ترامب المقتضب عن إيران خلال خطاب «حالة الاتحاد»، وفي الإحاطة الاستخباراتية التي سبقته، تمهيداً لشنّ حرب «وشيكة» وغير مبرَّرة، بعيداً من رقابة المسؤولين والشعب الأميركي.


في خضمّ انقسام حادّ داخل الكونغرس، وبعدما أظهرت معظم استطلاعات الرأي، طوال الأسابيع الماضية، أن شعبيّته وصلت إلى أدنى مستوياتها في عام الانتخابات النصفية، ألقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الثلاثاء، خطابه حول «حال الاتحاد»، والذي استمرّ لساعة و48 دقيقة، حائزاً بذلك صفة أطول خطاب من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة. وإذ تجاوز حديث ترامب هذه المرّة مدّة حديثه المماثل العام الماضي، والذي استمرّ لنحو 100 دقيقة، فهو تخطّى، في كلتا الحالتَين، الرقم «القياسي» للرئيس الأسبق بيل كلينتون، الذي تواصل خطابه، آنذاك، لساعة و28 دقيقة. ويرجع طول خطابات ترامب، في كلّ مرة، إلى موجات التصفيق المتكرّرة من بعض الجمهوريين، وإصراره على تكريم بعض الضيوف، من مثل فريق الهوكي الأولمبي ومحاربين قدامى، بالإضافة إلى المساجلات الكلامية التي تدور مع بعض معارضيه داخل القاعة.
على أن أكثر ما كان لافتاً في خطاب أمس، هو تسليطه الضوء على الانقسام الحادّ الذي يواجهه ساكن البيت الأبيض بين الجمهوريين والديموقراطيين على حدّ سواء، والذي عكسته جملة من التصريحات الغاضبة و«الساخرة» التي سبقته، وتحديداً في ما يتعلّق بالحرب المحتملة على إيران، جنباً إلى جنب مقاطعة عدد «تاريخي» من المشرعين له. ونظراً إلى أداء ترامب المثير للجدل، والذي تسبّب في جعل حياة الأميركيين «أكثر تكلفة»، وأثار موجات غضب عارمة على خلفية سياسات الهجرة العنيفة، لم يتطرّق الرئيس إلى ملف إيران إلا بعد الدقيقة الـ90 من الخطاب، وتحدّث عنه بشكل «مقتضب» نسبياً، مما ترك المشرعين ودول العالم من دون إجابات واضحة، إزاء القضية الأكثر إلحاحاً اليوم.
ومع انتهاء خطابه، لم يكن ترامب قد بذل الكثير من الجهد لشرح سبب حشده أكبر قدر من القوة النارية العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق في عام 2003، رغم أنه كرّر اتهام طهران بأنها «تسعى مرة أخرى إلى تحقيق طموحاتها الشريرة»، وأنها «استأنفت العمل من أجل بناء سلاح نووي»، بعد القصف الأميركي لمنشآتها النووية في حزيران الماضي. وقال: «نحن في مفاوضات معهم. إنهم يريدون عقد صفقة»، من دون تقديم تفاصيل جديدة حول نوع الاتفاق الذي يطمح إليه، محذراً من أنه لم يسمع «الكلمات السرية منهم، حول أنهم لن يمتلكوا سلاحاً نووياً أبداً».
أثار «اقتضاب» ترامب حول إيران غضب العديد من المشرعين الذين يطالبون بالحد الأدنى من «الشفافية»
وبالرجوع إلى الماضي، كان الرئيس الأسبق، جورج دبليو بوش، قد استبق غزو بلاده للعراق بأشهر من الخطابات التي تدعو إلى الحرب والموجّهة إلى الأميركيين والعالم، وإن تبيّن، في نهاية المطاف، أن حججه كانت مبنيّة على الأكاذيب، قبل أن تصبح الحرب، في نظر العديد من المؤرّخين، بمثابة خطأ استراتيجي فادح. على أن ترامب لا يعتزم، على ما يبدو، بذل محاولة حتى لإقناع جمهوره بـ«الخطر الفعلي» الذي تشكّله إيران، والذي يستحق، بالتالي، المخاطرة بحياة الأميركيين ومعيشتهم.
