
القاهرة | تُجري السعودية اتصالات مكثّفة مع أطراف خليجية وعربية، في محاولة لبلورة موقف موحّد في شأن التعامل مع إيران في المرحلة المقبلة، وفقاً لمصادر مصرية تحدّثت إلى «الأخبار». وتتمحور هذه الاتصالات حول كيفية التصرّف في مرحلة ما بعد الحرب، بما يتناسب مع التحوّلات الإقليمية الجارية، وتداعيات الموقف الأميركي الذي باتت الرياض تنظر إليه بعين الريبة، بعدما تسبّب في توريطها وعواصم الخليج في دائرة العداء مع طهران، طبقاً للمصادر نفسها.
ورغم أن الأهداف النهائية للحراك الدبلوماسي السعودي لم تتّضح بشكل كامل بعد، إلا أن الأجواء الدبلوماسية تشي بـ«نقدٍ متزايد» للسياسات الأميركية، ورغبة مستجدّة في إعادة صياغة العديد من مسارات العمل المشتركة مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تنقل المصادر عن دبلوماسيين سعوديين استياء المملكة من استمرار واشنطن في انتهاج «سياسة المفاجأة»، وتجاهلها تداعياتها الأمنية والسياسية التي تطاول الرياض وبقية العواصم الخليجية على المستويَين الداخلي والخارجي.
وفيما لا تزال الإمارات، حتى الآن، بعيدة عن هذا التنسيق المتسارع بين السعودية وبقية الدول الخليجية، والذي يشمل أيضاً اتصالات مباشرة مع مصر وباكستان لصياغة مواقف أكثر اعتدالاً وقبولاً لدى إيران، فإن ثمة ملفات شائكة لا تزال عالقة؛ أبرزها حدود استخدام القواعد الأميركية في المنطقة، ومجالات التنسيق والتعاون الأمني المستقبلي. وبحسب مصادر في الخارجية المصرية تحدثت إلى «الأخبار»، فإن السعودية تعيش حالاً من «انعدام الثقة» في قرارات الإدارة الأميركية، التي شنّت الحرب وأوقفتها وفق رؤية مشتركة حصراً مع إسرائيل. وهو الأمر الذي لم يؤدِّ إلى مفاقمة التحديات الداخلية في المملكة فحسب، بل تسبّب أيضاً بعرقلة المسارات التي كان يجري الحديث عنها في شأن «التطبيع» مع إسرائيل.
وتحظى هذه التحركات السعودية بترحيب من مصر، التي تدعم إنهاء المناخات العدائية مع إيران، والتحضير لبناء شراكات تجارية معها، في حال رفع العقوبات الأميركية عنها. وحتى الآن، لم تواجه هذه الرؤية التي يتبنّاها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان - وتحظى بدعم من قطر وسلطنة عمان - اعتراضات وازنة، علماً أنها لا تزال في طور الصياغة الأولية. ومع ذلك، تقول المصادر إن ابن سلمان نفسه يدرك أن رؤيته «لن تمرّ من دون ضوء أخضر أميركي، أو علىّ الأقل عدم ممانعة»، وهو الأمر الذي لا يزال ضبابياً، ما يرجئ أي أحاديث رسمية عنها حتى إشعار آخر.
وفي السياق نفسه، تشير المصادر إلى أن المقترحات التي قدّمها مسؤولون مصريون، وفي مقدمهم وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، خلال محادثاته الأخيرة مع نظيره السعودي، فيصل بن فرحان، تضمّنت ضرورة المبادرة إلى فتح قنوات اتصال - ولو غير مباشرة - مع الإيرانيين لجسّ النبض، مع التأكيد أن الموقف السعودي سيلقى تقديراً وقبولاً في طهران. إلا أن الجانب السعودي فضّل إرجاء الخطوة الرسمية مؤقتاً بالنظر إلى حساسية الموقف وضبابية المشهد. كما أكّد عبد العاطي استعداد القاهرة لتأدية دور أكبر في هذا الملف، بما يمهّد لتفاهمات خليجية - إيرانية تشمل الملفات الخلافية في المنطقة، لا سيما في اليمن ولبنان، مبدياً جاهزية لزيارة طهران لبحث آفاق المرحلة المقبلة، فور نضوج التنسيق مع الرياض، طبقاً للمصادر.
على أيّ حال، ترهن المصادر المصرية نجاح هذا المسار بمدى قدرة السعودية على تمرير ما تريده في الولايات المتحدة، وهو أمر محكوم بالحسابات الداخلية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب. ويبدو أن الانخراط الفعلي في مسارات التقارب لن يبدأ قبل حسم واشنطن لخياراتها حيال طهران، والتوصل إلى نقاط توافق مرحلية تمهّد لترتيبات «اليوم التالي».

