حصيلة «الوعد الصادق 4»: إيران لم تكشف كلّ أوراقها بعد

شهد الأسبوع الأول من الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران تصاعداً متدرّجاً ومتنوّعاً في الإطلاق الصاروخي الإيراني - ضمن عملية «الوعد الصادق 4» -، بالتوازي مع تبدّل نسق الإطلاق من حيث الكمية والنوعية. وتُظهر البيانات والإعلانات الرسمية الإيرانية انتقالاً من موجات «واسعة ومركّبة» تجمع بين الصواريخ والمسيّرات، إلى إدخالٍ معلن لصواريخ أثقل وأحدث وأكثر نوعية، ولا سيّما على مستوى الرؤوس المتعدّدة أو العنقودية. وتقابل ذلك مؤشرات على انخفاض معدّل الإطلاق مع تقدّم الحرب، بما يوحي باستراتيجية تقوم على ترشيد الاستخدام تحسّباً لمواجهة قد تطول.
وحتى أمس، سُجّل استخدام عدد من أبرز الصواريخ الإيرانية، بينها «خيبر» و«خرمشهر-4» و«خيبرشكن» و«عماد» و«قدر» و«فتّاح»، إضافة إلى صواريخ «كروز مختلفة». أمّا ما لم يُستخدم بعد، أو بالأدقّ ما لم تُعلن إيران استخدامه، فتتضمّن لائحته، بالاستناد إلى قوائم الترسانة الإيرانية وما أُعلن عن موجات الأسبوع الأول، «سجّيل» و«فاتح 110» ومشتقاته و«ذو الفقار» و«دزفول» و«قيام»، وعدد من طرازات «الكروز».
وعلى صعيد استراتيجية الإطلاق الإيرانية، تنقسم القراءات بخصوصها إلى وجهتين رئيستين: الأولى، أميركية وغربية وإسرائيلية، تقوم على أن انخفاض وتيرة الإطلاق يعكس تآكلاً قسرياً ناجماً عن الضربات الجوية وتدمير منصات الإطلاق وبناه. وأما الثانية، التي تتبناها المصادر الإيرانية، فتشير إلى أن الانخفاض يعكس ترشيداً مقصوداً للمخزون وإدارةً لعتبات التصعيد استعداداً لحرب استنزاف طويلة، مع الاحتفاظ بإمكان رفع مستوى النيران عبر إدخال طرازات أحدث عند الحاجة.
وفي هذا السياق، تتكرّر في البيانات الإيرانية الإشارة إلى «عمليات مركّبة» تجمع بين الصواريخ والمسيّرات، مع حديث عن استخدام رؤوس «متعدّدة» أو «عنقودية» لتجاوز الدفاعات. وبالفعل، أعلن جيش الاحتلال أن إيران استخدمت ذخائر عنقودية «مرات متعددة» منذ بدء الحرب، فيما أفادت قناة «i24» بأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية رصدت استخداماً متزايداً لقنابل عنقودية عبر صواريخ، كلّ منها يحمل رأساً متفرّعاً يحتوي على نحو 80 قنبلة صغيرة، تتناثر على مساحة واسعة ( 50 كم).
وتنقل الرواية الإيرانية عن مسؤولين في «الحرس الثوري» أن الصواريخ المستخدمة حتى أمس، تعود، في الغالب، إلى سنوات إنتاج أقدم، بين 2012 و2014، وأن «الجيل الجديد» لم يُستخدم إلا نادراً، في إشارة إلى سياسة «عدم كشف كامل اليد». وفي المقابل، تلفت التحليلات الغربية إلى أن تقديرات المخزونات الصاروخية الإيرانية قبل الحرب تصل إلى عدة آلاف، وأن «ما تبقّى» منها سيكون عاملاً حاسماً في مسار الحرب. وفي هذا الإطار، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أمس، إنّه «لم يعد من الضروري إطلاق النار بنفس حجم حرب الـ12 يوماً؛ سنطلق النار بعدد أقلّ لكنه أكثر فاعلية ودقة».
استهداف الرادارات الأميركية مثّل لإيران إنجازاً تكتيكياً واستراتيجياً بارزاً
وفي موازاة ذلك، برز استهداف الرادارات وشبكات الدفاع الجوي الأميركية بصفته محوراً أساسياً في استراتيجية الإطلاق الإيرانية. إذ ركّزت إيران على ضرب تلك المنظومات بهدف تعمية قدرة الإنذار المبكر لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. وفي بيان رسمي، أكد «الحرس الثوري» تدمير عدة رادارات أميركية استراتيجية، شملت منظومة «THAAD» في الإمارات والأردن، إضافة إلى رادار بعيد المدى من طراز «FPS-132» في قطر، وذلك بواسطة وحدات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وأدّت هذه الضربات المباغتة إلى تعطيل منظومات الرصد الأميركية الأساسية منذ الأيام الأولى للحرب، ما أضعف قدرة الولايات المتحدة الدفاعية في الخليج، وأثّر في منظومات الرصد والاعتراض المبكر الإسرائيلية. كما أظهرت الصور استهداف منظومة رادار في قاعدة «الظفرة» الجوية في الإمارات، وأضراراً في موقع راداري قرب قاعدة «الأمير سلطان» الجوية في السعودية. ولم يقتصر الأمر على الرادارات الأرضية، بل امتدّ أيضاً إلى منشآت الاتصالات العسكرية، حيث أشارت تقارير إلى أن إيران هاجمت محطة الاتصالات الساتلية التابعة للأسطول الخامس الأميركي في البحرين ودمّرت هوائيات متطورة فيها.
وجاء هذا الاستهداف ضمن خطة لشلّ قدرة الإنذار المبكر وإرباك الدفاعات، بما أتاح للقوات الإيرانية هامشاً أوسع لشنّ هجمات صاروخية كثيفة في بداية الحرب. وبالفعل، أطلقت إيران موجات غير مسبوقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الأيام الأولى، لم تفصل في ما بينها إلا فترات زمنية قصيرة. لكن وتيرة الهجمات تراجعت لاحقاً، من دون أن يتوقف الإطلاق تماماً، بل مع استمراره على نحوٍ أخفّ للحفاظ على الضغط واستنزاف الدفاعات.
وفي خلال استهداف الرادارات، استُخدمت أسلحة عالية الدقة لتحقيق إصابات موثوقة في أهداف صغيرة نسبياً ومحصّنة. وتشير التقديرات إلى أن إيران اعتمدت مزيجاً من الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية. ففي استهداف رادار قطر البعيد المدى، ترجّح بعض التقييمات أن الإصابة تمّت بواسطة مسيّرة انتحارية عالية الدقة، فيما يُرجَّح أن ضرب «THAAD» في الأردن نُفّذ بصاروخ باليستي تكتيكي موجّه.
وفي النتائج، تفيد تقارير أميركية وإسرائيلية بأن إصابة رادار الإنذار المبكّر في قطر، على وجه الخصوص، شكّلت خللاً جسيماً في بنية الدفاع الصاروخي المترابطة التي بنتها الولايات المتحدة في المنطقة على مدى عقود، وأجبرت القوات الأميركية، لمدة وجيزة، على العمل «شبه عمياء»، ريثما جرى إيجاد بدائل وتعويضات مؤقتة. لذلك، يرى عدد من المحللين أن هذه الضربة مثّلت لإيران إنجازاً تكتيكياً واستراتيجياً بارزاً، كونها كشفت نقاط ضعف في أكثر المنشآت الأميركية تحصيناً، وفرضت أثراً مباشراً في وتيرة الإطلاق الإيراني ونوعيته وفاعلية إصابته أهدافه.

