انبعاث سلالة فوجيموري: بيرو تلتحق بركب اليمين
التحقت بيرو بموجة اليمين المتصاعدة في أميركا اللاتينية. وفيما يتوقع الإعلان عن فوز كيكو فوجيموري، رسمياً مطلع تموز المقبل، فإنها لم تكُن لتتجاوز منافسها اليساري روبرتو سانشيز لولا إدراج أصوات المغتربين التي رجّحت كفّة فوزها.


أفضى الفرز شبه الكامل للأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في بيرو، إلى تقدّم المرشّحة اليمينية، كيكو فوجيموري، بنحو 50.13% من الأصوات، في مقابل 49.87% لمنافسها اليساري روبرتو سانشيز، بفارقٍ لا يتجاوز خمسين ألف صوت. وإذ يُتوقّع أن يُعلَن الفوز رسمياً مطلع تموز المقبل بعد البتّ في الطعون، فإن فوجيموري، ابنة الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، ضمِنت، على أيّ حال، سدّة الرئاسة التي تصل إليها في محاولتها الرابعة بعد ثلاث هزائم متتالية. ولا يبدو هذا الفوز مستغرَباً بالنظر إلى تجذّر القوى اليمينية في السلطة، منذ الانقلاب البرلماني على الرئيس اليساري، بيدرو كاستيو، في أواخر عام 2022، وعزله وسجنه، والذي أعقبه تولّي نائبته دينا بولوارتي الرئاسة، ثم تعاقُب رئيسَين انتقاليين، هما خوسيه خيري وخوسيه ماريا بالكاثار، تمّ تعيينهما بقرار من الكونغرس لا بإرادة الناخبين.
على أن فوجيموري لم تكُن لتتجاوز سانشيز، الذي حاز نِسب التصويت الأكبر داخل البلاد، لولا إدراج أصوات المغتربين التي مالت إلى الأولى بكثافة؛ إذ نالت مرشّحة اليمين نحو 130 ألف صوت من أصوات الخارج، في مقابل 80 ألفاً لمنافسها. وكانت وزارة الخارجية، بقيادة كارلوس باريخا الذي عُيّن بُعيد الجولة الأولى من الانتخابات - وهو دبلوماسي من حقبة فوجيموري الأب الدموية ومقرّب من مستشار حملة ابنته -، استصدرت من الهيئة الانتخابية قراراً في التاسع والعشرين من أيار، ألغى رقمنة محاضر الخارج فور انتهاء الاقتراع، وفرض نقلها بالحقيبة الدبلوماسية، وهو ما أدّى إلى تأخير فرزها لأيام، وأسقط آلية التوثيق والرقابة الفورية التي كانت مُطبّقة في الجولة الأولى. وإذ فتح هذا الإجراء الباب للتشكيك في سلامة المحاضر وإمكان العبث بها، فقد طالب سانشيز بإعادة فرزٍ شاملة، لكنه اصطدم بجدار القدرة المالية. ذلك أن الطعن في كلّ مكتب اقتراع يكلّف نحو 400 دولار، وهو ما يرفع كلفة الطعن في المكاتب المشكوك فيها إلى قرابة مليون دولار، عجزت حملة المرشّح اليساري عن تأمينها، رغم إطلاق حملة تبرّعات للغرض المذكور. وتَرافق ما تَقدّم، مع تغطية إعلامية منحازة، وثّقتها بعثة مراقبة «الاتحاد الأوروبي»، التي أشارت إلى أن نحو 70% من تغطية الإعلام الخاص لحملة سانشيز كانت سلبية، مقابل 96% محايدة أو إيجابية لصالح فوجيموري. كما أن نتائج إحدى مؤسّسات الاستطلاع منحت سانشيز تقدّماً في الفرز السريع ليلة الاقتراع، قبل أن يتراجع مدير المؤسّسة عن تلك الأرقام في اليوم التالي.
أمّا الغطاء الخارجي فكان أميركياً بامتياز؛ إذ تصرّف السفير الأميركي لدى ليما، بيرني نافارو، كما لو كان طرفاً مباشراً في الانتخابات، معلناً أنه سيقود فريقاً من «المراقبين» الأميركيين، ومروّجاً لمزاعم عن تدخّل كوبي في الاستحقاق، كما أعلن بعد الاقتراع أن سفارته «تراقب» عملية الفرز. وجاء ذلك في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تصعّد اعتراضها على تشغيل الصين ميناء «تشانكاي» البيروفي، الذي تديره شركة «كوسكو»، ويربط الساحل الغربي لأميركا الجنوبية مباشرة بآسيا. وإذ لا يروق واشنطن تمدّدُ النفوذ الصيني في غير منطقة من القارّة اللاتينية، فهي أقرّت، في سياق محاربتها هذا النفوذ، مشروعاً بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار لتحديث القاعدة البحرية البيروفية في كاياو - التي تضمّ منشأة الأبحاث التابعة للبحرية الأميركية وقوات أميركية -، ونقلها إلى موقع آخر داخل المقاطعة نفسها، بما يفسح في المجال أمام توسعة الميناء التجاري في كاياو، المنافس لـ«تشانكاي»، ويمنح الأميركيين موطئ قدم مؤثّراً في أهمّ موانئ البلاد. والجدير ذكره، هنا، أن الولايات المتحدة تدفع أيضاً في اتجاه تصنيف بيرو حليفاً لها من خارج «حلف شمال الأطلسي»، وأن لديها أكثر من 1200 جندي على أرض البلاد، كما فرضت صفقة على الأخيرة تشمل شراء 24 مقاتلة «إف-16» بقيمة 3.5 مليارات دولار، جرى تمريرها بالضغط على الرئيس الانتقالي، خوسيه ماريا بالكاثار، الذي حاول تأجيلها.
