«فوبيا» التضامن مع إيران: البحرين توسّع حملة القمع
تتّسع في البحرين حملة القمع منذ الحرب على إيران، متّخذةً من «فوبيا التضامن» ذريعة لاستهداف شريحة واسعة من المواطنين. ومع تزامنها مع بدء مراسم عاشوراء، تتكشّف ملامح تضييق ممنهج يطال الحريات الدينية، من خلال حظر السفر إلى العراق وإيران وتقييد الشعائر.


تبدو حملة القمع والتضييق المتصاعدة في البحرين، منذ بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية ضدّ إيران، والتي تتّخذ شعار «حماية القانون وبسط الأمن»، أقرب إلى عملية انتقامية من شريحة معيّنة من المواطنين تحت ذريعة التضامن مع «الجمهورية الإسلامية». وهي عملية اكتسبت أبعاداً إضافية في خلال موسم عاشوراء، حيث تُسجَّل يومياً مواجهات مع القوات الأمنية على خلفية محاولتها منع الأهالي من إحياء تلك المراسم، والتي لا يفصلها رئيس المكتب السياسي في «ائتلاف 14 فبراير»، إبراهيم العرادي، عن حملة التكميم التي بدأت منذ حوالي أربعة أشهر.
وفي سياق هذه الحملة نفسها، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية، مطلع حزيران الجاري، حظر سفر المواطنين إلى العراق وإيران، بما يشمل الزائرين المتوجّهين إلى العتبات الدينية هناك. وإذ برّرت الوزارة قرارها بالتطوّرات الأمنية في المنطقة، فقد أثار ذلك تساؤلات في ظلّ عدم سريان الأمر نفسه على السفر إلى الأراضي المحتلّة مثلاً. وفي هذا الإطار، يرى رئيس المكتب السياسي في «ائتلاف 14 فبراير»، إبراهيم العرادي، أن خطوة «الداخلية» تمثّل «تصعيداً خطيراً وغير مسبوق». وفيما يتراوح عدد البحرينيين الذين يقصدون العراق وإيران سنوياً لزيارة الأماكن الدينية بين 60 و90 ألف شخص، يقول العرادي إن «هؤلاء جرى شملهم بقرار حظر السفر، الذي لم يشمل دولاً أخرى، رغم أن الأوضاع في مختلف دول المنطقة تعدّ غير مستقرة»، معتبراً أن القرار «مدروس ويحمل رسائل سياسية ليس إلى الداخل فقط، بل أيضاً يعدّ استهدافاً للعراق وإيران».
ويرى العرادي أن البحرين تتّجه نحو «أخطر مرحلة في تاريخ الصراع بين الأسرة الحاكمة والشعب»، مشيراً، في حديث إلى «الأخبار»، إلى تصاعد الانتهاكات في الآونة الأخيرة بصورة غير مسبوقة، بما يشمل «الاعتقالات في حقّ رواديد وعلماء، وحرمان الأهالي من الخروج في مواكب عزاء، وغير ذلك»، متحدثاً أيضاً عن «عملية ممنهجة لإفقار طائفة بأكملها، ودفعها نحو خيار واحد لا ثاني له، يتمثّل بالهجرة من البلاد».
وإلى جانب قرار حظر السفر، أعلن وزير الداخلية البحريني، راشد بن عبد الله آل خليفة، خلال لقائه السنوي برؤساء المآتم قبيل بدء مراسم عاشوراء، حظر ما سمّاه «مجالس الولي الفقيه»، محذراً المواطنين من الاقتداء بنموذج إيران أو دعمها أو تبنّي موقف مؤيّد لها. وفي تعليقها على ذلك الإعلان وغيره من إجراءات، وصفت جمعية «الوفاق» البحرينية قرارات وزارة الداخلية بأنها «سابقة خطيرة ومثيرة للقلق»، منبّهة إلى أن «حكومة البحرين تعيش حال الانفلات الطائفي البغيض وغير المنضبط تجاه كلّ الوجود الشيعي».
