الحرب على «البنية التحتية للطاقة»: أيّ خيارات أمام إيران؟

مع انتقال الاستهدافات الإسرائيلية في طهران من الأهداف المدنية والعسكرية إلى منشآت الوقود والتخزين النفطي ومراكز نقل المنتجات البترولية، يدخل العدوان على إيران طوراً بالغ الحساسية، عنوانه استهداف «البنية التحتية للطاقة». ورغم أن تبرير هذه الغارات، إسرائيلياً، استند إلى منطق «اللوجستيات الحربية»، وتحديداً الوقود الذي يستخدم في الجهد العسكري (حركة القوات، تشغيل منظومات، وسلاسل تصنيع/تخزين مرتبطة بالصواريخ)، فهو أغفل المعضلة الاقتصادية - الأمنية الأوسع التي يمكن أن يتسبب بها. فاستهداف منشآت الطاقة في إيران، من شأنه أن يفتح تلقائياً باب «المعاملة بالمثل» لبنى تحتية ليست بعيدة عن خطوط النار الإيرانية، وقد تشمل مصافي، موانئ، أنابيب، ومحطات كهرباء وتحلية.
ويتمثّل السيناريو الأول للردّ الإيراني في استهداف مصافي إسرائيل، حيث تتركز صناعة التكرير في مصفاتين رئيسيتين: «حيفا» التي تديرها مجموعة «بازان» بسعة قصوى تقارب 197 ألف برميل يومياً، حسبما يورد موقع الشركة، و«أشدود» التي قالت تقارير سابقة إن سعتها تقارب 95 ألف برميل يومياً، ما يعني أن القدرة الإجمالية للتكرير تقارب 300 ألف برميل يومياً. وكان الردّ الإيراني خلال حرب الـ12 يوماً، أدى بالفعل إلى إغلاق مرافق «بازان» في مصفاة حيفا بعد تضرر محطة كهرباء/ بخار تغذي التكرير، فيما قُدرت الأضرار المالية وقتذاك بحوالي 150–200 مليون دولار.
ومن شأن إلحاق ضرر بالغ بهذه المنشآت أن يؤدي إلى فجوة وقود داخلية، وبالتالي ارتفاع أسعار الوقود، علماً أن «مصفاة حيفا» وحدها تنتج جزءاً كبيراً من الوقود في إسرائيل، وذلك بنحو 59% من البنزين، و65% من الديزل. وفي حال تعطّلت المصافي، ستضطر إسرائيل إلى استيراد منتجات نفطية جاهزة (بنزين وديزل)، وهو ما سيكون محفوفاً بالمخاطر، في ظلّ ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتوسع وقت التسليم. كما يعني التعطّل أيضاً، حساسية أكبر لأي اختناقات على خطوط نقل الخام في الداخل الإسرائيلي، بما فيها شبكة خطوط شركة خط أنابيب أوروبا-آسيا (EAPC) التي تربط عسقلان المحتلة (أشكلون) بمصافي حيفا وأشدود.
أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر على الصعيد العالمي، فيتمثل في ضرب منشآت النفط والغاز في الخليج، والذي لم يعد افتراضاً بعدما أفادت تقارير بأن طائرات مسيّرة إيرانية استهدفت منشآت طاقة، الإثنين والثلاثاء الماضيين، في كل من الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر. ومن حيث الأهمية، يبرز من بين هذه الأهداف المحتملة، أولاً، مجمّع «رأس لفان للغاز» في قطر، الذي يعدّ أكبر مجمّع لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، كونه يوفّر نحو 17 إلى 20% من صادرات هذه المادة. ولذلك، فإن تعطّله أو تدميره قد يؤدي إلى فقدان جزء كبير من إمدادات الغاز العالمية، ويتسبب في ارتفاع إضافي كبير في أسعار الغاز عالمياً.
