«عراضات» الديمقراطية الأميركية: «سلطات الحرب» باقية في يد ترامب
لا تتعدّى المناورات التشريعية التي يقودها الديموقراطيون في الكونغرس لإنهاء الحرب مع إيران، كونها مجرّد اعتراضات شكلية غير قادرة على كبح جماح ترامب. ذلك أن «الديمقراطية الأميركية» تفتقر إلى الإجراءات القانونية اللازمة لمنع سيطرة الرئيس الكاملة على آلة الحرب


في تشرين الثاني 1973، ومع انتهاء حرب فييتنام، أقرّ الكونغرس ما يُعرف بـ«قرار سلطات الحرب»، رغماً عن «الفيتو» الذي تقدّم به آنذاك الرئيس ريتشارد نيكسون. وصُمّم القرار المذكور لاستعادة بعض «التوازن الدستوري»، عبر منح الكونغرس، وحده، الحق في أخذ البلاد إلى الحرب، وإن كان الرئيس هو من يقود، قانونياً، الجيش. وآنذاك، منح القانون الجديد مجلسَي النواب والشيوخ جملة من الأدوات لوضع حدّ للحروب، وعلى رأسها القدرة على تمرير «قرار متزامن»، يجبر الرئيس على سحب القوات الأميركية من أيّ بلد، على أن يدخل ذلك حيز التنفيذ «بشكل فوري»، ومن دون الحاجة إلى توقيع ساكن البيت الأبيض.
على أنه في عام 1983، فرّغ قرار من المحكمة العليا، مرتبط بقضية المهاجر غاغديش راي تشادها الشهيرة، بشكل غير مباشر، «قرار سلطات الحرب» من مضمونه، وحوّله، حتى يومنا هذا، إلى ما هو أشبه بـ«نمر من ورق»، بعدما حكمت «العليا» أن أي قرار لوقف الحرب سيكون «غير ملزم قانوناً»، ما لم يذهب إلى مكتب الرئيس ليوقّعه، وهو ما منح الأخير القدرة على استخدام «الفيتو» ضدّه. أمّا إسقاط «الفيتو الرئاسي»، فيتطلّب موافقة ثلثَي المسؤولين في «النواب» و«الشيوخ»، وهو ما لم يحصل سابقاً. لا بل على العكس، أرسل الرؤساء المتعاقبون، في ظلّ وجود «قرار سلطات الحرب»، قوات أميركية إلى كوريا وفيتنام ولبنان وكوسوفو وليبيا وسوريا وإيران، من دون أيّ إعلان رسمي أو عودة فعلية إلى الكونغرس.
واللافت، أن ما يُعرف بـ«مهلة الـ60 يوماً»، التي من المفترض أن يوقف ترامب الحرب خلالها، في حال غياب الموافقة الرسمية من الكونغرس، لا تتعدّى، بدورها، كونها محض «حبر على ورق»، نظراً إلى أن الرؤساء الأميركيين عمدوا، تاريخياً، إلى الالتفاف عليها. والواقع أنهم يقدرون على القيام بذلك، في أيّ لحظة، وبطرق تدعو، أحياناً، إلى «السخرية»، من مثل زعم الرئيس أن الحرب انتهت في اليوم الـ59، قبل أن يعود ويستكملها في اليوم الـ61.
في عام 1983، فرّغ قرار من المحكمة العليا «قرار سلطات الحرب» من مضمونه
ومن هنا، تصبح محاولات مجلسَي الشيوخ والنواب، منذ بدء ولاية دونالد ترامب، والتي فاقت «العشرة»، للعودة إلى القانون المشار إليه بهدف إنهاء الحرب على إيران، شكلية أكثر منها عملية، فيما من المتوقع أن تبوء، مرة جديدة، بالفشل. وأخيراً، أسقط أعضاء مجلس الشيوخ، بأغلبية 47 صوتاً مقابل 53، الأربعاء، الاقتراح الذي قدّمه السيناتور الديموقراطي تيم كين، ويدعو إلى وقف حرب ترامب «غير القانونية» على إيران، وذلك بعدما انشقّ السيناتور جون فيترمان من ولاية بنسلفانيا عن الديموقراطيين المؤيدين له، بينما صوّت السيناتور الجمهوري، راند بول من كنتاكي، لصالحه. ولم تبدُ النتيجة المشار إليها مفاجئة، نظراً إلى أن الجمهوريين لا يزالون «متكتلين» بقوة خلف رئيس البلاد، لا سيما وأن الحرب «قد بدأت» بالفعل، وأن معظمهم يرفضون التراجع في «منتصفها»، والبعث برسالة ضعف إلى طهران وسائر خصومهم في الخارج.
كذلك، من المتوقع، إلى حدّ كبير، أن يلقى القرار المماثل الذي رعاه النائبان، الديموقراطي رو خانا، والجمهوري توماس ماسي، في «مجلس النواب»، أمس، المصير نفسه، لا سيما وأن بدء الحرب جعل أيضاً بعض الديموقراطيين في المجلس يتشدّدون لصالح قرار ترامب. ومن بين جملة المحاولات الأخرى التي يبذلها الديموقراطيون للتعبير، في الحدّ الأدنى، عن معارضتهم للحرب، طرَح ستة منهم قراراً ثانياً يمنح الرئيس 30 يوماً لوقف العمليات القتالية في إيران، فيما من غير المرجح أن يلتزم ترامب، بطبيعة الحال، بهذا الخيار. ومن جهته، أكد السيناتور تيم كين، حتى قبل إسقاط مشروع قراره الأربعاء، أنه سيقدم المزيد من القرارات لإنهاء الصراع إذا ما فشل التصويت في «الشيوخ»، وأن محاولته هذه لن تكون «الأخيرة».
في المقابل، فإن معظم الجمهوريين لا يرون في «قرار سلطات الحرب»، الذي يستند إليه الديموقراطيون في خطواتهم التشريعية الأخيرة، ما هو «ملزم» قانوناً، وبالتالي، يجادلون بأن ترامب لم يخالف القوانين بالأصل، لا سيما وأنه أبلغ ما يعرف بـ«عصبة الثمانية» نيته بدء العدوان على إيران. وفي ما هو أشبه بـ«النصيحة القانونية»، جادل ليندسي غراهام (جمهوري، كارولينا الجنوبية)، قبل التصويت، بأن «قرار سلطات الحرب» لعام 1973 غير دستوري، مقترحاً على الديموقراطيين طريقة أخرى لإنهاء الصراع، وذلك عبر رفض التصويت على «التشريع الذي يموّله». وإذ من المرجّح أن يجد الديموقراطيون أنفسهم أمام مثل تلك الفرصة بمجرّد أن تطلب الإدارة من الكونغرس المزيد من الأموال لمواصلة الحرب، فمن غير المرجح أن يلجأوا إلى قطع التمويل عن جنودهم «في خضمّ المعركة».
على هذا النحو، وفي إطار «الديموقراطية الأميركية» المأزومة، تفتقر «النصوص» التي من المفترض أن تَحول دون السماح لرئيس يقبض على حزبه، بالسيطرة الكاملة على «آلة الحرب» الأميركية، إلى الآليات القانونية لترجمتها على الأرض. ويجعل ذلك العنصر «التشريعي» بعيداً كلّ البعد عن أن يكون من العناصر القادرة على إنهاء العدوان الأميركي – الإسرائيلي المشترك على طهران.