وفي السياق نفسه، يحذر العرادي من اتخاذ إجراءات أشدّ ضدّ المواطنين، من مثل إسقاط الجنسية عنهم وتهجيرهم، لافتاً إلى أنه «جرى اعتقال أكثر من 500 مواطن ومواطنة منذ 28 شباط الماضي، وهو رقم مرشّح للارتفاع». ويضيف أن «كلّ بيت في البحرين بات يستشعر الخطر ويتحسّس إمكانية اختطاف أبنائه واعتقالهم والزجّ بهم في السجن بتهم طائفية وأخرى كاذبة».
ومن بين المعتقلين حديثاً، 51 رجل دين وثّقت «هيئة شؤون الأسرى في البحرين» قضاياهم، مشيرة إلى أنه جرى نقلهم في 8 حزيران الجاري إلى سجن الحوض الجاف، وذلك بعد شهر من توقيفهم في مراكز التحقيق وتوجيه اتهامات إليهم من قبل وزارة الداخليّة حول ارتباطهم بـ«الحرس الثوري الإيراني» أو «التخابر» معه، أو الانتماء إلى فكر «ولاية الفقيه». وإذ لفتت الهيئة إلى أن قضايا هؤلاء تندرج في سياق الاستهداف الممنهج والتضييق على الحريات الدينية وحرية الرأي والتعبير، فهي كشفت عن اعتقال عالمَي دين بحرينيَّين في الإمارات، معتبرة أن هذه الخطوة «تعكس امتداد التنسيق الأمني العابر للحدود والذي يهدف إلى قمع وملاحقة علماء الشيعة بسبب الصراع الإقليمي الذي شهدته المنطقة وامتدّ إلى دول الخليج».
ويرى ناشط بحريني، فضّل عدم الكشف عن هويته، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ما يجري بحق المعتقلين يثير الريبة، خصوصاً مع صدور أحكام بالسجن المؤبد بحق معتقلات سيّدات على خلفية التعبير عن رفض العدوان على إيران»، معتبراً أن السلطة «لا تتعامل بمنطق القانون، بل وفق اعتبارات طائفية وسياسية تنعكس مباشرة على طبيعة الأحكام والإجراءات المتخَذة». ويضيف أن هذه المعطيات «تثير مخاوف جدّية بشأن مصير المعتقلين الحاليين، ولا سيما رجال الدين، في ظلّ إمكانية تلفيق اتهامات أو صناعة ملفّات أمنية لتبرير استهدافهم وإسكات أصواتهم ومنعهم من التعبير عن آرائهم». ويعتقد أن كلّ هذه الإجراءات «تصبّ في خدمة مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي المرفوض من قبل الشعب البحريني».
ولم تقتصر الانتهاكات على الأفراد، بل شملت أيضاً المؤسسات والجمعيات؛ ففي منتصف أيار الماضي، أقدمت السلطات البحرينية على حلّ جمعية «التوعية» الإسلامية، إحدى أبرز المؤسسات الثقافية والاجتماعية، والتي تأسست عام 1972 على أيدي مجموعة من كبار علماء الدين، من بينهم المرجع الديني عيسى قاسم الذي سبق أن جرّدته السلطات من جنسيته، وأبعدته عن البلاد. وفيما جاء هذا القرار رغم ابتعاد الجمعية عن العمل الحزبي والنشاط السياسي، واقتصار دورها على الأنشطة الاجتماعية والثقافية والدينية، قرأت مصادر بحرينية معارضة، في حديثها إلى «الأخبار»، الخطوة باعتبارها «امتداداً لسياسات التضييق»، معتبرة أن السلطات «تتبنّى مشروعاً يكرّس الانقسام الطائفي تحت ذرائع الوطنية».
يُذكر أن «منظمة العفو الدولية» وثّقت، في تقرير تناول حملات القمع الأحدث في دول «مجلس التعاون الخليجي»، أكثر من 1000 حال اعتقال خلال الحرب على إيران، وذلك على خلفية منشورات ومحتوى رقمي مرتبط بالحرب. واعتبرت المنظمة هذه الاعتقالات جزءاً من سياسة أشمل لتقييد تدفّق المعلومات وإخضاع الفضاء الرقمي لرقابة مشدّدة.
