عوائد محدودة للحصار الأميركي: «أسطول الظلّ» الإيراني لا يتعطّل
تكشف تجارة «أسطول الظلّ» النفطي أن العقوبات الأميركية لم تنجح في خنق الاقتصاد الإيراني، بل دفعت طهران إلى تطوير آليات التفاف فعّالة. إذ يواصل النفط الإيراني التدفّق، في ظل الدعم الصيني والتكيّف مع الضغوط، ما يحدّ من جدوى الحصار ويُبقي موارده الحيوية قائمة.


في زيارة بالقارب في الثامن من أيار، شاهد مراسلو صحيفة «وول ستريت جورنال» السفينة «كاتالينا 7»، التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات بسبب حملها النفط الخام الإيراني، وهي تنقل النفط عبر خرطوم سميك إلى سفينة أخرى اسمها مُغطّى بالطلاء الأسود. وخلال العملية، تَبيّن، بحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة في نهاية الشهر الماضي، أن السفينتَين أنزلتا مصدّات ضخمة بينهما لمنع «كاتالينا 7» من سحق نظيرتها الأصغر حجماً أثناء تمايلهما وسط الأمواج، فيما كان العمال الذين يرتدون سترات برتقالية وخوذات واقية يتحرّكون بنشاط وسرعة على سطح الأولى. وتشكّل ناقلات النفط هذه، القديمة والمُصابة بالصدأ، ما يسمّيه خبراء البحار «أسطول الظلّ»، وهو أرمادا متنقّلة تضمّ مئات السفن التي تنقل النفط لصالح الأنظمة الخاضعة للعقوبات، بما فيها إيران وروسيا، اللتين تعتمدان عليها لتصدير «كلّ نفطهما تقريباً».
وتعود هذه السفن، التي تفتقر في بعض الأحيان إلى التأمين، إلى مالكين مجهولين، وهي تبحر رافعة أعلاماً تابعة لدول لا تدقّق كثيراً في أنشطتها. كما أنها تلجأ، في عرض البحر، إلى ممارسات تضليلية من مثل إغلاق أجهزة التتبّع الخاصة بها لتجعل من الصعب ملاحقتها. وطبقاً للصحيفة، يساعد إخفاق واشنطن في إيقاف هذا الأسطول، الذي تَضخّم حجمه بشكل متسارع في السنوات الأخيرة، في تفسير سبب «مرونة النظام الإيراني وقدرته على الصمود». وإذ قاومت الولايات المتّحدة، حتى الآن، رفع العقوبات النفطية المفروضة على إيران، فإن الحيلة البديلة التي يعتمدها النظام لا تزال تدرّ عليه «عملة صعبة بالغة الأهمية». وبالأرقام، يشير المصدر نفسه إلى أنه على الرغم من الجهود الأميركية لخنق عمليات التهريب، جنت طهران نحو 31 مليار دولار من عائدات النفط من بكين العام الماضي، وذلك وفقاً لـ«لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية» بين الولايات المتحدة والصين، وهي مجموعة تابعة لـ«الكونغرس». وأضافت المجموعة أن هذا المبلغ يمثّل نحو 90% من النفط الذي باعته إيران في الخارج، ونحو 45% من ميزانية حكومتها.
يفسّر إخفاق واشنطن في إيقاف «أسطول الظلّ» مرونة النظام الإيراني وقدرته على الصمود
وباعتبارها شريان الحياة الرئيس لإيران، تساعد الصين في ضمان بقاء أسطول الظلّ للنفط الإيراني «عائماً»، نظراً إلى أن عدداً من الكيانات التي تعمل كمالكة قانونية للناقلات مُسجَّلة في المدن الصينية، والعديد من أطقم السفن تأتي من الصين. والشهر الماضي، أمرت الحكومة الصينية، علناً، الشركات المحلية بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية على خمس مصافٍ صينية، مستشهدة لأوّل مرّة بـ«قاعدة الحظر» لعام 2021 والمصمَّمة لتحييد القوانين الأجنبية التي تعتقد أنها تنتهك المعايير الدولية أو تقيّد التجارة. ونظراً إلى أنه قبل بدء الحرب الأميركية في إيران، كانت بكين تستقبل من طهران نحو 1.4 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل تقريباً 12% من إجمالي وارداتها النفطية، وبأسعار مخفّضة مقارنة بالأسعار العالمية، فقد صعّدت الولايات المتحدة، أخيراً، حربها ضدّ هذه التجارة بشكل دراماتيكي؛ فإلى جانب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، فرضت واشنطن موجة من العقوبات الجديدة ضدّ ناقلات النفط والبنية التحتية النفطية الصينية. كما أنزلت قوات خاصة أميركية على أسطح ناقلتَين من «أسطول الظلّ» في المحيط الهندي. والأسبوع الماضي، احتُجزت ناقلة نفط ثالثة مرتبطة بإيران في المحيط الهندي، بعدما وصلت إلى الساحل المقابل لماليزيا. وأفادت صحيفة «ذا جورنال» بأنه من المرجّح أن السفينة المذكورة كانت مُحمَّلة بأكثر من مليون برميل من النفط الخام من جزيرة «خارك» الإيرانية في شباط، وبدت وكأنها في طريق عودتها إلى الشرق الأوسط عندما تمّ احتجازها.
