
كارثة ترامب قد تكون هدية لأميركا
روبرت مالي * وستيفن ويرتهايم **
مع إيران، فعل دونالد ترامب «المستحيل» مرة جديدة، مهاجماً الأراضي الإيرانية، ليذهب بذلك إلى حيث لم يجرؤ أسلافه قطّ، وينضمّ إلى إسرائيل في مسعاها إلى الإطاحة بالنظام في طهران أو «شلّه». وبعدما عجز عن تحقيق أي من الهدفين، قبِلَ، على ما يبدو، بشروط أسوأ مما كان يمكنه الحصول عليه عبر الدبلوماسية، في وقت كانت فيه حربه بمثابة عبء سياسي ثقيل، لا سيما وأنّها حظيت، منذ بدايتها، بدعم شعبي أقلّ من أي صراع رئيس آخر في التاريخ الأميركي الحديث.
والآن، يشعر الصقور الذين ابتهجوا بـ«عملية الغضب الملحمي» بسخط عارم تجاه ترامب لإنهائه الصراع، في حين لن يغفر له «دعاة السلام» أنّه بدأه بالأصل. بمعنى آخر، بات الجميع في وضع أسوأ، وتلك نهاية استثنائية تليق بحرب «ترامبية». على أن النتيجة المشار إليها تبدو، في خطوطها العريضة، مألوفة، بل تكاد تكون روتينية. فكما جرت العادة، شنت الولايات المتحدة حرباً لتغيير النظام في الشرق الأوسط، مستهدفة خصماً طالما تعامل معه أعضاء كلا الحزبين كتهديد شبه وجودي. ومرة أخرى، ولكن بوتيرة أسرع هذه المرة، باءت تلك الجهود بالفشل. أمّا السؤال المطروح حالياً، فهو ما إذا كانت حلقة التدخل الأميركي العقيم قد انكسرت، أم أن ما حصل هو مجرّد دورة جديدة في الحلقة المفرغة نفسها. فإذا كانت الكوارث المتتالية للحروب السابقة لم تمنع الحرب على إيران، فما الذي يجعل الفشل الذريع هذا كفيلاً بمنع الحرب القادمة؟
ربّما لن يمنعها، في وقت يلوح فيه في الأفق خطر تجدّد الصراع. بيد أن هذه الحرب تختلف في جوانب مهمة عن أيّ حرب أخرى، بدءاً من الشخص الذي شنّها، أي ترامب، والذي كان بمثابة «الأمل الأكبر» للمتشددين، قبل أن يوجّه «أفضل» ضرباته إلى طهران، من دون أن يحقق ما يطمح إليه. على هذا النحو، وبرغم تبعات الحرب غير الضرورية وغير القانونية، إلا أنّها قد تورّث «هدية غير مقصودة» للولايات المتّحدة، وهي النفور الدائم من الصراع العسكري مع إيران، وفرصة لاستبدال عقود من السياسات الفاشلة بدبلوماسية جادة.
ويرتبط العامل الأول بترامب نفسه. فعلى عكس باراك أوباما الذي واجه معارضة مستمرة من الجمهوريين والعديد من الديمقراطيين، مما أضعف اتفاقه النووي، لم يحظَ أي رئيس قط بهامش حرية أكبر للتوصل إلى تسوية مع الجمهورية الإسلامية من ترامب، إذا ما اختار ذلك. فرغم أن الصفقة التي أبرمتها الإدارة الحالية كانت محط سخرية اليسار، إلا أن الأخير لم يطعن فيها بشكل حقيقي، رغبة منه في إنهاء القتال. وفي المقابل، وإذ يرتفع صراخ صقور واشنطن المناهضين لإيران، إلا أنّهم لن يخاطروا بأن ينتهي بهم المطاف بلا مأوى سياسي إذا ما انشقوا تماماً عن ترامب. كما لا يمكنهم النأي بأنفسهم بسهولة عن الرئيس؛ فقد صفّقوا له عندما حطّم اتفاق أوباما النووي، وابتهجوا باتجاهه نحو الحرب قبل أشهر قليلة فقط. وفي هذه المرحلة، ليس أمامهم سوى الأمل في أن يفشل ترامب في التوصل إلى اتفاق نووي أوسع، حتى يتمكنوا من الضغط عليه للعودة إلى الحرب بأهداف أكثر طموحاً.
