سياسات اليمين تفجّر الشارع: انتفاضة عمّالية في بوليفيا
تشهد بوليفيا تصعيداً شعبياً واسعاً مع تحوّل الاحتجاجات إلى انتفاضة عمّالية، رفضاً لسياسات يمينية تمسّ المكتسبات الاجتماعية. وفي ظلّ تفاقم الأزمة الاقتصادية والانقسام السياسي، يتجه الصراع نحو مواجهة مفتوحة على هوية الدولة ومستقبلها.


تعيش بوليفيا التي استقرّت طويلاً على أساس توازنات اجتماعية أرستها التجربة الاشتراكية، كباشاً مفتوحاً بين السلطة الحالية التي تدفع نحو تسييل مقدّرات الدولة لمصلحة رأس المال، وقاعدة شعبية تقاوم تصفية مكتسباتها التاريخية. وبعد احتجاجات متقطّعة رافقت رفع الدعم عن الوقود منذ مطلع العام، انطلقت مسيرة فلّاحية، في نيسان الماضي، قطعت نحو ألف كيلومتر سيراً على الأقدام رفضاً لقانون الأراضي. وأعقب ذلك إعلان «اتحاد العمّال» البوليفي، مطلع الشهر الماضي، إضراباً عاماً مفتوحاً، التحق به عمّال المناجم والمعلّمون وعمّال النقل والسكّان الأصليون، إلى جانب أنصار الرئيس السابق وزعيم «حركة مزارعي الكوكا»، إيفو موراليس، الذي اتَّهم الحكومة وواشنطن بالسعي إلى اختطافه أو اغتياله.
وأخيراً، انتقلت المواجهة إلى ذروتها؛ إذ اشتبكت الحشود المحتجّة مع الشرطة، وأغلقت عشرات الطرق، وفجّرت الديناميت قرب القصر الرئاسي في «لاباز». ودعا موراليس وأنصاره، في خلال ذلك، الرئيس رودريغو باز إلى الاستقالة، مطالبين بإجراء انتخابات في غضون 90 يوماً. وقال موراليس، في برنامجه الأسبوعي على إذاعة «كاوساتشون كوكا»، إن الرئيس «أمامه خياران: إمّا قرار انتحاري هو عسكرة البلاد، أو تهدئة الأوضاع، وتنظيم انتقال سياسي، وإجراء انتخابات في غضون 90 يوماً». ومن جهته، اعتبر باز أن «البلاد بحاجة إلى النظام (...) الوقت ينفد»، محذراً من الاقتراب من «نقطة الانهيار»، وذلك غداة موافقة البرلمان على إعلانه حالة الطوارئ بفعل الاحتجاجات.
هكذا، تحولّت مطالب المحتجين من تعديل إجراءات بعينها إلى رحيل الرئيس نفسه، وإسقاط المشروع الاقتصادي والسياسي برمّته. وفي ما وراء هذا الانتقال، يبدو أن المحتجّين يدركون أن إجراءات الحكومة اليمينية المتمثّلة برفع الأسعار وإلغاء الضرائب على الثروات وفتح الموارد الطبيعية أمام الخارج، تستهدف إعادة ربط الاقتصاد البوليفي بالمراكز المالية الدولية، بعد ما يزيد على عقد ونصف العقد من السعي إلى فكّ الارتباط بها.
وفي المقابل، تستند حكومة باز إلى قراءة طبقية فاقعة للأزمة الاقتصادية؛ فهي لا تنكر الاختناق المعيشي، إنما تحمّله لـ«تركة العقدَين الاشتراكيين»، التي خلّفت - بحسبها - «دولة مفلسة»، لا يكفّ الرئيس عن التكرار أنه ورثها، وأنه «القادر» على «إنقاذ» البلاد منها. وفي هذا السياق، اقتصرت «الوصفة اليمينية» لدى الحكومة على أداة وحيدة، تمثّلت في محاولة استعادة ثقة الأسواق ورأس المال الأجنبي. وإذ تُرجمت هذه الوصفة في ضبط الإنفاق العام عبر سياسات تقشّفية قاسية، وتحرير الأسعار، وفتح القطاعات السيادية أمام الاستثمار الخاص والأجنبي، فهي ألقت بكامل عبء «التصحيح» المزعوم على كاهل الأُجراء والمنتجين الصغار، وأعفت منه المصارف وكبار الملّاك والشركات المصدّرة التي تشكّل القاعدة الاجتماعية لليمين الحاكم. وهكذا، أتت تلك الإجراءات «التصحيحية» على حساب القاعدة الشعبية الواسعة التي بات يفترض أن تُسدّد فاتورة أزمة صنعتها بنية الاقتصاد الريعي، علماً أن أفراد القاعدة المشار إليها هم ممّن لم يجنوا من الريع شيئاً.
