قمة الـ«ناتو 2026» في أنقرة: العداء لروسيا والتوجّس من أميركا
تَجمع القمّة التي تستضيفها أنقرة في اليومَين المقبلَين، الحلفاء الغربيين في لحظة ولادة ثالثة حرجة لحلفهم. وفي حين تتباين الأولويات في ما بين هؤلاء، يبدو أن ثمّة تنافساً على توظيف الملفّات المختلفة بما يخدم مصالح أطراف الحلف الأمنية والاقتصادية والسياسية.


لندن | يخشى دبلوماسيون أوروبيون يراقبون قمّة قادة «حلف شمال الأطلسي» في أنقرة اليوم وغداً، من أن التحالف الغربي التاريخي يتّجه إلى مزيد من الانقسام عبر جانبَي المحيط الأطلسي، مع تزايد حذر الأعضاء في القارّة القديمة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي وجّه إليهم تهديدات متكرّرة. وعلى الرغم من أن مسوّدة البيان الختامي للاجتماع التي تَوافق عليها الأعضاء، تتضمّن تأكيداً على اعتبار روسيا «تهديداً طويل الأمد»، والتزاماً شاملاً وصريحاً بمبدأ الدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة في ميثاق الحلف، إلّا أن شبح التعرفات الجمركية التي فرضها ترامب على الحلفاء الأوروبيين، وتلويحه أخيراً بإمكان تجديدها، إضافة إلى تهديده بضمّ الولايات المتحدة لغرينلاند الدنماركية، وتشكيكه في جدوى تحمّل بلاده العبء الأكبر لحماية أوروبا ومطالبته دولها بدفع أثمان باهظة مقابل المظلّة الأمنية، والتغييرات في طبيعة الانتشار العسكري الأميركي... كلّ تلك العوامل غيّرت التصوّرات في القارّة حول العلاقة بين ضفّتَي الأطلسي.
وجاء التصعيد الروسي اللافت ضدّ كييف، عشية القمّة، ليمنح الاجتماعات طابعاً عاجلاً؛ إذ تعرّضت العاصمة الأوكرانية لموجات ثقيلة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى وتضرّر مبانٍ سكنية وبنى طاقة. وسارع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إلى استثمار هذا التصعيد ليجدّد طلبه الحصول على صواريخ اعتراض لمنظومات «باتريوت»، معتبراً أن مخزون الحلفاء الغربيين قادر على حماية المدنيين إذا ما تحوّلت الوعود إلى قرارات عملية.
وإذا كان تثبيت روسيا في موقع التهديد الطويل الأمد، يمنح الأعضاء مساحة تلاقٍ، فهو يفتح سؤالاً حول حدود التوافق العملي. فالدول الواقعة على الجناح الشرقي، من مثل بولندا ودول البلطيق، ترى الخطر الروسي أولويتها ومسألة يومية ومباشرة، فيما دول جنوب القارة، وكذلك تركيا، ترى أمنها أكثر ارتباطاً بالبحر الأسود، وشرق المتوسط، وشمال أفريقيا، وممرّات الطاقة عبر مضائق هرمز والمندب والسويس، وأيضاً مسألة الهجرة.
أمّا الملف الأشدّ حساسية، فيبقى العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ تطالب إدارة ترامب، الحلفاء الأوروبيين، بالتحرّك السريع نحو تحقيق هدف إنفاق دفاعي يبلغ 5% من الناتج المحلّي بحلول عام 2035، موزَّعة بين 3.5% للإنفاق العسكري المباشر، و1.5% لمجالات الأمن الأوسع، من مثل البنية التحتية. بالنسبة إلى واشنطن، تمثّل قمة أنقرة أوّل مراجعة جدّية لمدى التزام الأوروبيين بتعهّداتهم تجاه ذلك، التي كانوا قطعوها خلال قمّة لاهاي السابقة. لكنّ الأوروبيين يريدون إظهار التقدّم في تحقيق الأهداف المالية، مع الحفاظ على مظلّة الحماية الأميركية، خصوصاً في مجال الردع النووي والقدرات الاستراتيجية التي يصعب تعويضها سريعاً. وفي حين باتت الإدارة الأميركية تستخدم تعبير «ناتو 3.0» لوصف مرحلة جديدة يتولّى فيها الأوروبيون القيادة التقليدية للدفاع عن القارة، مع احتفاظ الولايات المتحدة بأدوار استراتيجية أوسع، فإن هذه الصيغة لا تبدو سهلة التطبيق، إذ إن الجيوش الأوروبية بُنيت طوال عقود كقوة مكمّلة للقوة الأميركية، وليست بديلاً منها. ولذا، تحتاج أوروبا إلى بناء رصيد من الذخائر، ودفاع جوي، وقدرات نقل، واستخبارات، وأنظمة قيادة وسيطرة، وقاعدة صناعية قادرة على الإنتاج النوعي والكمّي بسرعة.