تتصدّر بيرو أحد أهم ميادين معركة المعادن الاستراتيجية باعتبارها ثالث أكبر مصدّر للنحاس عالمياً
وبالعودة إلى الانتخابات الأخيرة، وتحديداً إلى برامج المرشّحين فيها، يتبيّن أن فوجيموري لا تخفي تمسّكها بدستور عام 1993، الذي كان ثمرة انقلاب والدها ألبرتو فوجيموري عام 1992، حين حلّ البرلمان، وعطّل السلطة القضائية بإخضاعها لعملية «إعادة تنظيم» بإسناد من الجيش، وأطلق برنامج «الصدمة» الاقتصادية الذي حرّر الأسعار ورفع أسعار الوقود والسلع الأساسية بصورة حادّة. وشهد حُكم فوجيموري الأب، أيضاً، العديد من المجازر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومن بينها حملة تعقيم قسري لمنع الإنجاب، طاولت عشرات الآلاف من النساء - غالبيّتهن من السكّان الأصليين -، إلى جانب ترسيخ تقليد سياسي يقوم على وصم الخصوم بالإرهاب، لا يزال يُوظَّف حتى اليوم ضدّ اليسار. وإلى جانب ما تَقدّم، تَعِدُ فوجيموري الابنة باستمرار الليبرالية الجديدة، وبقبضةٍ أمنية متشدّدة، فضلاً عن إعلانها انضمام بلادها إلى تحالف «درع الأميركَتين»، فيما تستفيد من إسقاط المحكمة الدستورية - المُثقلة بتعييناتٍ موالية لها - قضيةَ فسادٍ كانت النيابة تطالب فيها بسجنها ثلاثين عاماً.
في المقابل، طرح سانشيز، الذي رفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات ودعا إلى مقاومة شعبية - في وقت تتواصل فيه التحرّكات الاحتجاجية في ليما ومناطق أخرى رغم محاولات منعها - برنامجاً يقوم على إعادة تأسيس الدولة عبر جمعية تأسيسية ودستور جديد يُطرح للاستفتاء، وإقامة دولة متعدّدة القوميات، وإلغاء القوانين التي تُجرِّم الاحتجاج، وإطلاق سراح الرئيس السابق كاستيو، وانتهاج سياسة خارجية تستعيد العلاقات مع المكسيك وكولومبيا، وتعزّز الشراكة مع البرازيل والصين، مع التشديد، في الوقت نفسه، على احترام الاتفاقات التجارية وعدم اللجوء إلى التأميم. ومن هنا، لا يبدو مُستغرَباً أن غالبية أصوات سانشيز، الذي فاز في 12 مقاطعة من أقاليم المرتفعات والأمازون، أتت من الفئات الأفقر، وتحديداً في أقاليم الجنوب الفقيرة، وعلى رأسها بونو، وأن فوجيموري اكتسحت الأحياء الأكثر ثراءً في ليما، من مثل سان إيسيدرو ولا مولينا وميرافلوريس.
ويأتي فوز فوجيموري مُعزَّزاً بوجود «كونغرس» أعاد اليمين تشكيله على مقاسه؛ إذ جدّد الأخير العمل بنظام الغرفتَين، متجاوزاً استفتاءً شعبياً اختار خلاف ذلك، في حين بات حزب «القوة الشعبية» اليميني الكتلة الأكبر في المجلسَين، وهو ما يمنح رئاسة فوجيموري حصانةً تشريعية يفتقر إليها سانشيز حتّى لو فاز. كما أن «الكونغرس» المذكور، الذي حذّرت منظمات حقوقية من تحويله الدولة إلى أداةٍ للإفلات من العقاب، أقرّ قوانين توسّع الحصانات الممنوحة للعسكريين والشرطة، وتقيّد ملاحقة الجرائم ضدّ الإنسانية بأثر رجعي، متجاهلاً تحذيرات المفوّض الأممي لحقوق الإنسان بهذا الشأن؛ علماً أن قمع احتجاجات عامَي 2022 و2023، خلّف أكثر من 55 قتيلاً، لا يزال ذووهم يرفضون وصول فوجيموري إلى الرئاسة.
على أيّ حال، يمثّل فوز فوجيموري في بيرو، حلقة جديدة من مسلسل مدّ يميني متسارع، اجتاح إلى الآن كلّاً من الأرجنتين والإكوادور وبوليفيا وصولاً إلى تشيلي وهندوراس وكولومبيا. والمسلسل هذا، إنّما يتتابع مرفوداً بمشروع أميركي لإعادة تثبيت نفوذ الولايات المتحدة في «حديقتها الخلفية»، وإقصاء الصين خصوصاً من دائرة التنافس على المعادن الاستراتيجية، التي تتصدّر بيرو، بالمناسبة، أحد أهمّ ميادينها - باعتبارها ثالث أكبر مصدّر للنحاس في العالم -.