وبطبيعة الحال، قد ينجح هؤلاء في ذلك، نظراً إلى كون ترامب يجسد ذروة التقلب واللايقين، فيما تطرح ترجمة «مذكرة التفاهم» الغامضة التي أبرمها مع إيران إلى اتفاق مفصّل، تحدياً هائلاً، ويهدد ترامب، مراراً، باستئناف الضربات العسكرية، رغم أن استخدام القوة المفرطة ضدّ إيران لم يعُد، بالنسبة إليه، خياراً مغرياً، بل تحول إلى تجربة مريرة. وإذا ما صمدت الهدنة الهشة حتى نهاية ولاية ترامب، فإن خلفاءه سيفهمون، هم أيضاً، ثمن الحرب. إذ سيكونون قد رأوا كيف استنزفت الولايات المتحدة سريعاً كميات هائلة من الذخائر المتطورة العالية التقنية- والتي كانت بحاجة إليها في أوروبا وآسيا-، من دون أن تتمكن من القضاء على الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وسيرون كيف فرضت إيران سيطرتها سريعاً على مضيق هرمز، مكبّدةً المواطنين الأميركيين العاديين خسائر ملموسة، في وقت افتقرت فيه الولايات المتحدة إلى الخيارات العسكرية الكفيلة بفتح المضيق بالقوة. وسيرون أيضاً أنه بعد سقوط كل تلك القنابل، لم يكن ممكناً معالجة مستقبل برنامج طهران النووي إلا عبر المفاوضات، ومع نظام خرج من المواجهة أكثر جرأة، وهو يشعر بالانتصار.
وبصورة أعمّ، سيتذكر الرؤساء المستقبليون أن الحرب جاءت بنتائج عكسية، ويكونون أقلّ عرضة للانخداع من جانب أولئك الذين هلّلوا لهذه المغامرة الفاشلة، والذين كانوا يزعمون أن ما يريدونه هو اتفاق أفضل من اتفاق أوباما، يتمّ التوصل إليه عبر «الضغط لا العنف». لكن الحرب الأخيرة جاءت لتفضح نواياهم، بعدما اصطفّوا خلف هجوم واسع النطاق شنّه رئيس يتباهى بارتجاليته في غياب أيّ تهديد وشيك، وأسفر عن اتفاق لا يملكون القدرة على الدفاع عنه.
إقليمياً، وعلى مدى عقود، أقحمت واشنطن نفسها، عمداً، في ترتيبات أمنية تقسم الشرق الأوسط إلى أصدقاء وأعداء. ويتمثّل الركن الأول لهذه الترتيبات في علاقة واشنطن الخاصة بإسرائيل؛ إذ إن ضراوة عداء الولايات المتحدة لإيران، واستعدادها للجوء إلى القوة، يعودان إلى حدّ كبير إلى التزامها الفريد تجاه تل أبيب، التي ترى في ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية ووكلائها الإقليميين، تحديات مباشرة ووجودية لها.
أما الآن، تواجه الشراكة الأميركية مع إسرائيل توتراً غير مسبوق؛ فما بدأ كأكثر الحملات العسكرية الأميركية- الإسرائيلية تقارباً وتكاملاً في التاريخ، انتهى بتوجيه زعيم أميركي توبيخاً علنياً إلى نظيره الإسرائيلي بأشد العبارات، وانتقاده نزعته العدوانية «الشرسة» في لبنان، واتهامه إياه بتعريض الاتفاق مع إيران للخطر. ويقترن ذلك بتحوّل حاد في الرأي العام الأميركي؛ إذ بات 60% من البالغين الأميركيين يتبنون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% في عام 2022، مما يرجع، بشكل كبير، إلى إدراكهم للفجوة الآخذة في الاتساع بين السلوك الإسرائيلي والمصالح الأميركية، فيما يعتقد الكثيرون منهم أن بنيامين نتنياهو خدع ترامب وجرّه إلى الحرب بحديثه عن نصر سريع وسهل، قبل أن يحاول تعطيل المسار الدبلوماسي. وبدوره، استنفد نتنياهو خياراته، ومن المرجح أن تواجه توسلاته لاستئناف الأعمال العدائية مقاومة أكبر من واشنطن.
