فوز مرشّح ترامب: كولومبيا تعود إلى حظيرة اليمين
أفضت الانتخابات الكولومبية إلى عودة اليمين إلى السلطة بفارق ضئيل، في نتيجة عكست تداخل عوامل خارجية وأدوات داخلية رجّحت كفّة المرشّح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييا، منهيةً تجربة اليسار من دون حسم الصراع السياسي في البلاد.


بعد إتمامه الفرز الرسمي، أعلن «المجلس الوطني الانتخابي» الكولومبي، أول من أمس، فوز المرشّح اليميني، أبيلاردو دي لا إسبرييا، برئاسة البلاد خَلفاً للرئيس غوستافو بيترو، مؤكِّداً نتيجة الفرز الأوّلي بنسبة تناهز مئة في المئة. وإذ حسم إسبرييا بذلك الجولة الثانية من الانتخابات بنحو 49.66% لصالحه، مقابل نحو 48.70% لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا، بفارق لا يتجاوز 251 ألف صوت وبمشاركة بلغت نسبتها 63.6%، فإن هذه النتيجة من شأنها أن تُنهي ولاية أوّل رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، وتعيد اليمين إلى سدّة السلطة في بلدٍ حكمتْه نُخبه المحافظة قرنَين إلّا أعواماً قليلة.
غير أنه لا يمكن فهم هذا الفارق الانتخابي الضئيل في تاريخ البلاد الانتخابي، وظروف إنتاجه، بمعزل عن آلة التدخّل الخارجي التي رافقت الاستحقاق، إذ كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، جاهر بدعم إسبرييا قبل الاقتراع، وتبنّى «انتصاره» لاحقاً، فيما سارع وزير خارجيته ماركو روبيو، وكذلك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير خارجيته جدعون ساعر، إلى تهنئة الرجل.
وسبق أن اعتقلت سلطات الهجرة الأميركية في فينيكس في ولاية أريزونا، الناشط بيتو كورال، أحد أبرز المدافعين عن بيترو والمرشّح السابق للكونغرس عن المغتربين، في اليوم ذاته الذي وقّع فيه روبيو مذكّرة ترحيله بسبب «قيامه بأنشطة سياسية لصالح حكومة بيترو» ومعارضته إسبرييا. وفي المذكّرة، قال روبيو إن السماح بإقامة كورال في الولايات المتحدة «يقوّض مصالح السياسة الخارجية» الأميركية «في العمليات الديمقراطية لكولومبيا»، على حدّ تعبيره، فيما أيّد إسبرييا اعتقال الناشط، وسعى، في الوقت نفسه، إلى تسهيل ترحيل طالبي اللجوء الكولومبيين - المعارضين له - في الولايات المتحدة.
ولم يكن هذا التدخّل بلا مردود انتخابي ملموس، إذ إن أصوات الكولومبيين في الخارج هي التي مثّلت العامل الحاسم في فوز إسبرييا. فبحسب الأرقام، نال الأخير نحو 391 ألف صوت في الخارج، في مقابل 213 ألفاً لسيبيدا، وبفارق يناهز 180 ألفاً، لولاه لتَقلّص الفارق الإجمالي إلى نحو سبعين ألفاً فقط. وعليه، فإن ملاحقة أبرز صوت مؤيّد لبيترو في الشتات، واعتقاله إبّان الفترة نفسها التي صوّت فيها المغتربون - في ما مثّل أول استخدام لهذه الصلاحية ضدّ ناشطٍ في انتخابات أجنبية، بعد اقتصار تلك الملاحقات على الناشطين المؤيّدين لفلسطين - جاءا في إطار مسعًى منظّم لترجيح كفّة المرشّح اليميني. وإلى جانب التدخّل الخارجي، شغّل اليمين أدواته الداخلية التي أثبتت أن الاقتراع لم يكُن منافسة متكافئة، إنما تَداخل فيه المال وإكراه العمّال واحتكار الإعلام؛ وممّا يدلّ على ما تَقدّم، وثيقة لوزارة العمل تضمّنت شكاوى لعمّال في 59 شركة، جرى الضغط عليهم للتصويت لإسبرييا تحت التهديد بالطرد ومصادرة شركاتهم، فضلاً عن تقارير أخرى أفادت بشراء أصوات في مقاطعات الشمال، إلى جانب ضغطٍ مُمنهج على العمّال الريفيين. ويتقاطع ذلك مع فضيحة تمويل تربط إسبرييا بـ14 شركة وهمية في فلوريدا وبصفقات عقارية بأموال مجهولة المصدر، فضلاً عن حالات تضليل إعلامي، تجلّى بعضها في حذف إحدى كبريات الصحف تقريراً عن مُساءلةٍ أميركية للرئيس الفائز (رسالة من أحد عشر نائباً ديمقراطياً تطالب بالتحقيق في تورّطه في قضايا فساد وغسيل أموال وصلات بجماعات شبه عسكرية)، وعن استخدامٍ مُكثّف من جانبه للمحتوى المفبرك.