يتّضح ممّا تقدّم، أن الصراع في عمقه صراع على هوية الدولة نفسها، وعلى ما إذا كانت ستبقى دولة تحمي الفئات الهشّة أم تتحوّل إلى أداة في خدمة السوق ومن يتحكّمون في مفاصله. وإلى جانب انحيازها الطبقي، اتّسمت إدارة الحكومة الحالية للأزمة بتخبّط فادح كشف افتقارها إلى رؤية متماسكة؛ فبعد قرار رفع الدعم عن المحروقات، لجأت إلى استيراد بنزين رديء الجودة تسبّب بإتلاف محرّكات مركبات عمّال النقل، ما فجّر فضيحة سياسية استقالت على إثرها قيادات شركة النفط الحكومية. وتحت ضغط الشارع المتصاعد، اضطرّت الحكومة إلى التراجع عن قانون الأراضي الذي يفتح الباب أمام انتقال مساحات واسعة إلى الشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب، وأيضاً التراجع جزئياً عن مرسوم الوقود الذي حرّر استيراد المحروقات وقلّص آليات الدعم والرقابة. وفي وقت لم يهدأ فيه التضخّم الذي بلغ بحلول مستهلّ العام الجاري نحو 20%، تتوقّع المؤسسات الدولية انكماش الاقتصاد هذا العام بنسبة تقترب من 4%.
والواقع أن القراءة التاريخية لهذه الأزمة تحيل إلى جذور أخرى؛ فالمشكلات الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها البلاد بدأت مع انقلاب 2019 على موراليس. ففي السنة المذكورة، سقطت أوّل تجربة يسارية متماسكة امتدّت لنحو عقدين، وذلك بفعل تحالف بين الجيش والمؤسسة الدينية والطبقة الكمبرادورية المحلية، وبإسناد إقليمي وأميركي لهذا التحالف لم يكن خافياً، اتّخذ غطاءً اتهامات بالتزوير، سرعان ما تهاوت، لاحقاً، أمام التدقيق الذي تمّ إجراؤه. ومنذ تلك اللحظة، دخلت البلاد حالة عدم استقرار مزمن، نظراً إلى أن اليمين - الذي افتقر دائماً إلى أغلبية شعبية حقيقية - عجِز عن ترجمة سيطرته على المؤسسات إلى شرعية في صناديق الاقتراع.
وحين عاد اليسار إلى الحكم بعد عام واحد فقط مع فوز الرئيس السابق لويس آرسي، لم تنتهِ الأزمة، بل بدأ فصل جديد منها؛ إذ انتقل الصراع من المواجهة المكشوفة إلى حرب استنزاف مؤسّساتية خاضها اليمين عبر الأدوات التي ظلّ ممسكاً بها رغم خسارته السلطة التنفيذية آنذاك. وتبع ذلك شلل مؤسساتي وتراجع في الاستثمار العام وفقدان للثقة بالعملة، إلى أن تفاقمت الأزمة مع الانقسام داخل اليسار في حكومة آرسي.
لم تكن بوليفيا استثناءً في موجة الغضب التي اجتاحت القارة هذا العام، لكنها مثّلت ذروتها
والجدير ذكره، هنا، أن اليمين البوليفي، حتى وهو خارج السلطة التنفيذية، يمتلك عناصر قوة متجذرة في الدولة العميقة، قادرة على الإطاحة بخصومه. وفي مقدّمة تلك العناصر، يأتي القضاء الذي يحوّله اليمين إلى سلاح لملاحقة قادة اليسار وتصفيتهم سياسياً، بالإضافة إلى الإعلام الخاص الذي يصوغ الرأي العام ويصوّر كلّ احتجاج شعبي على أنه «فوضى» وكلّ قمع حكومي على أنه «استعادة للنظام»، فضلاً عن شبكات الأعمال التجارية والمصارف التي تتحكّم بدورة الاقتصاد وتملك القدرة على خنق أيّ حكومة لا ترضى عنها.