تتفاقم موجة القلق بشأن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً
وفي السعودية أيضاً، يبرز «رأس تنورة» شرقاً؛ الذي تشغّله شركة «أرامكو» السعودية، وتبلغ قدرة مصفاته التكريرية نحو 550 ألف برميل من النفط يومياً. وتنبع أهمية الميناء الاستراتيجية من كونه أكبر ميناء لتصدير النفط في العالم؛ إذ يمكنه تصدير ما يصل إلى 6.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل نحو 7% من الطلب العالمي. وتعطُّل هذه المنشأة أو تدميرها قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق النفط العالمية - نتيجة توقف 7% من صادرات هذه المادة -، وبالتالي إلى صدمة فورية في أسعار النفط.
أما ثالثة المنشآت، من حيث الأهمية، فهي مدينة مسيعيد الصناعية في قطر، وهي مركز ضخم للتكرير والبتروكيماويات وتسييل الغاز، وجزء أساسي من شبكة تصدير الطاقة القطرية. وتضرّر هذه المدينة من شأنه أن يؤثر على صادرات الوقود - إذ تضمّ «مسيعيد» مصفاة «لفان» (نحو 306 آلاف برميل) -، فضلاً عن تعطّل في صناعة البتروكيماويات (البلاستيك والأسمدة ومواد الصناعة الثقيلة)، والمواد الصناعية الثقيلة، الأمر الذي سيسبّب بدوره أزمة في الصناعات العالمية (السيارات والإلكترونيات والبناء وغيرها)، بالإضافة إلى خسارة صادرات بمليارات الدولارات.
أما رابعاً، فيأتي «الفجيرة النفطي» في الإمارات، وهو ثالث أكبر مركز تخزين نفطي في العالم، من حيث القدرة والإنتاج. ويرتبط بالمركز خطّ أنابيب يمتدّ من حقول أبو ظبي إلى الفجيرة بطول يقارب 360 كم، وتبلغ قدرته على نقل النفط حوالي 1.8 مليون برميل يومياً، ما يسمح بتصدير النفط مباشرة من ساحل بحر عُمان. كما يضمّ المشروع منشآت تخزين ضخمة تصل سعتها إلى نحو 42 مليون برميل من النفط الخام ضمن مرافق تحت الأرض. وتكمن الأهمية الاستراتيجية للفجيرة في أنها تقع خارج مضيق هرمز، ما يمكّن الإمارات من تصدير جزء كبير من نفطها عبرها، من دون المرور بالمضيق المهدّد. ولذلك، فإن تدمير هذا المركز أو تعطّله قد يؤدي إلى فقدان المسار البديل، ويزيد من مخاطر تعطّل الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين على ناقلات النفط.
ويفاقم طرح هذه السيناريوات من موجة القلق بشأن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، والتي تتصاعد يومياً في ظلّ تضرّر الإمدادات والشحن والتأمين البحري، وإصابة حركة النقل الجوي والبحري في الشرق الأوسط بالشلل، وتوقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز. وكانت قد تزايدت تلك المخاوف بعد تصريح وزير الطاقة القطري الذي توقع أنه في حال استمرت الحرب، فإن جميع مصدّري الطاقة في الخليج سيُجبرون على إغلاق الإنتاج «خلال أسابيع»، وقد يرتفع سعر النفط إلى 150 دولاراً للبرميل.
وحتى في حال وضعت الحرب أوزارها، فإن ما يجري سيجعل المستهلكين والشركات حول العالم يواجهون «أسابيع أو حتى أشهراً» من ارتفاع أسعار الوقود، حسبما قالت وكالة «رويترز». وبحسب ما نقلته صحيفة «ذا غارديان» عن الباحث في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، كلايتون سيغل، فإنه ليست ثمة مؤشرات على انفراجة قريبة، في ظلّ بلوغ العجز 20 مليون برميل يومياً، وتأثيره في توازن سوق النفط العالمي. ويشير سيغل إلى أن «تجاهل» الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لارتفاع أسعار النفط، والذي اعتبره البعض «مجرد خدعة»، أصبح «واضحاً الآن أنه ليس كذلك»، مضيفاً أن «مدة السماح التي منحها السوق لإدارة ترامب انتهت مع انتهاء الأسبوع الماضي».

