
تتّجه إيران، في خطابها المعلن وفي بعض التحركات الميدانية، نحو محاولة بناء «معادلة ردع» أكثر تخصّصاً ونوعية، تربط بين نوع الهدف المضروب في الجمهورية الإسلامية، ونظيره الذي يُهدَّد أو يُستهدف، في المقابل، داخل الأراضي المحتلة، وكذلك في دول الخليج. وبهذه المعادلة، تُظهر طهران قدرة على فرض «المماثلة» في اختيار الأهداف، أي الانتقال من ردّ على الضربة بضربة، إلى ردّ على القطاع بالقطاع، وعلى الوظيفة بالوظيفة: البنية التحتية مقابل البنية التحتية، والصناعة مقابل الصناعة، والمنظومة العلمية مقابل المنظومة العلمية.
وتجلّى ذلك الانتقال، ابتداءً، في بيانات «الحرس الثوري» الذي هدّدت بشكل مباشر وواضح، بمعادلات من مثل: «إذا ضربتم الكهرباء، نضرب الكهرباء». وأنبأ هذا التهديد وأمثاله بانتقال إيراني من مرحلة الردّ العام إلى مرحلة استهداف المفصل نفسه الذي يُضرب داخل إيران، مُظهراً أن المسألة لم تعُد ترتبط بإيصال رسالة نارية إلى العمق الإسرائيلي فقط، بل بمحاولة إصابة عناصر القدرة ذاتها، والبنية التي تتيح للخصم مواصلة الحرب وتحمّل كلفتها. وعليه، لا ترى طهران في المصانع والمنشآت الصناعية الإسرائيلية أو الأميركية، أهدافاً «مدنية» معزولة، بل «تراها جزءاً من البنية التي ترفد القدرة الحربية للخصم، سواء من حيث الإنتاج، أو اللوجستيات، أو الدعم المادي والتقني، أو القدرة على الصمود في حرب طويلة».
وخلال اليومين الماضيين، برزت تهديدات إيران لستة مصانع فولاذ في المنطقة، من بينها منشأة في أسدود داخل الأراضي المحتلة، وذلك رداً على قصف المصانع الإيرانية. كما قال قائد «القوة الجو ـ فضائية» في «الحرس الثوري» الإيراني، سيد مجيد موسوي، أمس، إن «الردّ على الهجمات على البنية التحتية الإيرانية جارٍ»، مضيفاً أن «هذا الردّ يتمّ عبر تدمير صناعات استراتيجية تابعة للعدو الأميركي الصهيوني في المنطقة». وعدّد موسوي بعض الأهداف التي قال إنها استُهدفت حتى الآن، ومنها «مصنع نيئوت حواف الكيميائي في الأراضي المحتلة، ومصفاة نفط، ومجمّعان للصلب، ومجمّعان ضخمان للألمنيوم»، مؤكداً أن «هذه الهجمات المؤلمة مستمرّة حتى نرى الألم في عيونكم».
ومن هنا، فإن الهجوم على منشآت ألمنيوم في البحرين والإمارات، الذي قُدِّم باعتباره «رداً على هجمات استهدفت مصنعَين فولاذيين إيرانيين»، يدخل ضمن محاولة إيرانية أوسع لإعطاء الردع بُعداً إقليمياً يتجاوز الساحة الإسرائيلية. فحين تُدرج طهران منشآت في دول الخليج ضمن دائرة الردّ، فهي تضرب في عمق البيئة الإقليمية المتداخلة مع البنية العسكرية والاقتصادية الأميركية والإسرائيلية. وهي تريد من وراء ذلك إفهام المعنيّين أن الحرب على بنيتها التحتية لن تبقى محصورة بين طرفين، بل يمكن أن تمتدّ كلفتها إلى المجال الإقليمي الأوسع، بما يرفع منسوب الضغط السياسي والاقتصادي على حلفاء واشنطن وشركائها.
وضمن هذا السياق، يكتسب استهداف المصنع الإسرائيلي في النقب، أمس، أهميته الخاصة. فبحسب ما جرى تداوله، استهدف صاروخ باليستي إيراني مصنعاً تابعاً لشركة «أداما» في جنوب الأراضي المحتلة، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير طاول مواد خطرة، مع تحديد «نطاق خطر» حتى 800 متر من موقع المصنع. وتقع هذه المنشأة، التي شوهدت في أثناء احتراقها، داخل منطقة تضمّ مصانع كيميائية وصناعية أخرى حساسة؛ وهي عبارة عن مصنع كيماويات مملوك لشركة «أداما» الإسرائيلية للحلول الزراعية - مقرّها تل أبيب - التي تملكها بدورها مجموعة «ChemChina» الصينية، وتوظّف أكثر من 9000 عامل وموظف، وتوزّع منتجاتها في نحو 100 دولة.
وقبل ذلك، سقط صاروخ إيراني على بعد مئات الأمتار من عدة خزانات للنفط في النقب، من دون أن يصيب هدفه بشكل مباشر. لكن دلالة الحادثة بدت واضحة: فالمرجّح أن خزانات النفط نفسها كانت الهدف، وذلك في ردّ مقابل على استهداف إسرائيل لحاويات النفط في طهران خلال اليومين السابقين.
ويعزّز هذا النمط فرضية أن إيران لم تعد تشتغل فقط ضمن معادلة «الردّ على العدوان»، بل ضمن معادلة «التماثل القطاعي»، أي معاقبة العدو في القطاع نفسه الذي اختار أن يضربه داخل إيران. ومن شأن ذلك أن يمنح الردع الإيراني طابعاً أكثر تخصّصاً، ويُكسبه القدرة على إعادة هندسة قواعد الاشتباك.