تسعى تركيا، الدولة المضيفة، إلى استثمار القمّة في أكثر من اتجاه
في الإطار نفسه، يجد الخبراء في «منتدى الصناعة الدفاعية» المنعقد على هامش القمة، أحد أهمّ مساراتها، إذ يركّز المنتدى على قضايا الإنتاج العسكري، والاستثمار، والابتكار، والمشتريات الدفاعية المشتركة، مع توقّعات بإعلان اتفاقات بين الدول، وأخرى متعدّدة الأطراف في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والفضاء، والمراقبة، والقدرات الاستراتيجية الضاربة. لكنّ هذا المسار يفتح كذلك منافسة صامتة حيناً، صاخبة أحياناً أخرى بين الصناعات الأميركية والأوروبية، وبين الأوروبيين أنفسهم، نظراً إلى أن كلّ حكومة تريد عقوداً وفرص عمل ونفوذاً تكنولوجياً داخل حدودها. أمّا أوكرانيا - الدولة غير العضو في الـ«ناتو» -فعلى الرغم من أنها تستند في حربها مع روسيا إلى تمويل وتسليح وتدريب توفّره دول الحلف، ومن المتوقّع أن يقرّ الأعضاء في قمّتهم دعماً واسعاً لها خلال عام 2026، مع تعهّدات تمتدّ إلى عام 2027، فإن الصراع جعلها أيضاً مختبراً متقدّماً للحرب الحديثة؛ إذ طوّرت قدرات متقدّمة في تصنيع المُسيّرات، وتنفيذ الهجمات البعيدة المدى، ومواجهة الطائرات المُسيّرة، واستخدام البيانات الإلكترونية في الجبهة؛ وهو ما يطرح تحدّي الاستفادة من الخبرة المتراكمة لديها في إعادة صياغة برامج التسليح والتدريب داخل الحلف كلّه.
من جانبها، تسعى تركيا، الدولة المضيفة، إلى استثمار القمّة في أكثر من اتجاه. فهي تريد الترويج لصناعتها الدفاعية المتنامية، والدفع نحو إزالة القيود المفروضة على تجارة السلاح داخل الحلف، وتحقيق تقدّم في ملفات من مثل منظومة «SAMP/T» الأوروبية - نظام دفاع جوي وصاروخي فرنسي/ إيطالي يُنظر إليه كبديل أو مُكمِّل لمنظومة «باتريوت» الأميركية وتطمح أنقرة إلى الحصول عليه كجزء من منظومة دفاعها الجوي -. أمّا المسألة الأصعب، فتظلّ علاقة أنقرة بواشنطن بعد إخراج الأولى من برنامج المقاتلة «F-35»، وفرض عقوبات عليها إثر شراء منظومة «S-400» الروسية. لذلك، تراهن تركيا على لقاء الرئيسَين إردوغان وترامب لفتح مسار تسوية يشمل العقوبات، ومحرّكات الطائرات، وربّما ترتيبات مستقبلية تعيدها جزئياً إلى سوق التكنولوجيا العسكرية الغربية. كما وتدفع إلى تجاوز تحفظات اليونان وقبرص، وتثبيت قناعة لدى الأوروبيين بأن أيّ بنية أمنية جديدة للقارة تحتاج إلى تركيا داخلها، خصوصاً مع دورها المتزايد في البحر الأسود وشرق المتوسط – بما يشمل سوريا ولبنان -، والقوقاز، وأيضاً ممرّات الطاقة ومصادرها من الخليج العربي إلى ليبيا مروراً بالبحر الأحمر.
وفي ما يتّصل بمشاركة وزراء من البحرين والكويت وقطر والإمارات، إلى جانب شركاء آخرين من آسيا والمحيط الهادئ، فهي تشير إلى اتساع نطاق الـ«ناتو» خارج تعريفه الغربي التقليدي. لكن ذلك يحمل مخاطره؛ إذ كلّما دخلت عناوين أكثر إلى جدول الأعمال، ازدادت صعوبة ترتيب الأولويات. فالحلف مُطالَب بردع روسيا، ودعم أوكرانيا، وبناء صناعة دفاعية مغايرة في جدول زمني قصير، وطمأنة أوروبا إلى أمنها، واحتواء تقلّبات السياسة الأميركية، ومراعاة مصالح تركيا، وإدارة قضايا الخليج والبحر المتوسط معاً؛ وهو ما يحتاج حتماً إلى أكثر من صياغة بيانات مشتركة والتقاط صور جماعية.
