تحذيرات من قرار تمهيدي لعدوان ثالث: «الوكالة الدولية» نحو إدانة إيران مجدّداً
يتحوّل ملفّ التعاون بين إيران و«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» إلى ساحة ضغط سياسي جديدة، في وقت تتقاطع فيه تداعيات الحرب الأخيرة مع تعقيدات التفاوض النووي والتجاذبات الدولية.


طهران | يتصدّر الملفّ النووي الإيراني جدول أعمال الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، الذي انطلق، أول من أمس، في فيينا، ويستمرّ حتى الجمعة. ويأتي هذا الاجتماع في ظلّ تداعيات الهجمات الأمیرکیة - الإسرائیلیة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية خلال الحربَين الأخيرتين، والتي دفعت التعاون بين إيران والوكالة إلى أدنى درجاته، بالتوازي مع تصاعد الاتهامات المتبادلة على خطّهما. وفي أجواء يخيّم عليها الغموض بشأن مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، تسعى الأخيرة، بدعم من عدد من العواصم الأوروبية، إلى استصدار قرار ضدّ إيران من «مجلس المحافظين»، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لممارسة ضغط إضافي على الأخيرة، يضاف إلى استمرار فرض الحصار البحري عليها.
ودائماً ما مثّل مستوى التعاون الفني بين إيران والوكالة، انعكاساً مباشراً لطبيعة العلاقات السياسية بين طهران والقوى الكبرى. فبعد التوصّل إلى الاتفاق النووي عام 2015، الذي نصّ على فرض قيود محدّدة على تخصيب اليورانيوم، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات، شهد هذا التعاون توسّعاً ملحوظاً، أدّى بالتالي إلى ارتفاع مستوى الرقابة. لكن مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وعودة العقوبات على إيران، ردّت الأخيرة بالتخلّي تدريجياً عن التزاماتها الواردة فيه، بما شمل رفع مستويات تخصيب اليورانيوم وتقليص نطاق عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة في إطار «معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية»، فضلاً عن تقليل إجراءات المراقبة الإضافية. وبذلك، تراجَع التعاون إلى أدنى مستوياته؛ وهو تراجُع تعمَّق بعد حرب حزيران 2025 الإسرائيلية- الأميركية على إيران، والتي تعرّضت خلالها منشآت «فوردو» و«أصفهان» و«نطنز» للقصف. وفي حين تنتقد «الدولية للطاقة الذرية»، طهران، لعدم سماحها بالوصول إلى تلك المنشآت، تتهم إيران، الوكالة، بالتسييس، مؤكدة أن الحديث عن عمليات التفتيش يصبح بلا معنى في ظلّ تعرّض المنشآت الإيرانية للقصف، وعدم مبادرة الوكالة إلى إدانة تلك الهجمات أو تقديم أيّ دعم لطهران في ظلّها.
اعتماد قرار جديد قد يزيد تعقيد المفاوضات بين واشنطن وطهران
وفي هذا السياق، قال المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، في مؤتمر صحافي عقب انطلاق الاجتماع، إن «قناة التواصل بين إيران والوكالة انقطعت عملياً»، داعياً طهران إلى «العودة إلى التفاعل»، بما يتيح استئناف عمليات التفتيش في المنشآت النووية التي تعرّضت للقصف. وفي أحدث تقرير قدّمه إلى الدول الأعضاء، أقرّ غروسي بأنه منذ التقرير الأخير الصادر في شباط الماضي، «لم يتمكّن المفتشون في إيران من زيارة سوى منشأة واحدة هي محطة بوشهر النووية، بين الأول والثالث من حزيران». وأعلن صراحة أنه «غير قادر على تقديم أيّ معلومات بشأن حجم أو تركيبة أو موقع مخزونات اليورانيوم المخصّب»، مضيفاً أن الوكالة «غير قادرة على أداء مسؤولياتها الرقابية بموجب اتفاق الضمانات في إطار معاهدة عدم الانتشار».
وقبل حرب حزيران، كانت «الدولية للطاقة الذرية» تقدّر أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60%، وهي كمية تُعدّ، في حال اتّخاذ قرار بتسليح البرنامج، كافية لإنتاج ما يصل إلى 10 أسلحة نووية. لكن بعد الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية، بقي مصير تلك المخزونات غامضاً، وسط ترجيحات بأن جزءاً كبيراً منها لا يزال قائماً. وفي الوقت نفسه، تحوّلت هذه القضية إلى عقدة أساسية في المفاوضات؛ إذ تصرّ الولايات المتحدة على إخراج اليورانيوم المخصّب من إيران، فيما ترفض إيران ذلك، مؤكدة أنها لا تقبل سوى بخفض نسبة التخصيب.
وفي هذه الأجواء، تسعى الولايات المتحدة، بدعم رسمي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى دفع «مجلس محافظي الوكالة» إلى تبنّي قرار يُلزم إيران بتقديم معلومات «دقيقة ومن دون تأخير» بشأن المنشآت التي تعرّضت للقصف ومخزونات اليورانيوم المخصّب لديها. ويرجّح دبلوماسيون أن يُعتمد هذا القرار بأغلبية ملحوظة، على غرار قرار مماثل أُقرّ في تشرين الثاني الماضي. إلا أن هكذا خطوة اليوم، من شأنها أن تزيد من تعقيد المفاوضات الجارية لتمديد وقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لمحادثات أوسع، تشمل -من بين ما تشمل - البرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا الإطار، حذّرت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة في فيينا، أمس، من أن مساعي الولايات المتحدة لاستصدار قرار جديد ضدّ إيران، قد تمهّد الطريق لهجوم آخر. وقالت البعثة، في رسالة نشرتها على منصة «إكس»، إن تقديم مثل هذا القرار من جانب الولايات المتحدة، بوصفها «الطرف المعتدي»، «أمر مثير للسخرية». وأضافت أن واشنطن «تذرف دموع التماسيح على مشكلات كانت هي نفسها سبباً في خلقها»، متهمةً الولايات المتحدة بإلقاء اللوم على إيران لعدم التعاون، في وقت جعلت فيه الهجمات الأميركية تنفيذ إجراءات الضمانات في المنشآت النووية المتضرّرة «أمراً مستحيلاً عملياً ومنطقياً وقانونياً». كما أكدت البعثة أن السعي إلى تمرير قرار جديد «استفزازي وغير ضروري»، حتى لو كان أحد أغراضه التحقيق في حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات الأميركية، قد يشكّل سابقة لتبرير اعتداء آخر، على غرار ما حدث في حزيران وتشرين الثاني 2025.