ورغم أنّ حدّة رد الفعل الأميركي العنيف ضد إسرائيل، قد تخف في حال خسر نتنياهو الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها بعد عدة أشهر، وسيأمل الكثيرون في واشنطن أن تعود العلاقات الثنائية إلى طبيعتها المعتادة، إلا أنّه في أعقاب الحرب في غزة وإيران، وتحوّل انتقاد الدعم الأميركي لإسرائيل إلى قضية شعبية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، فإن هذه المهمة ستكون شاقة للغاية.
ويتمثل الركن الثاني للنظام الإقليمي الأميركي في وجوده العسكري في الخليج العربي، الذي هو عبارة عن شبكة من القواعد التي تهدف إلى إبراز القوة الأميركية وحماية الدول العربية، واعتبرتها طهران تهديداً حقيقياً وهدفاً ثميناً في آن واحد. وبمعنى آخر، أدت الشراكات التي كان يُفترض بها ردع الصراع إلى تفاقمه.
كما أدت الحرب مع إيران إلى إضعاف هذا النظام مادياً؛ إذ أفادت التقارير بأنها ألحقت أضراراً بما لا يقل عن 20 موقعاً عسكرياً أميركياً في أنحاء المنطقة. ويتعين على واشنطن الآن مواجهة حقيقة مفادها أن شبكة قواعدها خلقت نقاط ضعف لها ولشركائها، بدلاً من تحقيق الأمن. كما تعلّمت دول الخليج درساً أكثر قسوة: وهو أنه في وقت الحاجة، أعطت الولايات المتحدة الأولوية لمصالحها ومصالح إسرائيل، تاركةً تلك الدول عرضة للانتقام الإيراني بسبب حرب لم تكن تريدها ولم يكن لها دور يُذكر في صياغتها.
أمّا الأهم من الأضرار المادية، فهو الضربة التي وُجهت إلى المبرر المنطقي للدور الإقليمي الأميركي. ففي حين لن تقطع الممالك الخليجية علاقاتها الأمنية مع واشنطن، إلا أن لدى كلا الجانبين أسباباً تدفعهما إلى التساؤل عما إذا كان الوجود العسكري الأميركي الواسع في الشرق الأوسط يمثّل جزءاً من المشكلة التي كان من المفترض أن يحلّها، وما إذا كان من الأفضل لهما بناء توازن إقليمي لا يعتمد بشكل مفرط على وعود الحماية الأميركية.
ومع ذلك، فإن تحوّل واشنطن بعيداً عن خيار الحرب لا يزال في بدايته؛ إذ لا تزال هناك نزعة للنظر إلى إيران باعتبارها السبب الجذري لكلّ ما يؤرق الشرق الأوسط، والمبالغة في التهديد الذي تمثله، وتسهيل الحلول الهجومية الإسرائيلية، ومساواة المصالح الأميركية بوجود واشنطن العسكري في الخليج. في المقابل، لدى أولئك الذين عارضوا حرب إيران بالأمس مصلحة في منع حرب الغد. وتلك المهمّة ليست مستحيلة؛ فليست هذه المرة الأولى التي تجبر فيها الهزيمة العسكرية الأميركيين على إعادة تقييم مدى خطورة تهديد عجزوا عن القضاء عليه.
ووفقاً لكل المعايير المنطقية، لا ينبغي لإيران أن تكون واحدة من كبرى مشاكل واشنطن. وفي يوم من الأيام، وبطريقة أو بأخرى، ستكفّ عن كونها كذلك. لكن السؤال المطروح هو: متى سيحدث هذا؟ وبأيّ ثمن باهظ؟
* المبعوث الخاص لشؤون إيران من 2021 إلى 2023
** مؤرخ متخصص في السياسة الخارجية الأميركية
(نيويورك تايمز، بتصرف)