على أن هذه السيطرة في حالة بوليفيا لا تعني تماسك اليمين الحاكم الذي وصل إلى السلطة محمولاً على تشتّت اليسار لا على مشروع جامع، ولذلك سرعان ما انكشفت تصدّعاته. فالرئيس باز، الذي جاء بفوز مفاجئ في الانتخابات، فقدَ سريعاً تماسك تحالفه السياسي الذي يتصدّره «الحزب الديمقراطي المسيحي» والذي أوصله إلى السلطة، وبات يعتمد على أكثرية هشّة داخل البرلمان. كذلك، انفجر الخلاف بين الرئيس ونائبه إدمان لارا، الذي سارع إلى الدعوة إلى «حوار وطني غير مشروط» كطوق نجاة. ويكشف هذا الانقسام داخل السلطة التنفيذية نفسها، أن مشروع اليمين البوليفي يفتقر في اللحظة الحالية إلى عمق شعبي ومؤسساتي حقيقي، وأنه قائم اليوم على تحالف ظرفي بين قوى متنافرة لا يجمعها سوى المصالح والعداء لليسار والولاء للخارج.
ولا يقتصر هذا النمط على بوليفيا، بل يكاد يكون القالب المشترك لليمين الصاعد في عموم أميركا اللاتينية، فيما بوليفيا ليست إلا أوضح نماذجه اليوم. فمن هندوراس إلى الأرجنتين والإكوادور وتشيلي والسلفادور وغيرها، يتكرّر المشهد ذاته: حكومات تجمع بين التقشّف الليبرالي الجديد القاسي والولاء المطلق لواشنطن، تقدّم نفسها بديلاً من «فوضى اليسار»، بينما تفكّك ما تبقّى من المكاسب السيادية والاجتماعية.
وهذا التماثل في الإقليم ليس مصادفة ولا نتاج ظروف محلية منفصلة، إذ ينتظم اليمين القاري داخل مشروع أميركي أشمل لإعادة إحكام القبضة على نصف الكرة الغربي، يستعيد الخطاب الإمبريالي القديم بأدوات محدّثة، وينظر إلى القارة الجنوبية بصفتها مجالاً حيوياً حصرياً يجب «تطهيره» من النفوذَين الصيني والروسي ومن أيّ نزوع استقلالي يهدّد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وفي السياق المشار إليه بالذات، يتّضح سبب تلقّي الحكومات اليمينية في القارة ذلك الكمّ من الإسناد الخارجي كلّما اهتزّت تحت ضغط الشارع، كون الإسناد المذكور يُمنح لها بصفتها حلقات في سلسلة واحدة يهدّد سقوط أيّ منها تماسك المشروع كله.
واللافت، هنا، أن ثماني حكومات يمينية من تشيلي إلى كوستاريكا بادرت إلى إصدار بيان مشترك يرفض ما سمّته «زعزعة النظام الديمقراطي» في بوليفيا، في وقت وصف فيه نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، في اتصال مع باز، الاحتجاجات الأخيرة بأنها «محاولة انقلاب». وفي المقابل، عدّ الرئيس الكولومبي اليساري، غوستافو بيترو، تلك التحركات الاحتجاجية انتفاضة شعبية، وعرض تولّي الوساطة بين المعارضة والسلطة، لتردّ لاباز بطرد السفيرة الكولومبية، وتردّ بوغوتا عليها بالمثل.
ولم تكن بوليفيا استثناءً في موجة الغضب التي اجتاحت القارة هذا العام، لكنها مثّلت ذروتها. فمنذ نهاية السنة الماضية، تلاحقت الاحتجاجات من الأرجنتين حيث خرج مئات الآلاف ضدّ التقشّف، إلى الإكوادور حيث انتفض السكّان الأصليون وقطاعات شعبية على رفع دعم الوقود، وصولاً إلى بيرو وتشيلي اللتين شهدتا موجات احتجاج متصاعدة على الغلاء وسياسات التقشّف وتآكل الخدمات العامة، إلى جانب أحداث مشابهة في بلدان أخرى في الإقليم. وتعدّ جميع هذه الاضطرابات وليدة المعادلة نفسها التي فاقمتها صدمات الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب جشع الممارسات الليبرالية الجديدة في اقتصادات تلك البلدان بطبيعة الحال. بيد أن ما حدث في بوليفيا يكشف القانون العميق الذي بات يحكم تقريباً القارة كلها، وهو حلقة مفرغة يُسقط فيها كلّ طرف خصمه متى أمسك الآخر بالسلطة، فلا اليسار يُترك ليحكم بثمار انتصاره الانتخابي، ولا اليمين يكتفي بالمنافسة في الصناديق. وباستثناء التجربة الفنزويلية في الانتخابات التي كسرت هذه الدوامة بثمن باهظ، تبدو ديمقراطيات القارة الجنوبية محكومة بصراع لا يُحسم في صناديق الاقتراع، بل على الأرض ومن خلال موازين القوى.
