«الشعب الجمهوري» نحو مؤتمر جديد: إردوغان يفرّق صفوف المعارضة
تدخل تركيا مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد قرار قضائي أطاح قيادة «الشعب الجمهوري»، في خطوة تُعدّ انتصاراً لإردوغان ومساراً جديداً لتفكيك المعارضة العلمانية عبر القضاء لا صناديق الاقتراع.


تفاعل القرار الذي أصدره القضاء التركي، الخميس الماضي، بـ«البطلان المطلق» لمؤتمر حزب «الشعب الجمهوري» الـ38 الذي انعقد في تشرين الثاني 2023، وأسفر عن فوز أوزغور أوزيل بزعامة الحزب، وسقوط زعيم الأخير حينها، كمال كيليتشدار أوغلو. وإذ عنى هذا القرار تنحية أوزيل ورفاقه من القيادة، واعتبار قيادة كيليتشدار أوغلو هي الشرعية، فقد مثّل انتصاراً كبيراً للرئيس، رجب طيب إردوغان، وحزبه «العدالة والتنمية»، في مساعيهما لتمزيق التيّار العلماني بكلّ رموزه. لكن هذه الخطوة عزّزت، في الوقت نفسه، الاتهامات بكون القضاء «المُسيّس»، وليس صندوق الاقتراع، هو المهندس الأول للخريطة السياسية في البلاد. وفي هذا السياق، تساءلت صحيفة «قرار» عن «جدوى العودة إلى الشعب لكسب تأييده في وقت تُرسم فيه السياسة بقرارات قضائية»، علماً أن «اللجنة العليا للانتخابات» رفضت شكوى من «الشعب الجمهوري» باعتبار قرار المحكمة باطلاً.
وكانت المواجهة بين الطرفَين بدأت عام 2019، عندما خسر إردوغان بلديّتَي إسطنبول وأنقرة مع عدد من المدن الأخرى لمصلحة الحزب المعارض. وحينها برز اسم رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، كمرشّح قوي لرئاسة الجمهورية عام 2023. غير أن القضاء فتح ملفّاً ضدّ الأخير حال دون ترشّحه، ليفوز إردوغان بالتالي بفارق بسيط عن كيليتشدار أوغلو. مع ذلك، عاد «العدالة والتنمية» وتلقّى صدمة هائلة عندما فاز إمام أوغلو مجدّداً ببلدية إسطنبول، ومنصور ياواش ببلدية أنقرة، بفارق كبير جدّاً هذه المرّة، في الانتخابات البلدية التي جرت في آذار 2024. لا بل نجح «الشعب الجمهوري» وقتذاك في أن يصبح للمرّة الأولى منذ 47 عاماً «الحزب الأول» في تركيا بنسبة 37 في المئة، مقابل 35 في المئة لـ«العدالة والتنمية». وعزا الكثيرون خسارة إردوغان الانتخابات تلك، إلى موقفه المتراخي من إبادة غزة، والإبقاء على العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، وإمداد الأخيرة عبر تركيا بالنفط.
يتخوّف أكراد تركيا من التأثير السلبي للقرار القضائي على مسار حلّ مسألتهم
وبعد عام تقريباً من تلك الواقعة، استأنفت السلطة حربها على المعارضة، وأقالت عدداً كبيراً من رؤساء البلديات التابعة لـ«الشعب الجمهوري»، لتبلغ الهجمة «الإردوغانية» ذروتها باعتقال إمام أوغلو وتوجيه تهم فساد إليه لا يزال في السجن حتى الآن على خلفيتها، حيث يواجه محاكمات شبه يومية. وبعد سطوع نجم أوزيل، عبر المهرجانات التي كان يعقدها احتجاجاً على اعتقال إمام أوغلو، والتي حشدت حضوراً جماهيرياً واسعاً، أُعدّ للأخير أيضاً ملف قضائي أدخله إلى السجن. وعلى طريق محاصرة المعارضة نفسها، جاءت الضربة القضائية الأخيرة، والتي بدأت معها مرحلة جديدة حاسمة من محاولات تيّار الإسلام السياسي تصفية نظيره العلماني، إذ يراهن إردوغان على فتح ملفّ للمنافس الجدّي الثالث، ياواش، كما التحريض على انقسامات داخل «الشعب الجمهوري»، وصولاً إلى حلّه نهائياً.
إزاء ذلك، اعتبر أوزيل القرار الصادر عن محكمة الاستئناف غير قانوني، وتدخّلاً في الشأن الداخلي للأحزاب التي يجب أن تقرّر قياداتها من طريق الانتخاب في المؤتمرات، مشدّداً على أن «القضاء لا يمكن أن يكون طرفاً في هندسة الحياة السياسية»، فيما رأى أكرم إمام أوغلو، بدوره، أن القرار «خطير جداً»، وأن تركيا أمام انقلاب سياسي كبير، داعياً إلى «المقاومة لحماية الديمقراطية في البلاد». أمّا كيليتشدار أوغلو، الذي كان اتّهم أوزيل بأنه استخدم، في المؤتمر الأخير للحزب، الرشوة والتهديد للضغط على المندوبين، فرحّب بالقرار، مطالباً بالحفاظ على الهدوء، في وقت أنزل فيه أعضاء «الشعب الجمهوري» صورته من مقرّ الحزب وداسوها بالأقدام.
في ضوء ذلك، تتّجه الأنظار الآن إلى المرحلة المقبلة في ظلّ احتمالات عدة، من بينها الدعوة إلى انتخابات جديدة في قيادة الحزب. وفي هذا الإطار، سُجّل اتصال هاتفي بين أوزيل وكيليتشدار أوغلو، اتفقا خلاله على الدعوة إلى مؤتمر عام استثنائي لـ«الشعب الجمهوري». لكن الأوّل يريد المؤتمر خلال 40 يوماً، فيما يتحدّث الثاني عن فترة تُراوِح ما بين 3 و7 أشهر، ما يعني أن الحزب سيكون أمام صراع داخلي مفتوح في الأشهر المقبلة.
وفي خضمّ هذا الصراع، سيكون موقف «حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب» الكردي مهماً ومؤثّراً. وإذ اعتبر الحزب، في بيان، أن القرار القضائي يلقي بظلال على عملية حلّ المسألة الكردية، فإن إردوغان يراهن على أن «الديمقراطية والمساواة» لن يكون أمامه سوى الوقوف إلى جانب السلطة لاستكمال عملية حلّ المسألة الكردية. وفي حال فعل الحزب ذلك، فقد تكون الفرصة مؤاتية جداً للرئيس للدعوة إلى انتخابات نيابية ورئاسية مبكّرة يضمن فيها ولاية جديدة لـ5 سنوات مقبلة.