مع ذلك، يرى خبراء بحريون أنه من أجل كبح جماح «أسطول الظلّ» بشكل حقيقي، تحتاج الولايات المتحدة إلى الحفاظ على حالة تأهّب عسكري مستمرّة ضدّ سفنه «إلى أجل غير مسمّى»، واستخدام القطع العسكرية لاعتراض هذه السفن، ومواصلة حصار الموانئ الإيرانية، وتكثيف الضغط على الصين. إلّا أن شركة «فورتيكسا» لتحليلات الطاقة قدّرت، أخيراً، وجود نحو 90 مليون برميل من النفط الإيراني خارج نطاق الحصار، بعدما غادرت غالبية تلك الكميات، أو جميعها، المياه الإيرانية قبل بدء إغلاق الموانئ. ويقبع هذا النفط حالياً في منشآت تخزين بحرية، ما قد يوفّر مليارات الدولارات من التمويل الإضافي للنظام الإيراني في الأشهر المقبلة. وفي السياق، تنقل «وول ستريت جورنال» عن إيمان ناصري، العضو المنتدب لأبحاث الشرق الأوسط في شركة «إف جي إي نكسانت إي سي إيه» لتحليلات الطاقة في دبي، قوله إن «وصول النفط الإيراني إلى الموانئ الصينية يستغرق شهرين إلى ثلاثة أشهر، وتحتاج إيران شهرين إلى ثلاثة أشهر أخرى لتلقّي ثمنه، ما يعني أنّه حتى لو لم يُفتح مضيق هرمز، فمن المرجّح أن تستمرّ إيران في تلقّي الأموال مقابل نفطها الموجود في عرض البحر حتى شهر تشرين الأول». وأضاف ناصري: «كان من المُفترض أن تؤدّي حملة (الغضب الاقتصادي) إلى إركاعهم»، بيد أنه مقارنة «بمصدّري النفط الآخرين في المنطقة، فإن إيران تبدو الأقلّ تضرراً».
وفي المجمل، يرى خبراء أن استراتيجية «حصار المضيق المحاصَر» جاءت «متأخّرة جداً»، ولا سيما أن إيران تأقلمت، في أعقاب الحرب، مع قواعد «اللعبة الاقتصادية». ونهاية نيسان، أوردت مجلة «ناشونال إنترست» الأميركية تقريراً جاء فيه أن الحصار كان لينفع قبل الحرب، ويدفع إيران، التي كانت ترغب في تجنّب التصعيد، إلى طاولة المفاوضات. أمّا حالياً، فقد أدّت الاستراتيجية التي طوّرتها طهران إلى تغيير منطق الحصار الأميركي، الذي بات يخاطر بتوسيع نطاق الأزمة. وبدلاً من فرض تنازلات سريعة، تخلق الولايات المتحدة حوافز لإيران للتصعيد في المجالات التي تتمتّع فيها الأخيرة بمزايا غير متكافئة، في وقت تفشل فيه الأولى في تأمين الدعم الدولي الواسع اللازم للمضيّ في استراتيجيتها.
على هذا النحو، تحوّل الحصار الذي أريد منه إخضاع إيران، إلى آلية لإدارة التصعيد في أحسن الأحوال؛ إذ يجري من خلاله الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز والحدّ من الاضطرابات، في حين أن تمديده لفترة أطول يهدّد بتعزيز الديناميكيات نفسها التي كان من المُفترض منعها. وفي ما وراء ذلك، يكمن «لبّ المشكلة»، بحسب المصدر نفسه، وهو سوء التقدير الاستراتيجي لدى واشنطن؛ فالأدوات القسرية تكون أكثر فاعلية قبل أن يتكيّف الخصم معها، وليس بعد. وبحلول الوقت الذي تحرّك فيه البيت الأبيض لفرض حصاره على المضيق، كانت لحظة الضعف القصوى قد انقضت بالفعل، ولم تعُد إيران تتصرّف تحت تأثير الصدمة، بل أصبحت تعمل وفقاً لعقيدة عسكرية «مُعدّلة».
