تقييمات غربية لنتائج الحرب: إيران تكسب بـ«البقاء والإرهاق»
تقع واشنطن وتل أبيب في «وهم شائع» في الحروب، مفترضتَين بـ«سذاجة» أن تحقيق أهداف عسكرية فورية، من دون تحقيق «الغرض الاستراتيجي الأعلى»، كافٍ بذاته لكسب الحرب، في حين تكثر التحذيرات من أن إيران تبدو في صدد الفوز، أو ربّما كسبت بالفعل، حربها على المدى البعيد


عندما بدأت إسرائيل والولايات المتحدة عدوانهما على إيران منذ نحو شهر، فهما قرّرتا، عملياً، قتل المزيد من الأشخاص، وتدمير الممتلكات، وتحويل الموارد «المحدودة» بعيداً عن «الأولويات الأخرى» على الساحة العالمية. وعادةً، تلجأ الدول إلى وضع «هدف جيّد» لتبرير التكاليف المعنوية والمادية المُشار إليها. على أن أيّ «هدف»، لن يكون «جيداً بما فيه الكفاية»، ما لم يكن مُقترناً باستراتيجية كفيلة بتحقيقه بتكاليف «مقبولة»؛ وهو ما ليس متوفّراً، بوضوح، في الحرب على إيران.
ومن بين المخاطر الشائعة في الحروب أيضاً، ما يصفه مراقبون بـ«تحوير الأهداف»، والذي يعني افتراض الزعماء السياسيين، بـ«سذاجة»، أن تحقيق غايات عسكرية فورية، من دون خدمة «الغرض الاستراتيجي والسياسي الأعلى»، كافٍ لكسب الحرب. وحالياً، تكثر التحذيرات من أن إيران، التي استعدّت لعقود لمثل ذلك العدوان، هي في صدد الفوز، أو ربما كسبت بالفعل، الحرب على المدى الاستراتيجي البعيد.
وفي هذا السياق، يبيّن تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز»، أنه استناداً إلى مقاييس الصراع «التقليدي»، يمكن الاستنتاج أن أداء إيران «ليس جيداً» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما عمدت الأخيرتان إلى تدمير أهداف حيوية فيها وقتل قادتها وإلحاق أضرار بأصولها العسكرية. على أن هذه التقديرات تبدو، بحسب التقرير «خاطئة»؛ فإلى جانب أن إيران «تستوعب» الأضرار بشكل جيد، فإن السؤال الرئيس، عند انتهاء القتال، سيكون ما إذا كانت الحرب قد حقّقت «أهدافها الاستراتيجية»؛ وحينها، سيتبيّن أن إيران هي التي «تفوز» في حربها.
ويرى أصحاب الرأي المتقدّم أن هذه النتيجة ليست «عرضية»؛ إذ إن إيران تستعدّ للحرب منذ أن واجهت الحكومة الثورية الجديدة أوّل اختبار عسكري كبير لها مع العراق. وهي تعتمد حالياً استراتيجية نجحت في تحييد بطاريات الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية الرئيسة، وإلحاق أضرار جسيمة بالقواعد العسكرية الأميركية في الخليج، والتسبّب بآلام اقتصادية كبيرة، ودقّ إسفين بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. وبعبارة أخرى، فإن النظام الإيراني «لا ينجو» فقط من القصف الأميركي والإسرائيلي، بل إن المشاكل الاقتصادية والسياسية الخطيرة التي يخلقها لخصومه تمنحه «اليد العليا على المستوى الاستراتيجي».
وخلال حرب العراق، وفي مواجهة عدو متفوّق تقليدياً، في خضمّ الحظر الذين كان مفروضاً عليها، كان على إيران أن «ترتجل»، وتطوّر تكتيكات من مثل حرب الألغام واستخدام مقاتلين غير نظاميين متحمّسين لا يعتمدون على معدات باهظة الثمن أو سلاسل توريد دولية. وبالنتيجة، فإن ما بدأ، ذات يوم، كـ«ارتجال»، تطوّر إلى عقيدة متماسكة وتوسّع ليشمل بلداناً أخرى في الإقليم. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الحرب الحالية، كانت إيران قد أمضت 35 عاماً في تعلّم كيفية القتال ضدّ خصوم أقوى منها بكثير؛ وهي دروس تتجلّى في سلوكها اليوم، من خلال الاستفادة من تجارب الشبكات اللوجستية اللامركزية التي بنتها لنقل المقاتلين والعتاد عبر العراق وسوريا، وقدرتها على استيعاب الضربات والتفرّق وإعادة التشكيل، ما سمح، مثلاً، لـ«الحرس الثوري» بمواصلة عمله على الرغم من اغتيال كبار القادة.
وإلى جانب الشقّ العسكري، كانت إيران تتحضّر منذ فترة طويلة لخوض حرب اقتصادية، بعدما وجدت نفسها، لعقود، في مواجهة نظام عقوبات، أنشأته الولايات المتحدة في المقام الأول، عزَل البلاد عن الأسواق المالية الدولية، وجمّد أصولها، وخنق عائداتها النفطية، واستبعدها من النظام التجاري العالمي. واليوم، فإن الدولة التي «تمّ طردها من النظام الرأسمالي العالمي»، ليست لديها مصلحة كبيرة في الحفاظ على بنية هذا النظام، بل إن لديها حافزاً كبيراً لتهديده.
