«ملِك» السلام يعود إلى «المستنقع»: لا حرب نظيفة مع إيران

«يوم السبت، بدأ دونالد ترامب، رئيس مجلس السلام، والحائز على جائزة الفيفا للسلام، والمعارض المتحمّس لحروب أميركا التي لا طائل منها في الشرق الأوسط، حملة عسكرية واسعة النطاق لتغيير النظام في إيران، ليُثبِت، في نهاية المطاف، أنه غير قادر على التغلّب على هيمنة الصقور داخل الحزب الجمهوري، والأهم من ذلك، أنه غير قادر على مقاومة إغراء استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف غير واضحة». بهذه العبارات، استهلّت صحيفة «فورين بوليسي» الأميركية تقريراً حول العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، والذي شكّل، طبقاً لأصحاب الرأي المتقدّم، خيانة ليس لقاعدة الرئيس فقط، بل للشعب الأميركي بأكمله، وذلك بعدما تبنّى ترامب سياسات كان «ذات يوم يندّد بها»، وجعل بعض مؤيّديه القدامى، بمن فيهم تاكر كارلسون، يصفون الهجمات بـ«المثيرة للاشمئزاز والشرّيرة للغاية».
ويرجع ذلك جزئياً، إلى تخوّف في أوساط غالبية المحلّلين في واشنطن والغرب، من أنه حتى في حال كان ساكن البيت الأبيض يسعى إلى «حرب قصيرة وناجحة»، إلا أن الوقت قد يكشف أنه أغرق بلاده في سيناريو كان وعد بتجنّبه، ألا وهو مستنقع كارثي آخر في الشرق الأوسط. وإذ كانت سياسة ترامب الخارجية واحدة من أفضل قضاياه خلال الحملة الرئاسية لعام 2024، بحسب ما يعتقد مؤيّدوه، إلا أن شعار «أميركا أولاً» ثبُت أنه أقلّ ارتباطاً بالمصالح الأميركية، وأكثر اتصالاً بـ«أهواء الرئيس، وميله إلى التنمّر والمغامرات العسكرية»، علماً أن معدّل تأييد ترامب في التعامل مع السياسة الخارجية بشكل عام، انخفض من 41% إلى 37% في الأشهر القليلة الماضية، مع تأكيد 17% فقط من الجمهوريين أنهم «يدعمون تغيير النظام في إيران».
وفي الساعات الماضية، أُغرقت وسائل الإعلام الأميركية بالعديد من التحذيرات من أن القرار بدخول حرب مع إيران، وعلى عكس ما تأمله الولايات المتحدة، لا يعني امتلاك القدرة على «الخروج منها»، إذ يرِد في تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أنه وفيما يتبنّى ترامب ما يمكن وصفه بـ«طريقة الفايكنيغز في الحرب»، والتي يستخدم، خلالها، السرعة وعنصر المفاجأة لفرض الاستسلام السريع على الخصم، إلا أن الحرب الأخيرة «تصاعدت في الساعات القليلة الأولى، وبحلول ليلة السبت كانت الحرائق مشتعلة بسبب الهجمات المضادّة الإيرانية على المنامة ودبي وأبو ظبي وإسرائيل». كما أغلقت إيران مضيق هرمز، ما أدّى إلى اختناق إمدادات النفط. ويردف التقرير: «كان ينبغي على شخص ما أن يضع لافتة في البيت الأبيض فوق خريطة إيران، ويكتب عليها «هذه ليست فنزويلا!»».
وطبقاً للمصدر نفسه، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعزّز «الفريق الديني المتشدّد الذي يمثله آية الله خامنئي، هو اغتيال الأخير»، وإنه «مثلما تستطيع روسيا استيعاب المعاناة في الحرب، فإن الاستشهاد يشكّل محرّكاً قوياً في إيران».
«كان ينبغي على
شخص ما أن يضع لافتة في البيت الأبيض فوق خريطة إيران، كُتب عليها: هذه ليست فنزويلا»
كذلك، يجادل العديد من المراقبين بأنه في حين قد تكون استراتيجية ترامب لقطع الرأس قد نجحت، إلا أن «قتل خامنئي لا يعني بالضرورة تغيير النظام»، مشيرين إلى أنه «في حال كانت هناك خطة لما هو قادم، فلم نسمع أي مسؤول أميركي أو إسرائيلي يشرحها».
على الضفة نفسه، يفيد تقرير أوردته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، بأن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، دان كين، حذّر ترامب من خطر وقوع إصابات في حال الدخول في الحرب، جنباً إلى جنب استنفاد المخزونات الأميركية من الأسلحة الدقيقة التي يفترض استخدامها لـ«ردع الصين». ويأتي ذلك في وقت يرى فيه صنّاع السياسة في إيران أنه لا يجب «كبح جماح الردّ على أي هجوم أميركي»، بل إعطاء الأولوية لإيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر في صفوف القوات الأميركية، «وحتى المدنيين». وفي حال تكبّدت واشنطن تلك الخسائر، من دون القضاء على برنامج نووي ادّعى ترامب بالفعل أنه «طمَسه»، ومن دون تغيير النظام - على الرغم من استشهاد المرشد الأعلى -، أو حتى حماية المتظاهرين المدنيين، فـ«إننا من الناحية العملية، سنكون قد خسرنا حرباً مميتة لا طائل منها»، كما يقول التقرير.
