تقديرات مصرية حول مذكرة التفاهم: خيار الانفتاح على إيران يتعزّز
تنظر القاهرة إلى مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها الإقليمي؛ إذ ترى أنها تفتح الباب أمام استئناف مسار الانفتاح على طهران ضمن مظلّة دولية جديدة، بالتوازي مع رهانات على تهدئة أوسع تنعكس على ملفات غزة ولبنان.


القاهرة | تَنظر مصر، بارتياح حذر، إلى مذكّرة التفاهم الأميركية- الإيرانية، عادّةً إياها تتويجاً لمقاربة لطالما دافعت عنها في مواجهة التصعيد العسكري. وبحسب تقديرات دوائر مصرية اطّلعت عليها «الأخبار»، فإن الاتفاق لا يكفل تجنيب المنطقة مواجهة واسعة فقط، بل يؤسّس لمسار سياسي واقتصادي وحيد لإنهاء الحرب، كانت القاهرة من أوائل الداعين إليه، وذلك قبل أن تدفعها تعقيدات المشهد الإقليمي والاعتراضات الخليجية، ولا سيما الإماراتية، إلى التراجع عن اندفاعتها في شأن التهدئة مع طهران.
وترى مصر أن تغيّر موقف الولايات المتحدة من التسوية مع إيران، أدّى إلى تغيير البيئة السياسية التي قيّدت الحركة المصرية في السابق، وذلك وفقاً للمصادر نفسها، التي تشير أيضاً إلى أن «ما كان يُنظر إليه خليجياً بوصفه تقارباً مصرياً غير مرغوب فيه مع إيران، بات اليوم جزءاً من مسار يحظى بغطاء أميركي وترحيب خليجي». وفي هذا السياق، تعتقد القاهرة أن المظلّة الأميركية التي وفرتها مذكّرة إسلام آباد رفعت عنها الحرج الجيوسياسي، وجعلت الظروف أكثر ملاءمة لـ«استئناف مسار الانفتاح على طهران، والانتقال من الاتصالات الأمنية المحدودة والقنوات الخلفية، إلى بحث إمكانات إعادة العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة، بما يشمل تبادل الزيارات الرسمية على مستويات رفيعة، وذلك بعد مدة الجمود التي فرضتها الحرب».
وتستند هذه القراءة، وفقاً للمصادر، إلى قناعة مصرية بأن «الإدارة الأميركية الحالية تُبدي جدّية استثنائية في الدفع نحو تنفيذ الاتفاق وضمان استمراره». فالولايات المتحدة، وفق التقديرات المصرية، «لم تعُد قادرة على تحمّل كلفة دورات الصراع المفتوحة في الشرق الأوسط، في ظلّ أولوياتها الداخلية وحاجتها إلى حماية تدفّق الطاقة وضمان أمن الملاحة في الممرّات الحيوية». وممّا عزّز تلك القناعة لدى القاهرة، اللقاءات التي جمعت مسؤولين مصريين ونظراءهم الأميركيين على هامش اجتماعات «مجموعة السبع» في فرنسا؛ إذ خرجت منها مصر بقناعة مفادها أن الاتفاق «يتجاوز حدود التهدئة المؤقتة أو المناورة التكتيكية، وأنه يمتلك فرصاً جدّية للصمود على المدى الطويل».
يرجّح المسؤولون المصريون أن تؤدي الرغبة المشتركة في إنجاح مذكرة التفاهم إلى إنتاج تنازلات متبادلة
وانطلاقاً من ذلك، بدأت القاهرة، بحسب المصادر نفسها، بإعادة صياغة حساباتها الإقليمية على أساس تحوّل طهران إلى شريك معترَف به في ترتيبات الأمن والاقتصاد في المنطقة، بما يفرض على المصريين «الانخراط مبكراً في المشهد الجديد حفاظاً على مصالحهم الاستراتيجية». وفي هذا الإطار، تتوقّع مصر أن تشهد المرحلة المقبلة «انخراطاً خليجياً واسعاً في «صندوق التنمية والإعمار» البالغة قيمته ثلاثمائة مليار دولار والمخصّص لإيران، ليس من باب الرغبة في دعم الاقتصاد الإيراني، بل كأداة براغماتية لشراء الأمن المستدام، وضمان عدم العودة إلى المواجهة».
وإذ تعتقد القاهرة أن الإمارات وقطر والكويت ستكون من بين أكثر الأطراف استعداداً للمضيّ في هذا المسار، مدفوعةً باعتبارات تجارية وجيو- اقتصادية مباشرة، فهي تقدّر أن «السعودية ستتعامل مع الملفّ بدرجة أكبر من الحذر، وذلك عبر مراقبة مدى التزام إيران بالتفاهمات الأمنية والنووية، قبل المبادرة بضخّ الأموال». ومع هذا، ترى القاهرة أن الرياض ستنضمّ لاحقاً إلى المسار نفسه، وذلك اتّساقاً وأولويات «رؤية 2030» القائمة على تصفير الأزمات الإقليمية، وتوفير بيئة مستقرّة لجذب الاستثمارات العالمية، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون تهدئة مستدامة مع الجار الإيراني.
كذلك، تسود أروقةَ صناعة القرار في القاهرة، حال من التفاؤل الاستراتيجي بأن نزع فتيل المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران سيعيد الزخم والتركيز الدولي إلى ملفّ قطاع غزة، الذي تعتبره مصر مرتبطاً بأمنها القومي مباشرة. وتعوّل القاهرة، في هذا السياق، على أنه «مع سقوط مبرّر «وحدة الجبهات وترابطها» الذي كان يمنح تل أبيب هامشاً كبيراً للمناورة والتصلّب، سيتحول الضغط الدولي والإقليمي بالكامل نحو تسريع التسوية السياسية في القطاع». أمّا في لبنان، فتقدّر أن التفاهمات الجديدة يمكن أن تشكّل عاملاً كابحاً لأيّ اندفاعة إسرائيلية لشنّ اعتداءات عسكرية واسعة أو حروب تدميرية شاملة.
ورغم إدراك المسؤولين المصريين أن المفاوضات المقبلة لن تكون خالية من العقبات والخلافات، فإنهم يرجّحون أن تؤدّي الرغبة المشتركة لدى الأطراف المعنيّة في إنجاح المسار الجديد، إلى إنتاج تسويات وتنازلات متبادلة تسمح بالمضيّ قدُماً في تنفيذ التفاهمات وترسيخها.