يقرأ صنّاع السياسة في الغرب الكثير حول الدول التي يستهدفونها، من دون أن يفهموا الكثير ممّا يقرأون
ومن هنا، لا يمكن وضع استهداف إيران للبنية الأساسية للطاقة، وضغطها على مضيق هرمز، وضرباتها للموانئ والبنوك وشركات التكنولوجيا في مختلف أنحاء الخليج، في خانة «أعمال التصعيد العشوائية»، بل هي حملة منهجية ضدّ الأسس الاقتصادية للنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تمّ بناؤه، إلى حدّ كبير، لاحتواء الجمهورية الإسلامية. وبعدما عمد المنتجون الخليجيون، منذ منتصف السبعينيات، إلى تسعير معظم صادراتهم النفطية بالدولار الأميركي مقابل الحماية العسكرية الأميركية، فإن إيران، التي تمّ استبعادها من نظام البترودولار نفسه، تحتجز الآن هذا النظام رهينة. وفي حين قد لا تكون قادرة، بمفردها، على تفكيكه، إلا أنّها تستطيع متابعة صفقات النفط باليوان وتسريع المحادثات، الجارية بالفعل في بكين وموسكو والرياض، حول البدائل المحتملة له.
أمّا العواقب «الأكثر استدامة» في استراتيجية إيران، فتتمثّل على الأرجح بـ«الإسفين» الذي تدقّه بين الولايات المتحدة وشركائها في الخليج. فبعدما أدرك صنّاع السياسة الإيرانيون أن ضعف النظام الحالي يكمن في كونه يعتمد على «الشراء من الخليج مقابل الوعود الأمنية»، فقد وضعت الحرب الأخيرة، بعد سنوات من «التصدّع» في الثقة، تلك «الصفقة» تحت ضغط «أكبر»؛ إذ كشفت عن عدم التوازن في الالتزامات الأميركية، وأظهرت أنه تمّ نشر أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية، في المقام الأول، لحماية إسرائيل، في حين شاهدت دول الخليج بنيتها التحتية تحترق من دون حماية مماثلة. وعليه، فإن الرسالة التي تردّدت في أبو ظبي والدوحة والكويت والمنامة والرياض، هي أنه عندما تُجبَر على الاختيار، فإن واشنطن ستعطي الأولوية للأمن الإسرائيلي على حساب أمن الخليج.
كذلك، كانت إيران تتوقّع أن تشكّل «ضربات قطع الرأس» جزءاً من أيّ صراع خطير مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، خصوصاً بعدما شاهدت ما فعلته الأخيرتان بخصومهما في العقود الأخيرة. واللافت، أن تلك الضربات خلّفت مشكلة غير متوقّعة لواشنطن: فالقادة الإيرانيون الجدد هم، في كثير من النواحي، أكثر خطورة من أسلافهم؛ إذ إنهم أصغر سناً، وقاتلوا الأميركيين في العراق. والنتيجة المتوقّعة هي أن النظام الإيراني سوف يصبح «أكثر عدوانية وتمسّكاً بالقتال، بدلاً من ردعه».
وبصورة أعمّ، تتمحور العقيدة الاستراتيجية الإيرانية حول فكرة واحدة: وهي البقاء والإرهاق؛ ما يعني أن الهدف ليس هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل بالمعنى التقليدي، بل إثبات أن تكلفة المواجهة غير مستدامة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً بالنسبة إلى الخصوم، وصولاً حتى انهيار «إرادتهم في القتال»، وهو لم تقرأه واشنطن وتل أبيب جيداً. وحتى قبل الحرب الأخيرة مع إيران، لطالما جادل العديد من المنظّرين بأن صنّاع السياسة في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة، «يقرأون» الكثير حول دول الشرق، إنما «يفهمون القليل» جداً عنها. وفي هذا الإطار، يجادل الكاتب يوناتان توفال، في مقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنه أصبح من الصعب تجاهل «استنتاج واحد» بعد أربعة أسابيع من الحرب، وهو أن «قادتنا يرأسون آلة تدمير غير عادية، ولكنهم يظلّون جاهلين بشكل مذهل في ما يتعلّق بالبشر، وبما لدى هؤلاء من كبرياء، وعار، وقناعات، وذاكرة تاريخية».
وينوّه الكاتب إلى أن الحرب بدأت بافتراض أن قتل القادة الإيرانيين، والسيطرة على المجال الجوي، وتدمير البنية التحتية، سيؤدي إلى انهيار النظام في طهران وخلق وضوح إستراتيجي لدى واشنطن وتل أبيب، قبل أن يأتي «الواقع مختلفاً»، معتبراً أنه فيما من المغري تبرير ذلك بأنه فشل «استخباراتي»، إلا أنه «من الناحية الفنية، فهو ليس كذلك». ويذكّر الكاتب بأن «التجسّس الاستخباراتي خلف التخطيط للحرب وتنفيذها كان واسعاً جداً»؛ إذ أمضت المخابرات الإسرائيلية سنوات في اختراق كاميرات المرور وشبكات الاتصالات في طهران، وبنت ما وصفه مصدر إسرائيلي لشبكة «سي أن أن» بأنه «آلة إنتاج أهداف» تعمل بالذكاء الاصطناعي»، مستدركاً بأنه «يمكن لمثل هذا النظام أن يخبرك بمكان وجود الرجل، إلا أنه لن يخبرك ماذا سيعني موته بالنسبة إلى الأمة». وعليه، وقع القادة مرة جديدة في «الوهم نفسه»، متجاهلين أن الحرب لا تُعدّ «مجرد منافسة فنية»، بل تتشكّل من خلال مجموعة من السرديات، وذكريات الإذلالات الماضية، والرغبة في الانتقام.
وهكذا، وفي خطأ «مألوف»، تصوّر مخطّطو الحرب أنه يمكن قطع رأس النظام «حتى ينهار»، في حين أن العدوان الخارجي غالباً ما يؤدّي «إلى نتائج عكسية»، ويسهم في «خلق رابط أكثر إحكاماً بين الدولة المنكوبة ومجتمع متّحدٍ حولها بسبب الأذى والإذلال والغضب».