وإلى جانب الجدل حول أهداف الحرب وجدواها، دفَع قرار ترامب إلى ما هو أشبه بـ«أزمة دستورية» في البلاد، أعادت إلى الأذهان الجدل الذي شهدته الولايات المتحدة في عام 1848، مع نهاية الحرب المكسيكية - الأميركية. ففي ذلك الوقت، كتب أبراهام لينكولن الذي كان عضواً في الكونغرس آنذاك، أن «الملوك دائماً ما كانوا يشركون شعوبهم ويفقرونها في الحروب، ويتظاهرون عموماً، إن لم يكن دائماً، بأن الهدف هو خير الشعب»، زاعماً أن الأميركيين فهموا أن ذلك هو النموذج «الأكثر قمعاً من بين كلّ الاضطهادات الملكية، وقرّروا صياغة الدستور بشكل لا يمنح أيّ رجل سلطة جلب هذا القمع علينا». وتعقيباً على ما تقدّم، يؤكد التقرير نفسه أن «تلك الكلمات كانت صحيحة في ذلك الوقت، وهي صحيحة الآن. وبغضّ النظر عمّا يعتقده، فترامب ليس ملكاً. ولكن من خلال قيادة أميركا إلى الحرب بمفرده، فهو يتصرّف كواحد كملك».
يضاف إلى ذلك أن عواقب الصراع في الداخل الأميركي تتوقف على مدته ومدى انتشاره. وفي هذا الإطار، من المرجّح أن ترتفع أسعار النفط، وتجعل اضطرابات الشحن السلع الأخرى أكثر تكلفة أيضاً، ما سيؤثّر، طبقاً للعديد من المحللين الاقتصاديين، «سلباً على جيوب الأميركيين ويحول دون توقعات تسارع النمو الاقتصادي الأميركي». كما من المرجّح أن ترتفع أسعار النفط «ثلاثة أضعاف»، علماً أن نحو خمس تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم يمرّ عبر مضيق هرمز، الذي أعلن «الحرس الثوري» أنه أغلقه بعد وقت قصير من بدء الضربات. وعن ذلك، تنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، ومقرها لندن، قوله إن «الاضطرابات في أسواق النفط والأسهم قد تعني أنك ستجد نفسك فجأة أمام واقع مرير: أسعار الوقود في ارتفاع مستمر، وقيمة مدّخراتك التقاعدية في انحدار حاد».
أيضاً، يجادل تقرير في مجلة «فورين أفيرز» بأن ثقة ترامب، حالياً، نابعة من نمط استمر لسنوات طويلة ساهم في تشكيل تفكيره؛ إذ كانت مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن تحذّر الرئيس من القيام بأيّ عمل يخالف القواعد، قبل أن يتجاهل نصيحتها ويواصل مساره، ثم لا يواجه أيّ تداعيات واضحة، مشيراً إلى أنّه من هنا، يعتقد ترامب أن التحذيرات بشأن هجوم آخر على إيران كان مبالغاً فيها، وأنه قادر على تكرار صيغته المتمثلة في «العمل الحاسم والخروج النظيف».
على أن أصحاب الرأي المتقدّم، يحذّرون من أن الرئيس لا يفهم أن «إيران تواجه ظروفاً مختلفة تماماً عما كانت عليه في حزيران 2025، عندما اختارت وقف التصعيد»، لافتين إلى أن «الجمهورية الإسلامية ترى الآن أن إسرائيل والولايات المتحدة تعتزمان ضرب برنامجها للصواريخ الباليستية بشكل متكرّر - وهو أساس العقيدة الدفاعية الإيرانية -، وأنه يجب عليها أن تكون أكثر عدوانية لمنع هذا النوع من الهجوم الدائم الذي يمكن أن يطيح بها تماماً». وحتى في حال كانت إيران «ضعيفة»، إلا أنها لا تزال «تمتلك سبلاً لإلحاق الألم الحقيقي بالولايات المتحدة، وحافزاً أكبر كثيراً لمحاولة القيام بذلك».
يُضاف إلى ما تقدّم، أن «ذرائع» الإدارة الأميركية لشنّ عدوان جديد على إيران أعادت إلى الأذهان «شبح الحروب الماضية»؛ وفي هذا السياق، يؤكد بعض المراقبين أن معظم الادّعاءات التي قدّمها ترامب قبل شنّ الحرب كانت «إمّا كاذبة أو من دون أي أدلة». وتنقل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن ثلاثة مسؤولين أميركيين لديهم إمكانية الوصول إلى المعلومات الاستخبارية الحالية حول برامج الصواريخ الإيرانية، قولهم إن ترامب بالغ في ما يتعلق بـ«مدى التهديد الملحّ الذي تشكّله تلك الصواريخ على الولايات المتحدة»، فيما أكّد أحدهم أن «بعض محلّلي الاستخبارات يشعرون بالقلق من أن كبار المساعدين قاموا بتضخيم التهديدات أو أن المعلومات الاستخبارية يتمّ تقديمها أو تشويهها بشكل انتقائي أثناء إرسالها إلى الأعلى».
وسبق أن خلص تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع، العام الماضي، إلى أن إيران ليست لديها صواريخ باليستية قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وأن الأمر قد يستغرق ما يصل إلى عقد من الزمن حتى يكون لديها ما يصل إلى 60 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، فيما ستحتاج إلى بذل جهد كبير لتطوير تلك التكنولوجيا. وأقرّ وزير الخارجية، ماركو روبيو، الأربعاء، بنفسه، بأن «الإيرانيين لا يقومون حالياً بتخصيب الوقود النووي».