وبطبيعة الحال، أثار «اقتضاب» الرئيس غضب العديد من معارضي الضربة، والذين طالبوا، قبل الخطاب، بالحدّ الأدنى من الشفافية حول خطط الإدارة. وجاء ذلك عقب إجراء وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، إحاطة استخباراتية رفيعة المستوى وسرية للغاية، سبقت بساعات قليلة فقط حديث ترامب أمام الكونغرس، وكانت موجّهة إلى ما يعرف بـ«عصابة الثمانية»، وهم كبار القادة من كلا الحزبين في مجلسَي النواب والشيوخ، بالإضافة إلى رؤساء لجان الاستخبارات. بيد أنه بالنظر إلى جملة التصريحات التي أعقبت تلك الإحاطة، جنباً إلى جنب زعم مبعوث ترامب ستيف ويتكوف، السبت، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، أن إيران «ربما تكون على بعد أسبوع من امتلاك مواد صناعية تخوّلها صنع قنبلة» - في تقدير أسهم، على الأغلب، في «تشكيل» مواقف ترامب الأخيرة -، التي تعطي، طبقاً لمراقبين، بعداً آخر «وأكثر خطورة» للإحاطة المشار إليها، وسط احتمال أن يكون تمّ تداول «مهلة الأسبوع» خلالها.
ومن بين أبرز تلك التصريحات، تعبير زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عن مخاوفه ممّا وصفه بـ«الوضع الخطير»، وتأكيده، للصحافيين الثلاثاء، أنه «إذا كانت الإدارة تريد أن تفعل شيئاً في إيران، ومن يدري ما هو هذا الشيء، فعليها أن تجعله علنياً وتناقشه مع الجمهور، لا أن تبقيه سرّاً». كما أصرّ تشومر على ضرورة أن تعرض الإدارة «قضيتها على الشعب الأميركي قبل المضيّ قدماً في أيّ تصعيد عسكري»، محذراً من أن العمليات التي أجريت «في السرّ، دائماً ما كانت تؤدي إلى كارثة، وحروب أطول ومآسي ومزيد من النفقات والأخطاء».
وفي موقف «ساخر»، تساءل زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، بدوره، عن الحاجة إلى عمل عسكري، بعدما زعم ترامب، سابقاً، أنه دمّر برنامج طهران النووي، قائلاً: «جزء من القلق الذي عبّرت عنه، وسأستمر في التعبير عنه، هو أن الرئيس صرّح بأن البرنامج النووي الإيراني قد تمّ القضاء عليه بالكامل وكلياً في العام الماضي نتيجة للإجراءات التي اتخذتها الإدارة»، مضيفاً أن السؤال المفتوح هو «حول الضرورة الملحّة لتنفيذ الضربة، فيما الشعب الأميركي يحتاج إلى تفسير حقيقي».
وبينما أعلن حوالي 30 نائباً ديمقراطياً مقاطعتهم الرسمية للخطاب، وشاركوا، في المقابل، في تجمعات «شعبية»، من مثل فعالية «حال الشعب للاتحاد»، في ساحة «National Mall»، والتي كانت تقام في التوقيت نفسه، تشير تقديرات ميدانية إلى أن العدد الإجمالي للمقاعد الديموقراطية الفارغة أو التي انسحب أصحابها مبكراً وصل إلى عشرات النواب الإضافيين، في أكبر «مقاطعة» في تاريخ خطاب «حال الاتحاد».
على أن المعارضة لسياسات ترامب، الداخلية والخارجية على حدّ سواء، لم تكن حكراً على الحزب الديموقراطي، بعدما عارض توماس ماسي (النائب عن كنتاكي)، ترامب علناً، معلناً أنه لن يحضر الخطاب ليجلس مع نظيره الديموقراطي رو روخانا، النائب عن كاليفورنيا، منتقداً ما وصفه بـ«الحروب اللامتناهية». وانضمّ إلى ماسي في انتقاد سياسات ساكن البيت الأبيض، كلّ من راند بول (السيناتور عن كنتاكي)، ومايك لولر (النائب عن نيويورك). كذلك، وعقب شنّه هجوماً شرساً على المحكمة العليا، التي تضمّ قضاةً عيّنهم بنفسه، على خلفية حكمهم على تعرفاته الجمركية بأنها «غير قانونية»، فقد حضر الخطابَ أربعة قضاة فقط، هم رئيس المحكمة جون روبرتس، والقاضية إيلينا كاجان، والقاضي بريت كافانو، والقاضية إيمي كوني باريت. والجدير ذكره أن روبرتس وباريت وكاجان هم من بين أعضاء المحكمة الستة الذين حكموا ضدّ ترامب، إلا أنهم لم يظهروا أيّ ردة فعل خلال توجيه الرئيس انتقادات إليهم.
ورغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن مجلس النواب يستعد لإسقاط تشريع مصمّم للحدّ من استخدام الرئيس للقوة العسكرية في إيران، وهو ما قد يعطي الإدارة دفعة قوية لاستكمال مسارها. ويهدف قرار «سلطات الحرب» الذي حظي بدعم الحزبين في مجلس الشيوخ، وقدّمه النائبان رو خانا وتوماس ماسي، إلى إعادة تأكيد سلطة الكونغرس في ما يتعلّق بشنّ الحرب، وذلك عبر إجبار ترامب على الحصول على موافقته قبل شن أيّ ضربات ضدّ الأراضي الإيرانية.