علاوة على ما سبق ذكره، كان اتّهم بيترو، إسرائيل، باختراق نظام الفرز عبر تغيير عناوين خوادم السجلّ الوطني، عادّاً تل أبيب الجهة الوحيدة القادرة على القيام بهكذا عملية، علماً أن إسبرييا نفسه الذي هتف قبل أيام في مؤتمر له قائلاً «تحيا إسرائيل»، هو أكثر المرشّحين التزاماً باستعادة العلاقة مع إسرائيل التي سارعت إلى الاحتفاء بفوزه. كما اتّهم بيترو المعارضة اليمينية بشراء الأصوات، وواشنطن بالتدخّل لمصلحة مرشّحها، رافضاً الاعتراف بالنتيجة الأوّلية، ومطالباً بإجراء تدقيق جنائي وإعادة فرزٍ شاملة، وذلك قبل أن يعترف أخيراً بالنتيجة النهائية المُعلنة، ويبادر إلى سحب أكثر من سبعة وخمسين ألف طعنٍ كان قد قدّمها. وإلى جانب التدخّلَين الأميركي والإسرائيلي، استند صعود إسبرييا إلى سردية التخويف الأمني التي «نفخ» فيها في ظلّ أكثر من 14,000 جريمة قتل سُجِّلَت خلال العام الماضي وحده؛ إذ سوّق الزعيم اليميني، وهو المحامي الذي دافع مراراً عن قادة شبه عسكريين ومهرّبين، نهجاً أمنياً متشدّداً، يقوم على شنّ غارات جوية وقصف معسكرات الجماعات المسلحة واستئناف الرش الجوي لمحاصيل الكوكا، متعهّداً بتحقيق نتائج حاسمة خلال أوّل 90 يوماً من ولايته، إلى جانب بناء سجون عملاقة.
الصراع لن يُحسم في مخرجات صناديق الاقتراع بقدر ما سيُحسم في موازين القوى على الأرض
وفيما لا يمكن لهذا النهج أن يعالج جذور العنف بقدر ما يُنذِر بمضاعفته، فهو يسلّط الضوء على الفارق بين نموذجَين متعارضَين: حكومة بيترو التي تركت سجلاً يشمل خروج أكثر من مليونَي شخص من الفقر بين عامَي 2022 و2024، وتراجع البطالة إلى أدنى مستوى منذ ربع قرن، ورفع الحدّ الأدنى للأجور إلى 22.7%، وتخصيص نحو مليونَي هكتار للفلاحين، وإصلاحات العمل والمعاشات، ووقف عقود التنقيب الجديدة عن النفط والغاز ضمن مسار انتقال نحو الطاقة النظيفة - وذلك في مواجهة دينٍ ورثته يناهز 60% من الناتج المحلّي الإجمالي وانخفاض التصنيف الائتماني والتضخّم المرتفع -؛ وبرنامج إسبرييا القائم على تقليص جهاز الدولة، وخفض إنفاقه بما يصل إلى 40%، وتنزيل ضرائب الشركات، واستئناف التنقيب لاستخراج النفط والغاز، أي توثيق علاقة اقتصاد البلد بالمراكز المالية، وعكْس مسار التحوّل الطاقيّ والإصلاح الزراعي.
على أن الحالة الكولومبية ليست استثناءً ممّا تشهده القارّة؛ فهي تُكمِل موجةً يمينيةً ثانية كانت كفيلة بطيّ المدّ اليساري الذي شهدته أميركا اللاتينية، بدءاً من فوز خافيير مايلي في الأرجنتين، ودانيال نوبوا في الإكوادور، ورودريغو باز في بوليفيا، وصولاً إلى صعود خوسيه كاست في تشيلي، ونصري خوان أسفورة في هندوراس، وكيكو فوجيموري في بيرو (تتولّى مهامها في 28 تموز المقبل)، وغيرهم في بلدان أخرى. وتندرج هذه الموجة ضمن مشروع أميركي أوسع، رسمت معالمه قمّة «درع الأميركَتين» التي جمعت عدداً من هؤلاء الرؤساء، وكان أنبأ به إحياء «عقيدة مونرو» في استراتيجية الأمن القومي الأميركية. وفيما يقوم عماد هذا المعسكر في القارة اللاتينية على «الأمننة»، أي تحويل الجريمة والمخدّرات والهجرة إلى تهديدات وجودية تبرّر القبضة الأمنية وعسكرة الدولة، فإن إسبرييا أعلن صراحةً إخضاع سياسة بلاده الخارجية لإرادة الولايات المتحدة. كما رحّب بضرب فنزويلا واختطاف رئيسها مطلع العام، وتعهّد باستعادة العلاقات مع إسرائيل ونقل السفارة الكولومبية إلى القدس المحتلة، فضلاً عن الانسحاب من الأمم المتحدة و«محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان».
ومع ذلك، فإن نتيجة هذه الانتخابات لا تمثّل هزيمةً للمعسكر اليساري بالمطلق. فالفارق الانتخابي هو الأضيق في تاريخ البلاد، وقاعدة اليسار اتّسعت بنحو ثلاثة ملايين صوت عن الجولة الأولى للانتخابات. كما أن فوز إسبرييا بالرئاسة لم يمنح معسكره الأغلبية في الكونغرس؛ ذلك أن الانتخابات التشريعية كانت قد أُجريت قبل الانتخابات الرئاسية، ونال فيها ائتلاف «الميثاق التاريخي» اليساري أكبر كتلة في الكونغرس. وفي هذا السياق، أعلن سيبيدا أنه سيقود معارضةً تصون المكتسبات وتقاوم أيّ ردّةٍ على الحقوق، فيما خرج آلافٌ في بوغوتا وكالي احتجاجاً على النتائج وأحرق بعضهم أعلاماً أميركية.
وفي المحصّلة، يبدو أن المعسكر اليميني عاد إلى السلطة بتحالف ظرفي هشّ نسبياً، صُنع بأدوات خارجية، وهو سيواجه، والحال هذه، نصف شعب - على الأقلّ - يرفض التفريط بمكتسباته. وينبئ هذا الوضع بأن الصراع لن يُحسم عبر صناديق الاقتراع، بقدر ما ستحسمه موازين القوى على الأرض، وذلك منذ الأشهر الأولى من فترة رئاسة إسبرييا التي ستبدأ في السابع من آب المقبل.
